تزايدت في الآونة الاخيرة الاصوات العربية التي تنادى بالمصالحة العربية مع صدام حسين, وبذل الجهود لاعادة تأهيل ذلك النظام داخل المنظومة العربية , الامر الذي من شأنه تقويض الخلافات العربية, وتوحيد الصف, وتقليل الفجوات الحادثة والتي زادت من حدتها حرب الخليج الاخيرة, غير ان معطيات الواقع تؤكد وجود صعوبات جمة تقف في طريق تحقيق هذا الأمل, الذي يعتبره البعض بداية الطريق لتحقيق حلم الوحدة العربية, لتحقيق مصالح الامة العربية, ذلك الحلم المشروع, وقد كان (للملف السياسي) هذا الحوار مع الخبير السياسي العراقي واستاذ علوم الاجتماع بجامعة امستردام بهولندا ونبدأ بالحوار مع الدكتور عصام الخفاجي ونبادره بالسؤال: في تصوركم السياسي ما مدى امكانية اعادة دمج العراق بالمنظومة العربية؟ أرى انه من الواجب تحرى الدقة جيدا في هذا الموضوع, ونفرق بين النظام العراقي كمؤسسة سياسية والشعب العراقي, وفي تصوري كبداهة انه اذا عاد العراق فستعود القوة للأمة العربية والقدرة على المواجهة, ولكني وبصراحة وبعد مواجهة خيبات كثيرة عشناها مع هذه التجارب, بدأت اعيد النظر في هذه البداهات, فلو عاد العراق بين الأنظمة العربية هل يجب ان يعنى هذا بالضرورة قوة للبلدان العربية مجتمعة. يبدو لي ان البلدان العربية على اختلاف توجهاتها, هناك اهداف متباينة ومختلفة, ولكن هناك اتجاه عام الان هو قبول نظام صدام حسين وقبول التعاطى معه سياسيا وهو امر لم يكن متوافرا منذ احتلال صدام للكويت, وهذا حدث الان نتيجة لأسباب متفاوتة, لا ارى ان العودة لنظام صدام حسين واعادة تأهيله داخل المنطقة العربية فيه قوة للمنطقة العربية, كل ما اراه انها سياسة قصيرة النظر وسياسة تعبر عن يأس مشروع من الموقف الامريكي تجاه المصالح وشعوب المنطقة العربية. الا ترى ان رغبة بعض الدول العربية في اعادة صدام حسين للصف العربي, تنطوى على محاولة لتغيير هذا النظام وإعادة تأهيله, وهي وسيلة قد تكون افضل من عزله, واستمرار سياسة هذا النظام العراقي؟ بوضوح شديد لا يوجد النظام الديمقراطي الذي لديه القدرة والمصداقية على طرح البديل, او التأثير ليضفي اشعاعه على العراق من اجل تغيير النظام من الداخل, ثالثا: ليس لنا مصلحة في ابقاء هذا النظام, وانا كواحد من شعب العراق ممن ابتلوا بمحنة هذا النظام, بالرغم انني اعيش هنا في هولندا, الا انني اتابع باستمرار ما يحدث على الساحة هناك بالتفاصيل, لسوء الحظ متى ما حاول الشعب العراقي ان يغير فلا يجد مساندة من الانظمة العربية, ولدينا نموذج حي تمثل في انتفاضة الشعب العراقي عام 91 عقب وقف اطلاق النار, فقد خشيت الانظمة العربية على نفسها من قيام عراق ديمقراطي يمكن ان يكون نموذجا يشع عليها, فانا استبعد تماما ان يكون هناك رغبة حقيقية من بلدان عربية نحو هذا الطرح, او تنميته, او مساعدة آخرين للقيام به, هذا هو الواقع المرير... واعتقد ان هناك اسباب متجمعة وراء سير الأنظمة العربية لإعادة صدام حسين الى الصف العربي ولا اعتقد وجود رغبة حقيقية في تغيير النظام العراقي من الداخل. وحتى يتضح موقفي من القضية انه يجب الفصل بين مآساة الشعب العراقي وبين النظام العراقي, فهناك خلط حاد بين الاثنين, وكلامي السابق لا يمكن ان يعنى بأي حال من الأحوال ابقاء الحصار على الشعب العراقي, ان الشعب العراقي المعارضين في مجمله مع رفض الحصار كاملا, وعندما نقول ابقوا على عزل النظام العراقي لا يعنى هذا ابقاء الحصار على الشعب العراقي, وهذا ما تطالب به جموع الشعب المعارضة من العراقيين. من اين اذاً يستمد النظام قوته اذا كان ضعيفا, وله معارضة شعبية كبيرة؟ هذا سؤال هام, فالنظام يستمد قوته من تفتيت وتشتت المعارضين, فهذا النظام خلق الفراغ السياسي وخلق هذا التفتت, فمعارض او من يشتبه فيه حتى انه معارض يذبح ويباد او يرسل الى المنفى, فالنظام خلق هذا الفراغ السياسي وخلق هذا التفتت, بالتالي هو يستفيد من ضعف المعارضة, ويستفيد الآن من الحالة التي يواجهها الشعب, والتي يستحيل معها قيام اي محاولة منظمة شعبية لإسقاطه, او اي انتفاضة.. الى آخره, ومن جهة ثانية فإن النظام العربي او الدولي يساعده على البقاء والاستمرار. في تصوركم ما هو موقف الولايات المتحدة الامريكية في المستقبل من نظام صدام حسين؟ القضية تعتمد على ما يجري داخل العراق بالدرجة الاولى وليس على ما يحدث في الخارج, هناك بالطبع مخططات ورغبات امريكية, ولكن القضية في النهاية تدور حول ماذا سيحدث داخل العراق, امريكا كما ارى الان يفضلون نظام يشبه نظام صدام حسين, وان كان اقل قمعية بكثير, ولكنه يظل في النهاية من حيث الجوهر يشبه نظام صدام حسين من حيث مؤسساته, ولكن اعتقد ان معظم صانعى السياسة الامريكية يتمنون في قرارة انفسهم هذا النظام, يتمنون نظام يبقى فيه وزراء صدام حسين مع استبدالهم بوجوه جديدة, ولكن الجوهر العام للمؤسسات يبقى كما هو, لكن كل هذه المحاولات لها صلة اكثر بالسياسة الداخلية الامريكية وصراعاتها اكثر من كونها مشروع جدي, وحتى لو كانت مشروعاً جدياً فهي في الحقيقة لا تخدم العراق, بل على النقيض ستخدم نظام صدام حسين, ذلك النظام الذي قام منذ البداية بفرض نفسه كما لو كان هو الوطن وهو العراق, بالتالي فمن يعارضه فهو عميل للأجنبي, والولايات المتحدة الامريكية تقدم لهم خدمة كبيرة, بالقول بأن من يعارضون هم عملاء للـ (سى آى ايه) . الواقع هناك شرخ نفسي لم يتمكن الامريكان حتى الآن من عبوره, واكرر بأن الادارة الامريكية ليست لها مشاكل حقيقية مع هيكل النظام الحاكم في العراق, ولقد سألت مؤخرا احد المسؤولين في الادارة الامريكية عن رأي حكومة بلاده فيما لو تولى شقيق صدام المقيم في جنيف الحكم, فابتسم قائلا: لكل حدث حديث, ماذا يعنى هذا؟ وامريكا كانت تقول في الماضي بأنها لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تقبل احدا من عائلة صدام في الحكم من بعده, ولم يكن طرح هذا السؤال في الأصل ممكنا فيما لو كانت الادارة الامريكية لا تهيئ له المناخ, ثم ان الاجابة فسرت بأنها ــ أمريكا ــ لا تريد الا تغيير الوجوه فقط, بشرط بقاء هيكل النظام كما هو, لكنهم لا يريدون اجراء حوار مع صدام حسين, ولعل موقف امريكا كان واضحا حينما عبرت عن استيائها من مجرد مصافحة (كوفى عنان) السكرتير العام للأمم المتحدة لصدام حسين أثناء لقائه به وقت الأزمة بسبب لجان التفتيش, والتي هددت بضربة عسكرية أمريكية للعراق. تشير بعض المصادر السياسية وجود مخطط لتقسيم العراق, فما هي مخاطر ذلك على المنطقة العربية؟ اسمح لي بقول ان السؤال نفسه هو الأخطر, فكثير من الاشقاء العرب للأسف يجهلون تركيبة المجتمع العراقي, كما ان الأصدقاء العرب ليسوا على دراية حقيقية بما يجرى في العراق, وما يتردد حول تقسيم العراق هو جزء من مجموعة خرافات, تشبه الخرافات التي كانت موجودة أيام غزو الكويت حينما كانت تتردد الأقاويل عن الوضع الاقتصادي في العراق, وارجاعها لأسباب الغزو وما شابه ذلك, فكل هذا وهم لا غير, مشكلة العراق تكمن في مركزيته ووضعه الاستراتيجي وليست في تفتته, فمشكلة العراق كانت على الدوام من يسيطر على بغداد يحكم كافة العراق, والحديث عن أوهام التقسيم يعطى انطباعاً بأن العراق كأنه توحد بمجيئ صدام حسين, وانه هو الضمان الوحيد لوحدة البلاد, وحتى لا اعتقد بوجود مخططات غربية حقيقية لتقسيم العراق, الذي حدث هو طرح سياسي اوروبي بهدف التخويف, وللأسف ابتلع كثير من العرب هذا الطعم بحسن نية وتوالت ترديد هذه المخاوف في العالم العربي, ولقد قادت هذه الخرافة لخدمة نظام صدام حسين, الذي اخذ ايضا اللعب على وتر هذه الخرافة, وكأنه هو موحد العراق, بالرغم انه نفسه الذي عمق شروخ الطائفية المنهجية في العراق, لم يحدث في تاريخ العراق أن ذهبت مثلا الدبابات الى مدينة وهي ترفع شعار لا شيعة بعد اليوم, فمن الذي يعمل على تفتيت العراق اذاً؟ أليس هو نظام صدام حسين نفسه, الذي يلعب على عواطف الناس في بلده. الكويت وموقفها من عودة العراق للصف العربي, كيف ترى ذلك؟ حقيقة الاخوة الكويتيين هم الاولى بان يطرح عليهم هذا السؤال, لكن من خلال رؤية عملية ورصد للواقع, وليس من باب التشفى على الاطلاق, استطيع قول بان الكويت دفعت ثمنا باهظا في هذه القضية, لشيء قاموا انفسهم بتعزيزه, فقبل اعتداء العراق على الكويت كانت الصحافة الكويتية بوقا اعلاميا للحكومة العراقية, تشترك معها السياسة الكويتية ايضا, كما ان الكويت دفعت الأموال الكثيرة لنظام صدام حسين, وصفقت وهللت لما أطلق عليه حرّاس البوابة الشرقية, كل ذلك كان في النهاية مقابله ثمنا كبيرا دفعه الأشقاء في الكويت, اضافة الى ان العراق صدق كل هذه الاكاذيب, بعد كل هذا لم يستفد من الدروس. لاهاي ـ البيان