لقد ورثت ثورة يوليو ضمن ما ورثت من الحكم الذي سبقها تلك العلاقة المعقدة بالسودان او ما كان يعرف وقتها بالمسألة السودانية في اطار القضية الوطنية المصرية... كانت آخر حكومة وفدية برئاسة مصطفى النحاس قد قامت بتلك الخطوة التاريخية اذ امكن النحاس الغاء المعاهدة المصرية البريطانية ( معاهدة عام 1936) التي كان هو شخصيا قد وقعها, ــ كما قال ــ من اجل مصر وألغاها من اجل مصر... والغت تباعا معاهدة عام 1898 بشأن الادارة الثنائية الانجليزية المصرية للسودان, ما عرف وقتها تاريخيا باتفاق الحكم الثنائي والذي اصبح بموجبه السودان يسمى (السودان الانجليزي ـ المصري), والذي جعل على رأس ادارة السودان (حاكما عاما بريطانيا) يتم ترشيحه من قبل بريطانيا ويعين بمرسوم ملكي من (جلالة ملك مصر والسودان) عندما الغت الحكومة الوفدية المعاهدة, حدث في مصر ما حدث خاصة في منطقة قنال السويس من صعود للمقاومة الشعبية والحرب الفدائية, قابله في السودان ايضا صعود مماثل للحركة الوطنية السودانية التي اعتبرت (ان الغاء المعاهدة يسقط اي شرعية مزعومة لبريطانيا لحكم السودان) . في السودان عمت المظاهرات والاضطرابات كافة المدن السودانية واصبحت قيادة الحركة الوطنية الاتحادية اكثر جرأة على المقاومة, ونشأت لأول مرة الجبهة الوطنية المتحدة والتي تشكلت من تحالف عريض للأحزاب الاتحادية (حزب الاشقاء بجناحيه جناح الازهري ـ وجناح نور الدين, حزب الاتحاديين, حزب الاحرار الاتحاديين ـ الذي كان المظلة السياسية العلنية التي عمل تحت ظلها الشيوعيون السودانيون, حزب وحدة وادي النيل) وللحركة العمالية والفلاحية الناهضة والتي شكل اليسار السوداني عمودها الفقري واستندت الى قاعدة الحركة الوطنية الاتحادية العريضة في المدن (خاصة عطبرة وبورتسودان والعاصمة المثلثة) وفي الارياف (خاصة ارض الجزيرة)... تنامت الحركة الوطنية المناهضة (للاستعمار البريطاني) بشكل كبير اضطر معه الحاكم العام البريطاني ان يكتب في تقرير سري للحكومة البريطانية محذرا بان الاشقاء والشيوعيين تدعمهم الحكومة الوفدية المصرية سيحدثون ثورة في السودان) ... هكذا كان الوضع في السودان يوم ان قام الضباط الاحرار بثورتهم صبيحة يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 1952... وهكذا جاءت الثورة وفي مواجهتها مثلما كان في مواجهة اي حكومة مصرية سابقة لها (مسألة السودان) ... السودان في الاستراتيجية المصرية ولا يتسع المجال هنا لحديث طويل عن وضع مسألة السودان في الاستراتيجية السياسية والقومية المصرية الشاملة, لكن المرحوم خضر حمد (الذي كان ساعة قيام الثورة يعمل بالجامعة العربية واصبح بعد توحيد الاحزاب الاتحادية ودمجها في الحزب الوطني الاتحادي في القاهرة عام 52 ـ 1953 امينا عاما لذلك الحزب, ثم وزيرا للرى ثم عضوا بمجلس السيادة السوداني) يروى في مذكراته (ان الضباط الاحرار مع مشغوليتهم بتثبيت الوضع الداخلي في مصر ومحاولتهم تهدئة الجبهة (وتطمين) دول الغرب الكبرى نحو حركتهم واهدافها, كان السودان ايضا من اولى مشغولياتهم (وانهم حاولوا تلمس طريقهم نحو فهم المسألة السودانية خارج اطار الملفات والاوراق الرسمية) , والتعرف على وجهة النظر الوطنية السودانية وذلك ما قاده الى اول لقاء يتم بين الثوار الحكام الجدد المصريين وقائد من قادة الحركة الوطنية الاتحادية, وكان اللقاء الاول بينه وبين (الصاغ) صلاح سالم الذي سيكلفه فيما بعد مجلس قيادة الثورة بالملف السوداني وسيعين وزيرا للاعلام ووزيرا للدولة لشؤون السودان... وهكذا بدأت تلك العلاقة المركبة والشديدة التعقيد والتي ماتزال ذيولها تلقى بظلالها على (العلاقات الأزلية المصرية السودانية) !! وهكذا دخلت ثورة يوليو الباب السوداني... ولقد روى لي المرحوم الرئيس انور السادات ذات صباح في نوفمبر عام 1957 في