يمكننا القول ان ما يجري في الامم المتحدة حول المسألة العراقية ولاسيما فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق يمثل صورة واضحة لمفهوم النظام الدولي الجديد الذي اعلن عن ولادته الرئيس الامريكي السابق جورج بوش بعد انهيار الاتحاد السوفييتي . وانطلاقا من هذا الفهم الامريكي الذي يستند الى مفهوم القوة بمعناها العسكري راحت الولايات المتحدة تستخدم مجلس الامن الدولي وغيره من المحافل التابعة للمنظمة الدولية لفرض سياساتها في المنطقة والتي تهدف اولا واخيرا الى تحقيق المصالح الامريكية تحت غطاء ما يسمى بالشرعية الدولية التي تجتهد واشنطن بترجمة ادبياتها وقراراتها بما يخدم توجهاتها السياسية ساعية الى ايهام العالم بان ما تقوم به انما يمثل جانبا من (واجباتها الأخلاقية) , الا اننا لا نعرف في الحقيقة ما اذا كانت (الواجبات الاخلاقية) هذه تعطي مبررا كافيا لمحاصرة الملايين من أبناء الشعب العربي في العراق والذي يشيّع في كل يوم المزيد من ابنائه بسبب المرض وسوء التغذية الذي يعاني منه الكثيرون في العراق. اذ تشير التقارير التي اعدتها منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة والتي تستخدمها الولايات المتحدة لإبقاء الحصار على العراق الى ان معدل عمر الفرد العراقي سينخفض من 67 سنة الى 47 سنة في حال استمرار الحصار اما منظمة الاغذية والزراعة الفاو فتؤكد في تقاريرها ان العقوبات المفروضة على العراق تسببت لجوع وسوء تغذية لأغلبية كبيرة من الشعب العراقي وخاصة الاطفال. كما ادى الحصار ايضا الى انخفاض حاد لقيمة العملة الوطنية العراقية وأدى الى ارتفاع كبير في نسبة التضخم ناهيك طبعا عن فقدان الأدوية ووسائل الرعاية الطبية والصحية وعجز الدولة عن اصلاح الكثير من منشآت البنية التحتية التي دمرتها الحرب. ولو عدنا الى الوراء قليلا لوجدنا ان التكلفة البشرية والاجتماعية التي تكبدها العراق نتيجة الحصار اكبر من الدمار الاقتصادي العسكري الذي لحق به خلال الحرب. وبالنظر الى الهدف الامريكي المعلن وهو الإطاحة بنظام الحكم القائم في العراق والذي فشلت فيه رغم مضي ثمانية اعوام على الحصار تكون الولايات المتحدة قد فقدت احد الاسس التي يقوم عليها موقفها المنادي باستمرار العقوبات اذ ان الايام اثبتت ان الشعب العراقي هو وحده الذي يدفع ثمن الحصار, الامر الذي يدفعنا الى التأكيد ان الولايات المتحدة انما تستهدف منع الشعب العراقي من إعادة بناء بلاده ومنعه بالتالي من العودة بالعراق الى الصف العربي, الذي يعتبر العراق احد ركائز أمنه القومي وهنا لابد من التذكير بان السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة تجاه الشعب العراقي انما تمثل اسلوبها في التعامل مع العرب عامة فهي لم ولن تتورع عن فرض العقوبات على اية دولة عربية وتستطيع بحكم هيمنتها على الامم المتحدة ان تسوق المبررات الاصطناعية اللازمة طالما لا يوجد موقف عربي فاعل وقادر على افهام الولايات المتحدة بان هناك ايضا شيء اسمه الامن القومي العربي لا يقل اهمية عن امن الولايات المتحدة. لقد آن الأوان ان يدرك العرب ان عليهم حل مشكلاتهم بأنفسهم وان يدركوا ان رفع المعاناة عن الشعب العراقي الشقيق واجب تفرضه الانسانية والعروبة لاسيما وان ما يخطط امريكيا واسرائيليا لمنطقتنا ابعد من العراق وان الحصار الذي يخضع له الشعب العراقي قد يخضع له الشعب العربي في اي قطر آخر من اقطار العرب. واذا كانت الامة العربية تمتلك الكثير من عناصر القوة فان ما يجب التذكير به ان قدرة الامة لا تتحدد فقط بامتلاك هذه العناصر وانما باستعدادها للتحرك بحرية في ادارة الصراع مع غيرها واستخدام كافة الادوات المتاحة لخدمة اهدافها.