الدكتور جمال الأتاسي تاريخ حافل من العمل الوطني الوحدوي وأحد الرموز الناصرية الذي مايزال حتى اليوم يدافع عن الناصرية كمشروع نهضوي والمخرج الوحيد للعرب من مأزقهم . عايش ثورة 23 يوليو والتصق بقيادتها في جميع مراحلها ومنعطفاتها ايام الوحدة المصرية السورية وفي عهد الانفصال وحتى وفاة زعيم الثورة جمال عبدالناصر. وقبل ثورة يوليو كان على رأس الشباب السوري الذين توجهوا الى العراق لمساندة ثورة رشيد الكيلاني عام 1943. تحدث (للملف السياسي) حول ذكرى ثورة يوليو وما تعرضت له من مؤامرات وظلم وتجني من الاعداء ومن ذوي القربى وبشخص قائدها جمال عبدالناصر. بدأ حديثه بالقول: ثورة 23 يوليو لم تكن مجرد ثورة وطنية مصرية لأحداث التغيير في نظام الحكم بمصر بل كانت بداية لتاريخ ونهوض جديد للوطن العربي بقيادة جمال عبدالناصر, وقد استطاعت الثورة ان تستوعب الظروف التي حوار يوسف البجيرمي،دمشق،البيان مررت بالمنطقة وبالعالم في تلك الحقبة وان تدرك ما المصير من دور تاريخي وحضاري بحكم موقعها في قلب الامة العربية واستطاع عبدالناصر ان يتحول لتلك الثورة من مجرد ثورة وطنية الى ثورة شاملة حركت الامة العربية وان تثور شعوب الامة في الاستقلال والتحرر والوحدة والتصالح الى وحدة الامة واعطت مصر دورها الكبير واصبحت تشكل نقطة استيعاب لمرحلة تاريخية كاملة حظيت بتقدير قيادات التحرير في العالم عدا ما قدمته مصر لابنائها وامتد ذلك الى افريقيا لتساند ثوراتها. وبالنسبة لنا في سوريا منذ اخذت مصر وجهها القومي الصريح والناصع في المواجهة ضد الاستعمار والهيمنة تعاطفنا واندفعنا نحو ثورة مصر وتعاونا مع زعيمها الى ان قام الانجاز الكبير وتم توحيد القطرين في وحدة اندماجية لتكون قاعدة وقدوة لوحدة شاملة وتعرضت تجربة الوحدة في سنواتها الاولى الى التآمر والغدر وكان الانفصال طعنة وهزيمة وهذه الهزيمة مقدمة للهزائم التي ضربت الامة العربية فيما بعد واغتيلت الوحدة والامل العربي. واضاف الدكتور جمال الأتاسي وظلت مصر بقيادة عبدالناصر محافظة على معاني الوحدة ورموزها وحافظت على اسمها الجمهورية العربية المتحدة, وبقي علم الوحدة مرفوعا وكانت منذ الانفصال وحتى وفاة الزعيم جمال عبدالناصر مرجعية للأمة العربية ولكل الوحدويين العرب, حتى بعد نكسة يونيو عام 1967. على ان جاء انور السادات بعد وفاة عبدالناصر الذي قاد حركة مضادة ضد الثورة يوم 15 مايو التي اسقطت رموز الناصرية عن طريق اعتقال القيادات السياسية والعسكرية التي كانت تستعد لمعركة التحرير وفي نفس الوقت الغى السادات اسم مصر الوحدوي (الجمهورية العربية المتحدة) ومنذ ذلك التاريخ في ظل قيادة السادات الذي الغى ايضا دورها القومي القيادي واعادها الى مصر المصرية بدلا من مصر الناصرية. صحيح ان الرئيس انور السادات خاض حرب تحرير عام 1973 واتخذ قرارها لكن تلك الحرب كانت من اعداد جمال عبدالناصر وعملية العبور كانت معدة في عهده وبعد الحرب كان التحول باتجاه امريكا