منزله بالهرم كيف كان (الريس جمال) ينظر نظرة استراتيجية للمسألة السودانية وكيف انه وهو مقبل على اول مفاوضات بين الثورة وبريطانيا, كان يعتقد اعتقادا جازما بالارتباط الوثيق بين مسألة جلاء القوات البريطانية عن السويس, وحل مسألة السودان مع بريطانيا لأنه, كما قال لي المرحوم الرئيس السادات كان يقول ان بريطانيا سترحل مرغمة عن السويس ولكن كيف اطمئن وهي في ظهري... في السودان؟... وذلك صحيح... لكن ثورة يوليو وقيادتها كانت نمطا آخرا من الحكام المصريين, وكانت نظرة عبدالناصر الاستراتيجية للسودان محكومة بالرؤية الشاملة التي كونها وكونته وجعلته زعيما وقائدا ليس لمصر وحدها ولكن لحركة التحرر الوطني العربية وفي قلبها وداخلها السودان... وصحيح ان (النظرة الاستراتيجية) لم تتغير ولكن التوجه نحوها تغير مساره على يدي عبدالناصر وثورة يوليو.. وكانت (حكومة الثورة) اول حكومة مصرية تعترف للسودانيين بحقهم في تقرير المصير, في مفاوضات صعبة وشاقة قادها جمال عبدالناصر وعرفت تاريخيا بمفاوضات جمال ـ هيد (بنسبة لرئيس الجانب البريطاني الوزير هيد).. ويروى الدكتور علي زين العابدين كان سكرتيرا ومستشارا للجانب المصري في المفاوضات ان مستر هيد في مرحلة من مراحل المفاوضات عرض على عبدالناصر الاتفاق على( تسوية تعترف بها بريطانيا (بالحقوق التاريخية المكتسبة لمصر في السودان وتضمن وحدة بين مصر وشمال السودان على ان يبقى الجنوب تحت الوصاية البريطانية الى ان يتأهل للحكم الذاتي.. ويقول الدكتور علي زين العابدين ان رد (البكباش) جمال عبدالناصر كان حاسما وكأنه صفعة في الوجه اذ قال (ولكن تلك صفقة قذرة يا مسترهيد... وتتعارض مع ميثاق الامم المتحدة ومع الاعلان الدولي بحق الشعوب في تقرير مصيرها!!)... وكيف ما كان الامر فإنه ولأول مرة منذ (الفتح التركي الاول) للسودان, وما تلاه من فتح اخر ومن استعادة مصرية (بواسطة قيادة بريطانية) للسودان, وقعت حكومتا مصر وبريطانيا اتفاق فبراير 1993 في شأن منح السودانيين الحكم الذاتي وتقرير المصير!!. وكان الفضل في ذلك لثورة يوليو وقائدها التاريخي جمال عبدالناصر الذي ادرك ان ما يحمى المصالح المصرية في السودان هو التوافق في الاهداف والمصالح بين السودانيين والمصريين قبل وبعد اي شيء آخر... الصدام الاول والقصيدة الأزمة ولقد سارت الامور على النمو المعروف, واجريت اول انتخابات عامة في السودان المتوجه نحو الحكم الذاتي وتقرير المصير, اما بالاتحاد مع مصر او الاستقلال, وفاز حزب الوحدة (الوطني الاتحادي) برئاسة الزعيم السوداني اسماعيل الازهري ورعاية وتأييد زعيم الخيمة الكبير علي الميرغني, وجاءت اول حكومة سودانية ينتخبها برلمان سوداني, شارك في انتخابه كل السودانيين في الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط... وجاء اللواء (الرئيس) محمد نجيب لحضور (بدء اليوم المعين) وافتتاح اول جمعية تأسيسية في السودان في اول مارس 1954, وسارت الامور ايضا على النحو الذي سارت عليه... ولكن وقع اول خلاف بين ثورة يوليو و(الاشقاء) السودانيين عندما انفجر الخلاف بين اللواء (الرئيس) محمد نجيب وجمال عبدالناصر, وعندما تم عزل او استقالة نجيب من الرئاسة.. ومن مفارقات القدر ان الاتحادي الاول الذي اوصل (مصر الثورة) بالحركة الاتحادية المرحوم خضر حمد كان عنوانا لهذا الخلاف والنزاع بين الحكومة الاتحادية في الخرطوم وحكومة مصر الشقيقة الكبرى!! كان وزير الرى السوداني خضر حمد قد جاء الى مصر في زيارة رسمية وهو يحمل معه قصيدة نظمها عضو مجلس الحاكم العام مجلس رأس الدولة الشاعر العربي الكبير المرحوم احمد محمد صالح, في مناسبة عزل اللواء نجيب.. وكان مطلع القصيدة يقول.. ما كنت غدارا ولا خوانا كلا ولم تكن يا نجيب جبا... (وضبطت) اجهزة الامن المصرية الوزير والقصيدة في مطبعة