الجدل حول قضية الربط بين تأهيل العراق عربيا, (واقليميا ودوليا) في وجود القيادة العراقية الحالية ام بعد غيابها بشكل واخر, امر له ما يبرره منهجيا فقد ثارت القضية ذاتها بالنسبة لدول اخرى. المانيا واليابان وايطاليا نسبيا, بعد الحرب العالمية الثانية, وهي موجودة الان فيما يتعلق بالتعامل مع نظم اخرى, كالنظام الصيني او الكوبي, وان في سياق مختلف بعض الشيء . بيد أن هذا الجدل نفسه ينطوى على كثير من الافتئات بل والسذاجة والسطحية فيما يخص المسألة العراقية, وذلك لاكثر من سبب, منها: ان معظم المحاورين يربطون القضية بزعامة صدام حسين شخصيا متجاهلين ان الرجل هو في التحليل النهائي احد منتجات منظومة معينة ثقافية وسياسية وحزبية.. وهكذا, فان الاكثر منطقية هو التأمل في هذه المنظومة, التي يعنى تغييرها او تحويل مسارها عملية ممتدة ومعقدة بشدة, وفي المثلين الياباني والألماني, احتاج التغيير ما هو ابعد واعمق من زوال هتلر والدكتاتورية العسكرية اليابانية, تلك العملية التي سميت بتغيير الطابع القومي للشخصيتين الالمانية واليابانية, وهي عملية مستمرة حتى الان منذ اكثر من نصف قرن. ان ما يقال حول وجود نمط عدواني لدى القيادة الحالية في بغداد تجاه الكويت او حتى الجوار عموما, يتجاهل ان هذا النمط اسبق من القيادة الحالية زمنيا, وهذا امر معروف تجاه الكويت او الجوار. ولذلك يجب البحث في الملف التاريخي للسياسة العراقية, لا في ملف صدام حسين شخصيا, هذا ان اراد البعض تحريا جذريا للمسألة, وليس بحثاً سطحياً عن علاقة صدام حسين بالكويت او غيرها. لم تميز عملية معاقبة النظام العراقي بين اهدافها المعلنة التخلص من النظام والمسار الذي ادت إليه عمليا, وهو تدمير الشعب العراقي, وهنا يحق الاستفهام حول ما هو الأكثر جدوى لتحقيق الهدف المعلن: هل هو تأهيل الشعب العراقي للتعامل مع نظامه؟ ام حصار الشعب نفسه كي يفتضح امر النظام ويسقط بصفته جلابا للكوارث؟ والاجابة الان, اصبحت واضحة وهي ان تحطيم الشعب ادى الى عكس المطلوب تماماً (تقوية النظام).. ان الجدل يسقط من اعتباره بشكل مدهش, ضرورة النظر ايضا في تأهيل الكويت, فثمة بعد نفسي ومعنوي لدى الكويت تجاه العراق عموما, لصدام حسين فقط, ادت الى تفاقمه المعالجة الاعلامية والتعبئة التي تولتها جهات كويتية وخارجية, ما يستدعى التوجه الى الكويتيين, الدولة والشعب, بقدر من الموضوعية لتحريرهم من عقلية الانتقام المسيطرة, فليس من مصلحتهم الدأب على هذه العقلية مع دولة جارة, لا يمكن استئصالها من الأرض, وعليهم الحياة والتعايش معها, بغض النظر عن رضائهم الذاتي عن نظامها, والقاعدة العامة هنا تقول: انه ليس من المقدر ان تكون النظم لدى الجيران موافقة في كل الأوقات لأهوائنا الذاتية. وانه لابد ان تكون هناك قدرة على معالجة العلاقة مع الجار تحت كل الظروف (والأنظمة). وتقديرنا على كل حال, ان النظام العربي يتجه الى التعايش مع قوى خارجية, لها تاريخ عدواني سابق او حالي تجاه اطرافه, انه يحاول حد الجسور مع ايران (وهي تحتل جزراً عربية في الخليج), ومع تركيا التي تحتل اقليما عربيا (الإسكندرونة) وتعمق تحالفها مع اسرائيل (التجمع الاستيطاني الغازي لقلب العرب), ويحاول ان يتفاهم مع ارتيريا التي ابرزت ميولا عدوانية جنوب الوطن العربي. اكثر من ذلك ان المنظومة العربية تتحايل لمعالجة النظام الاسرائيلي الفاجر المغتصب الاستيطاني, الذي لا ينتمي