واسقاط المقومات الاستراتيجية التي قامت عليها ثورة 23 يوليو وذهب السادات الى كامب ديفيد وحدث التحول عن المسار القومي الذي جسدته الثورة. لقد احيطت ثورة عبدالناصر منذ البداية بعداء كل القوى المحافظة في اقطارنا العربية وبعداء القوى الاستعمارية التقليدية ومن القوى الانتهازية التي تعاملت مع الثورة هذه القوى غطت الكثير من الحقائق وكانت تركز على مثالب الثورة وتطعن بقائدها مما اضطر النظام الى اتخاذ اجراءات امنية بالصيغة التي شهدتها ايام حكم عبدالناصر واتخذ الجانب الديمقراطي في تلك التجربة واستغلت القوى المعادية القصور الديمقراطي للثورة واستخدمته للتغطية على ما كان من دور كبير لشخصية عبدالناصر وتشويه الايجابيات. وذكر الاتاسي قصة وحدوية جرى الاتفاق عليها ولم تعلن ولم يأت احد على ذكرها في اواخر حزيران 1970 عندما زرت القاهرة بطلب من عبدالناصر قبل وفاته بعدة اشهر حيث تم لقاء في طرابلس الغرب بحضور نور الدين الاتاسي رئيس مجلس الرئاسة السوري ومعمر القذافي وعبدالناصر وكنت حاضراً بصفتي امين عام للاتحاد الاشتراكي العربي وتقرر فيه اعلان وحدة ثلاثية لمواجهة التصعيد العسكري على الجبهة المصرية والاعداد لمعركة فاصلة مع اسرائيل وحينها انشغل عبدالناصر بظروف حرب الاستنزاف والمبادرات الدولية واتفق وقتها على ان يتم الاعلان عن هذه الخطوة الوحدوية الا ان المنيّة عاجلت الرئيس عبدالناصر في سبتمبر من نفس العام وانتهى هذا الموضوع الوحدوي ولم يعلن عنه حتى اليوم. ويستطرد الدكتور الاتاسي بعد وفاة عبدالناصر حاولوا تجديد الفكرة واسفرت عن قيام ما عرف باتحاد الجمهوريات العربية المتحدة وكان اتحادا دون محتوى وتلاشي هذا الاتحاد دون ضجة. وهناك مسألة هامة لابد من توضيحها للرأي العام العربي ماتزال غير واضحة للكثيرين وهي ما تخص قبول جمال عبدالناصر لمبادرة امريكية عرفت بمبادرة روجرز الذي قبلها عبدالناصر في عام 1969 حيث تعرض عبدالناصر لحملة شعواء من سوريا والمقاومة الفلسطينية لقبوله المبادرة واعتبروها تنازلا وخيانة والحقيقة انني قابلت عبدالناصر وقال لي بالحرف الواحد ان قبول مبادرة روجرز كانت فرصة لوقف الغارات الاسرائيلية على مصر وليتاح لنا ترتيب اوضاعنا العسكرية وهي مجرد مناورة واعلمت القيادة السورية بذلك وبخطورة الوضع العسكري على الجهة المصرية واكد لي عبدالناصر انه يستعد لعبور القناة في ربيع عام 1971 وكل هذه الامور غطيت وحرص على الزعيم المصري الذي كان مصمما على خوض معركة حاسمة في اسرائيل وسمعت منه انه لابد من المعركة لتحرير كل شبر احتل في عام 1967 لإزالة اثار العدوان واستفادة الكرامة العربية بقوة وارادة. واكد ان لا خلاص للامة العربية من مأزقها الا بالعودة الى المشروع النهضوي الناصري وعندما تتطلع الاجيال الحالية والقادمة الى نهوض جديد ستتطلع الى المشروع الناصري وهذا ما نسميه بتجديد الناصرية. من خلال اعادة تشكيل الكتلة الشعبية للخروج من مأزقنا التي نتخبط بها.