مصرية, وقالت وقتها ان الوزير كان ينوى طباعة (منشورات) تناهض الثورة وتوزيعها في مصر!! وقامت القيامة ولم تقعد, وبدأ التراشق والحرب الكلامية بين الحكومة الاتحادية في الخرطوم وقيادة ثورة يوليو الحقيقية.. وتصاعدت الحرب الكلامية الى درجة ان الحكومة الاتحادية افتتحت اذاعة في السودان خصصتها للرد على تهجم الدكتاتورية العسكرية المصرية على السودان.. كان يشرف عليها بصورة مباشرة الشقيق الكبير المرحوم يحيى الفضلى وزير الاستعلامات والعمل آنذاك.. ولقد امكن للعقل والحكمة تجاوز الأزمة الاولى في العلاقات بين الحكومة الاتحادية والثورة المصرية, لكن المؤرخين والمهتمين بشأن العلاقات المصرية السودانية سجلوا ان الشرخ الذي حدث وامكن تجاوزه بصورة ما وضع الاسس للعلاقات المتوترة التي ظلت تتحكم في مسار الصلات الأزلية بين الاتحاديين السودانيين والشقيقة الكبرى مصر!! ... واول من اعترف باستقلال السودان وتطورت الامور في السودان على النحو المعروف ايضا, وبما لا يتسع المجال هنا لسرده بالتفصيل.. الى ان جاء اليوم الذي وقف فيه رئيس الحكومة وزعيم الحزب الوطني الاتحادي الرئيس اسماعيل الازهري, امام الجمعية التأسيسية وهي في جلسة عادية, تناقش امورا عادية جاءت في جدول اعمالها, وقف واعلن كما قيل وقتها فجأة انه يريد استعمال حقه الذي تمنحه اللائحة ليدلى ببيان باسم الحكومة, واعلن فيه (ان الحكومة ستقدم للجمعية لمشروع قرار لاعلان استقلال السودان من داخل البرلمان)!!.. كانت الأزمة داخل الحزب الحاكم قد بلغت قمتها, وكان التوتر في العلاقة المصرية السودانية قد بلغ غايته العظمى, وكان لقاء السيدين الجليلين عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني, قد تم واعلانهما انهما يريان (ان يتم استفتاء السودانيين في مستقبل السودان) المبادرة التي ادرك معها اسماعيل الازهري ان (الغريمين) التاريخيين قد اتفقا عليه.. وكان رده الذي وصف يومها (بالمفاجأة) ان وضع الجمعية التأسيسية امام الامتحان التاريخي عارضا اعلان الاستقلال من داخلها متجاوزا نصوص اتفاق فبراير عام 53 الذي نص على اجراء الاستفتاء عند نهاية الفترة الانتقالية... وفي القاهرة ايضا كانت الأزمة داخل مجلس الثورة بشأن السودان قد بلغت منتهاها.. وكان معظم اعضاء المجلس قد صدموا بالتطورات في السودان والتي ادت الى تلك الازمة العنيفة بين مصر والحكومة الاتحادية الشقيقة... ودعا عبدالناصر اعضاء المجلس لاجتماع سيوصف فيما بعد بأنه تاريخي... وخصص الاجتماع لمناقشة مسألة السودان والتطورات السودانية.. وحمل غالبية الاعضاء زميلهم المرحوم (الصاغ) صلاح سالم مسؤولية الفشل وتدهور الموقف بالنسبة لمصر في السودان... وجادل المرحوم صلاح سالم زملاءه جدالا شديدا, واصر على ان تتمسك الحكومة المصرية بنص الاتفاق بشأن السودان وان تصر على اجراء استفتاء للسودانيين يقرروا فيه خيارهم بين الوحدة والانفصال... وتدخل عبدالناصر وحسم الامر كله وسأل زميله الذي كان له مكانة خاصة في قلبه مهما تباعدت بينهم المواقف: (اسمع يا صلاح اذا كان الاخوة السودانيين يريدون اعلان استقلال بلادهم من البرلمان فهل تريدنا ان نفرض الوحدة عليهم؟ وبأي حق يا صلاح.. كان هدفنا دائما حرية السودان وحرية مصر.. والسودان الحر والقوى هو السند الحقيقي لمصر..) واتخذ المجلس قراره (التاريخي) بان تعلن مصر اعترافها بالسودان دولة حرة مستقلة... وكانت ثورة يوليو اول من اعترف باستقلال السودان.. وكان سفيرها المرحوم اللواء محمود سيف اليزل اول سفير يصل الى السودان ويقدم اوراق اعتماده لمجلس السيادة السوداني ليصبح عميدا للسلك الدبلوماسي من يناير 56 الى يوليو 1967... وماتزال علاقات السودان وثورة يوليو تلقى بظلالها على مسيرة العلاقات بين الشعبين اللذين ربطت بينهما علاقات لا يخطئ من يصفها بأنها أزلية...