دون اجترار لذكريات الماضي فان مرور ثماني سنوات على ازمة الخليج تستدعي وقفة ليس بكاء على الاطلال وانما لاستخلاص المزيد من الدروس والعبر من تطورات الازمة التي مازالت تداعياتها تتفاعل حتى اللحظة . وفي محاولة لالقاء نظرة شاملة على حصاد الازمة فانها تشير دونما كثير اجتهاد الى ان العرب جميعا هم الخاسرون وان ازمة وحرب الخليج, حسب البعض, لم تكن ضرورية ولم تكن مفيدة لا من بدايتها ولا من نهايتها. فعلى مستوى العراق يمكن القول انها اخرجته من عجلة التاريخ لمدة خمسين سنة على الاقل, وهو امر تشير اليه الاوضاع هناك الناجمة عن العقوبات المستمرة منذ اندلاع الازمة. يكفي ان نذكر هنا ما اعلنه تقرير لمنظمة الصحة العالمية صدر في مارس 96 حيث اشار الى ان اكثر من 560 الف طفل عراقي فارقوا الحياة خلال سنوات الحصار وان نحو اربعة ملايين آخرين هم دون خطر الفقر وان دخل الموظف شهريا لا يمكن ان يشترى اكثر من ثلاثة اطباق من البيض. ارقام تكشف عن حجم المأساة ولا نود ذكر المزيد. وليس جديدا ان نقول ان اندحار العراق مثل خصما من رصيد القوة العربية والتي كان يدرج ضمنها باعتبار ان قوة العراق يمكن ان تساند الموقف العربي في اية حروب يفرضها السعي العربي لاسترداد حقوقه من اسرائيل. ومن الحديث عن المآسي ننتقل الى الحديث عن الطموح حيث اجهزت الازمة تماما على اي طموح عراقي للعب دور اقليمي في المنطقة, وبعد ان كانت بغداد تتطلع الى شغل موقع القاهرة في ريادة النظام العربي بسبب توجه هذه الاخيرة للصلح مع اسرائيل انكفأت بغداد على نفسها جراء العقوبات. وضمن الاجهاز على قدراتها جرى القضاء على اية قدرات تسليحية بما فيها القدرات النووية. وقد جاء تقرير وكالة الطاقة الذرية الذي صدر امس الاول ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان العراق لم يعد يمتلك مواد نووية. واما على المستوى العربي فتتعدد التأثيرات الخطيرة للأزمة وكان ابرز التأثيرات واسرعها والتي مازالت قائمة ونعانى منها هي ادخال العرب في شكل من اشكال التسوية اسفر عن ابتلاع الجزء الاكبر من حقوقهم وتشويه معالم القضية الاساسية: فلسطين ــ لقد ادت الازمة الى نوع من الاحساس بالعجز العربي ما فرض على اكثر الاطراف راديكالية ــ سوريا ــ قبول الانخراط في نفق للتسوية كانت بداياته تشير الى انه سيكون مظلما, وهو ما تأكد تحققه بعد فوات الأوان. واذا كانت اسباب مأزق المفاوضات العربية مع اسرائيل تتعدد وتتنوع فان جزءاً اصيلاً منها يتمثل في توابع اثار حرب الخليج. من بين التأثيرات الاخرى تتمثل في بوادر ترنح بعض الاقتصادات العربية القوية, خاصة الاقتصادات النفطية بسبب فاتورة الحرب التي تجاوزت وفق بعض التقديرات رقم المائة مليار دولار. وما الحالة التي تحياها بعض الدول النفطية. وتفرض عليها سياسات انكماشية سوى نتيجة مباشرة لتكاليف الازمة. اما على صعيد الوضع الأمني فقد كرست الازمة شرعية الوجود الامريكي في المنطقة, وبعد ان كان وجوده قائما على استحياء اصبح وجوده معلناً, ويحظى بتأييد بعض القطاعات الجماهيرية. واستتبع هذا حرص الولايات المتحدة على استخدام (خزاعة) العراق لزرع الخوف ورفع درجة الهاجس الامني في دول الخليج, وهي سياسة نجحت لفترة, غير انها بدأت تفقد مصداقيتها ازاء تطورات عديدة تشهدها المنطقة حالياً. لقد كانت ازمة الخليج بحق مرحلة فاصلة في التاريخ العربي الحديث, تضاف الى نكبة فلسطين في 48 وهزيمة يونيو في 67, وهي ازمات ثلاث لا تجسد الفشل العربي على مدى سنوات النصف الثاني من القرن العشرين في مواجهة التحديات التي واجهت النظام الاقليمي العربي ما دعا الى طرح وتصاعد فكرة النظام الشرق اوسطى كبديل.. بعد ان كانت التطلعات تتجه الى تحقيق الطموحات القومية اثر انتهاء المرحلة الاستعمارية, وتصور البعض معها اننا قريبون من تحقيق حلم الوحدة العربية الشاملة, وهو حلم اثبتت التجربة انه سراب رغم انه كان بالفعل قاب قوسين او أدنى!.