الى المنطقة بأي حال, وهذا كله يثير الاستهجان في وجه من يؤججون العداوة مع النظام العراقي ويقطعون باستحالة تأهيله عربياً. اذ انه حتى لو كان العراق أوغل في سلوكه غير السوي مع الكويت, فانه لا يجب ان يغرب عن الذهن ان العراق هو الطرف (والنظام) الوحيد, الذي ناله العقاب الأليم جرّاء هذا السلوك, فيما يسرح الآخرون ويمرحون بلا وازع من أخلاق أو قانون. ربما كان من الضروري, ونحن بصدد النقاش حول تأهيل العراق من عدمه, ان نتابع دور المحدد الخارجي, الامريكي والاوروبي, فالمنظومة الغربية, متغلغلة بشدة في هذه القضية, وفي هذا الصدد, سوف يلفت انتباهنا, كيف ان هذه المنظومة تتولى بالفعل, طبقا لرؤيتها لمصالحها. اعادة تأهيل بعض النظم التي لطالما اعتبرتها عدوانية. إنها تفعل ذلك مع طهران, وهي مقبلة على الأمر نفسه مع ليبيا, وبالطبع لا جدال في تحالفها مع اسرائيل. فهل ينتظر النظام العربي حتى الخطوة الغربية المقبلة مع بغداد؟ ان المبادرة العربية بالخصوص, سوف تضفى على العرب شيئاً من استقلالية الحركة وقد تنزع من النفسية العراقية الكثير مما علق بها تجاه الأمة. ثم ان اعادة المنظومة الغربية للنظر في تعاملها مع ايران وليبيا والتودد للصين.. بعد طول اتهام لنظمهم بالعدوانية وانتهاك حقوق الانسان.. الخ, تعنى بين معان اخرى, ان سياسة القرب ليست مما يوثق به, ولا هي تسير على هدى من مبادئ ثابتة, ولا تصلح دليلاً يهتدى به العرب في سلوكهم الخارجي ولا في علاقاتهم الداخلية. هذه الحيثيات جميعها, ينبغي ان تدخل في صلب قضية تأهيل العراق عربياً. ولعل مما يصلح لإدراجه في القضية, مستقبل النظام العربي برمته وموضعه على خارطة القوى الدولية. فمن حول هذا النظام تتصاعد قوة الهند وباكستان وايران وتركيا, علاوة على عنجهية اسرائيل من الشعب, فهل يفيده, ان يعتصر العراق بكل مؤهلاته حتى الرمق الأخير ثم يلقى على قارعة المنطقة؟.. ان العراق كقوة اقليمية عربية, به ما هو اكثر ثباتاً من صدام حسين ونظامه بالمعنى المستقبلي. به قاعدة بشرية خلاقة ونواة يمكن اعادة ترميمها على الصعيد العلمي والتكنولوجي. وبه من يؤمنون بتعامل اقليمي عربي يقوم على مبادئ اكثر عقلانية وأخلاقية. ولاشك ان نبذ هذه الحيثيات في ظل عالم يمور بعوامل التحفز من حول العرب, يمثل خسارة لكل أطراف النظام العربي. والواقع, انه اذا جرى تفهم كل هذه الأبعاد بعقل بارد لا تحفه عمليات التحريض الخارجية, ولا تحركه نوازع الانتقام الداخلية, واذا تم رفع الحصار عن العراق, فان في المجال إمكانية لهجوم عربي إصلاحي مضاء. ونحسب ان العراق سوف يكون بحاجة ماسة الى عملية إعادة بناء كبرى يمكنها ان تشكل رأس هذا الهجوم, ان مدخل التنمية العراقية والاستثمار في هذه العملية, قد يكون الأوفق لوصل ما انقطع. وتقديرنا, ان القوى الخارجية ذاتها التي دأبت على عزل العراق, سوف تحركها نوازع المصلحة الاقتصادية للمساهمة في هذا المدخل. ولذلك, ربما كان من العقلانية أن تكون الأيدي العربية أسبق في اجتراح هذا المدخل. نقول ذلك وفي الذهن, تجربة العداء الفرنسي الألماني, الذي قامت بتفكيكه عمليات توازن المصالح الاقتصادية التي اضطلعت بها الجماعة الأوروبية (الاتحاد فيما بعد).. فان آمن العرب بهذه التجربة وصلاحيتها مع الحالة العراقية الكويتية او العربية بعامة, فقد لا يبقى سوى مناقشة تفاصيل التنفيذ. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة