معارك يوليو في الداخل والخارج في فوهة مدافع المنتصرين د. عاصم الدسوقي: عبدالناصر لم يكن شيوعيا, وهو يمثل فكر الطبقة الوسطى من البداية للنهاية عندما قامت الثورة كان الضباط الاحرار يراهنون على الولايات المتحدة د. عبدالرحيم عبدالرحمن: الثورة رأت ضرورة القضاء على الرأسمالية الكبيرة والتقارب الاقتصادي بين افراد الشعب منذ ان مات عبدالناصر وانتقادات المنتقدين لم تتوقف وكأن موته فرصة لقتله افكارا ـ ورؤية وانجازات وكانت معارك يوليو على اختلافها في الداخل والخارج فوهة مدافع المنتقدين. واشهرها على المستوى الداخلي بالطبع معركة عبدالناصر مع الاخوان, ثم مع الشيوعيين بالاضافة الى المعارك الكبيرة مع الرأسمالية المحلية والخارجية ومع اسرائيل وامريكا. والاستعمار القديم متمثلا في انجلترا وفرنسا.. واختلطت الانتقادات كالعادة بالمواقف السياسية من الثورة ككل, واختلط التقييم الموضوعي بالموقف السياسي المضاد واختلف جذريا مع التغيير الثوري, فصارت فكرة الاجيال الجديدة عن يوليو وعن عبدالناصر مشوهة وتائهة واصبحت حاجة دائمة الى تفصيل موضوعي عاقل, يلاحظ الملابسات المحيطة وطرق التفكير السائدة, وطبيعة الفكر السياسي في مصر والعالم وقتها.. لذلك كان من المهم ان نبتعد قليلا عن السياسيين لنبحث عن رؤية مؤرخين محايدين مهمتهم الاساسية قراءة التاريخ وتقييمه في اطار علمي موضوعي بعيدا عن امراض السياسة والسياسيين الايديولوجيين منهم وغير الايديولوجيين. فلنقرأ معا تقييمات اساتذة التاريخ د. عاصم دسوقي ود. عبدالرحيم عبدالرحمن ود. عبدالعزيز نوار والكاتب الصحفي المؤرخ صلاح عيسى. الاستاذ الدكتور عاصم الدسوقي استاذ التاريخ المعاصر افتتح تقييمه لمعارك ثورة يوليو بقوله ان المدخل لفهم اي ثورة او اي تغيرات اساسية في مجتمع يكون في نطاق سياق الظروف الموضوعية كلها. حيث لا يمكن دراسة اجراء بمعزل عن الظروف المحيطة حتى يكون الحكم موضوعيا اولا لابد ان يبدأ المدخل من الاربعينات وكافة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية وعدد التنظيمات والاحزاب والقوى السياسية التي كانت تريد الاطاحة بنظام الحكم القائم واحداث تغيير, كل حسب اهدافه ونجح احد هذه التنظيمات وهو تنظيم الضباط الاحرار في القيام بالثورة بصرف النظر عن التنظيم نفسه وتكوينه واهدافه, وانما يكفي القول انه ضمن قوى وتنظيمات سياسية في المجتمع المصري في الاربعينيات تهدف الى التغيير ضده, وهذا ايضا شيء مشروع, لأن القوى التي كانت تفكر في التغيير سبقتها قوة معينة. من هنا يحدث تنافس جديد ما بين القوى السياسية كلها حول الاجراء الذي تم... وبما ان السياسة تقوم على الصراع والتنافس بين قوى متناقضة تحتاط كل قوى لنفسها تجاه القوة الاخرى, لأن الثورة في الصراع السياسي في النهاية ليس نزهة وليس حفلة ولكنه صراع بمعناه الحاد.لابد ان تحدث فيه تصفية وقوة تهزم وقوة تنتصر.. في هذا السياق يمكن ان يفهم موقف ثورة يوليو من القوى الاخرى المعادية لها وموقف الاخير منها والمعركة مع الشيوعيين اساسها ان ثورة يوليو وبصفة خاصة جمال عبدالناصر لانه حدث لديه تطور فكري اكثر مما حدث لبقية اعضاء الضباط الاحرار لم تكن شيوعية وعبدالناصر لم يكن شيوعيا رغم افكاره عن العدل الاجتماعي وهو يمثل فكر الطبقة الوسطى في البداية والنهاية وبالتالي هو ضد اليمين وضد اليسار ايضا. من هنا نفهم هذا الصراع, وكان التنظيم الشيوعي يرى في الثورة الامل لانها اطاحت بالاقطاع والرأسمالية والانجليز واصبح من وجهة نظر الحركة اليسارية ان عبدالناصر هو الذي يحقق الاهداف التي ينادون بها والخلاف كان حول الخطوة نحو الاشتراكية بسرعة غير التي كان يخطو بها عبدالناصر لكنه لم يكن شيوعيا كان يريد تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية دون ان يستند في ذلك على الفكر اليساري وعلى التنظيم الشيوعي وخصوصا ان الشيوعية بشكل عام متهمة بأنها لا دينية والرجل لم يكن كذلك, وبالتالي كان حريصا في ميثاق العمل الوطني في 1962 على تأكيد التدين وعلى خصوصية التطبيق الاشتراكي في مصر والذي يراعى الاصول الدينية, هذا اساس الاختلاف بين عبدالناصر والشيوعيين.. النقطة الثانية التي عجلت بالصدام ان الاتحاد السوفييتي كان يجد في التنظيمات الشيوعية سواء في مصر او في اي بلد اخر الحليف الطبيعي او الركيزة الاساسية له في احداث التغيير في اي مجتمع, ومن هنا جاء شعور عبدالناصر بأنه لا يريد ان يبدو امام نفسه وامام الاخرين بأنه يخضع للاتحاد السوفييتي وقاعدته في مصر التنظيمات الشيوعية في مجال احداث التغيير الاجتماعي ومن هنا كانت حركة الاعتقالات الكبرى في سنة 1959. يفرق د. عاصم الدسوقي بين رجل السياسة ورجل الثقافة والفكر ورجل السياسة هو رجل اجرائي لابد ان يقطع ويحسم الامر وليس الجدل والمناقشة ويضرب مثالا تاريخيا عن الاسكندر الاكبر الذي مر بجماعة محتارين في حل عقدة حبل فلم يكن منه الا ان قطع الحبل بسيفه ويستنتج عاصم الدسوقي من المثال الفرق بين رجل السياسة ورجل الثقافة الاول يبادر بالاجراء والثاني يفضل الحوار والجدل والاخذ والرد, وهذا ما ينطبق على معركة عبدالناصر مع الشيوعيين ومع الاخوان المسلمين ايضا. وعما يراه البعض من ان بداية الصراع بين عبدالناصر والاخوان شكلها نوع من ( التعامل الردىء) بين عبدالناصر وحسن الهضيبي (المرشد الجديد) للاخوان في ذلك الوقت وتصور الهضيبي ان عبدالناصر تابع له وللتنظيم وعليه الاستجابة لأوامره, يستغرب د. عاصم الدسوقي من سماع هذا الكلام ويذكره بما قرأه في (مذكرات مذشورة) عن ان السر في قرار عبدالناصر الاستيلاء على الملكية الزراعية والاصلاح الزراعي انه كان يحب بنت باشا ولم يرض ابوها بزواجه منها (كلام فاضي) هل هذا معقول ان اقوم بثورة لكي انتقم من قصة حب!! ولكن المعروف عن عبدالناصر في فترة الشباب وهي الاربعينيات اخصب فترة في تاريخه انه كان يتردد على كثير من التنظيمات السرية والعلنية وكلها تهدف الى التغيير وعبدالناصر مثل اي مجموعة في زمنه جرب واتصل بكافة التنظيمات وتعرف على ارائها وتصورها للتغيير... وكان عبدالناصر على صلة ايضا (بحدتو) الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ـ الشيوعية يدخل هنا وهناك ويجرب ويعرف ويختبر ولكنه في النهاية هو الذي سيقرر الى اي تنظيم ينضم وبالتالي انضمامه السابق للاخوان لا يفسد معركته معهم والا سنفسر صراعه مع الشيوعيين بنفس الطريقة. وعن المعركة مع الرأسمالية المحلية يرى عاصم الدسوقي ان عبدالناصر كان يحمل افكار الطبقة الوسطى ولم يكن رأسماليا ولا شيوعيا. ومن هنا جاء الوصف الذي وصفوه به (كفاشستي) لان الفاشية والنازية هي فكر الطبقة الوسطى الذي يعارض ويعادي الرأسمالية والشيوعية معا, ويبحث عن نظام وسطي هو كيفية الجمع بين العام والخاص في البداية لم يكن ضد الرأسمالية كاستثمارات وكنظام وكانت كل مشكلته القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم ومعناها القضاء على نفوذ سيطرة الاغنياء شديدي الثراء على السلطة. اي اصحاب التجارات الكبيرة والملكيات الزراعية الضخمة فبدأ بتأمين قناة السويس 1956 نتيجة لمشروع التنمية الخاص ببناء السد العالي. وبعدها في 1957 عمل المؤسسة الاقتصادية العامة ولم يقترب من الرأسمالية المصرية بالعكس عندما بدأ تأميم رأس المال الاجنبي بعد 1956 كان يضعه تحت عنوان (تمصير) رأس المال الاجنبي وكلمة التمصير كانت متداولة في مصر منذ الاربعينيات وسنة 1947 على وجه التحديد قدم عبدالرحمن الرافعي وكان عضوا في مجلس الشيوخ مشروع قانون بعدم تأسيس شركات اجنبية وعدم تملك الاجانب لشركات وتمصير الاقتصاد المصري وظل هناك صراع حول هذا القانون حتى صدر سنة 1951 اي قبل ثورة يوليو بمعنى ان عبدالناصر كان يحاول تسييد ذلك المفهوم السابق وبعد قليل اكتشف ان الذي سيشتري هم الرأسماليون المصريون فتغير المصطلح واصبح تأميم رأس المال الاجنبي بعد تأميم قناة السويس ودخلنا في بناء السد العالي وقاعدة الصناعات الثقيلة. وهي مسألة تحتاج الى اموال كبرى ليست في خزينة الدولة لانها دولة تقوم على فلسفة الاقتصاد الحر منذ أمد طول وليس لها باع في الانتاج وليست طرفا فيه, ومن هنا بدأ عبدالناصر يشجع رأس المال المصري على التنمية الاقتصادية, وكان حسن النية يعتقد ان تنمية مصر من اجل المصريين جميعا وان الرأسمالية في مصر هي رأسمالية مصرية وبالتالي يكون هذا العمل في صالح الكل لكنه لم يأخذ في اعتباره منهج رأس المال في الاستثمار وانه لا يقبل على المشروعات الكبرى ويعتبرها مغامرة تحتاج الى اموال كبيرة فيقدم على المشروعات الصغيرة التي تؤدي الى عائد سريع ومن هنا احجم رأس المال المصري على الدخول في عملية تنمية الوطن.. فمن يأتي عبدالناصر بالاموال؟ وبالطبع لا يمكن ان تساعده قوى الرأسمالية الغربية المعادية له منذ قيام الثورة واخراج الانجليز وتأميم قناة السويس وحرب 1956 واذا ساعدته فتحت شروطها وهو لايقبلها فلم يكن امامه سوى تأميم الرأسمالية الكبيرة في مصر تأميم وسائل الانتاج الكبرى وليس جميع وسائل الانتاج من اجل البناء, ومن هنا بدأت قرارات 1961 وربما ان احد اخطاء هذه التجربة انه جعل اصحاب الشركات المؤممة رؤساء مجالس ادارات ومديرين لانه لم يكن يسعى الى تصفية الطبقة كأفراد وانما كان يسعى لتصفيتها كاقتصاد... وهذه النقطة تحديدا تنفي عنه صفة الفاشية التي رماه بها الغرب. وعن معركة عبدالناصر مع اسرائيل وامريكا وتجنبه الصدام المباشر يرى د. عاصم الدسوقي ان المدخل لهذا الموضوع يبدأ من اتفاقية رودس 1949 لان اتفاقية رودس التي دخلتها لتوقيع مصر الملكية كانت تنص على توقيع اتفاق هدنة توطئة اتفاق سلام دائم ونهائي في الشرق الاوسط وقامت الثورة في 1952 ولا ننسى ان عبدالناصر كان في الفالوجا في حرب 1948 والنزعة الوطنية تفرض على الانسان ان يبحث عن خصومه وهذه نقطة مهمة عند عبدالناصر ولكن الغطاء السياسي الذي انتهت اليه الحرب 1949 اتفاق هدنة تمهيدا لتوقيع اتفاق دائم ونهائي وتسعى الاطراف لتنفيذ هذه التوصية عندئذ كان اعتناق عبدالناصر الفكر القومي وفكرة العروبة والقومية العربية فرض عليه ان يضع اسرائيل في خانة العدو الرئيسي الذي يمنع قيام الوحدة العربية او يعوق حركة القومية العربية ومن هنا يأتي مفهوم الصراع حتى شعارات نفس المرحلة: (ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) ونضيف هنا ان الغرب لم يتقبل بهدوء قيام الثورة وهذا شيء معروف لانها تغير معايير رودس وان طريق السلام طبقا للاتفاقية لن يظل مفتوحا فبدأت محاولات الايقاع بعبد الناصر وفي الوقت نفسه كانت هناك اتصالات لم ينكرها حتى خالد محيى الدين في مذكراته (الان ــاتكلم) اي الاتصال مع اسرائىل من اجل السلام لكن عبدالناصر قال في النهاية :( ان السلام المطلوب هو استسلام وليس سلاما) وكان معناه ان نخضع للمشروع الصهيوني ونعترف به انها دولة قامت ولا يمكن ان تنتهي لكن بالطبع ايمان عبدالناصر بالقومية العربية وبمستقبل زاهر للامة العربية فيما لو توحدت واقامت دولة هو المسؤول في النهاية عن الدخول في الصراع... بالاضافة الى نقطة اخرى تثار هي كيف ادخل في صراع وامكانياتي ضعيفة والرد عليه ان المسألة كلها متشابكة لانه وهو يقود عملية التنمية منذ تأميم قناة السويس واقامة الصناعات الثقيلة ودعم معارك التحرير في البلاد العربية اصبح بالنسبة للمشروع الغربي قوة معادية ومعطلة لاستمرار المنطقة العربية سوقا للانتاج الاوروبي والاجنبي فلابد ان من وجهة نظرهم من الايقاع به والاعتماد على عناصر عربية من الداخل لتوريطه ومن هنا بدأت حرب اليمن 1962. وعن معركة عبدالناصر مع البعث والتي يلام فيها عبدالناصر كثيرا انها كانت مقدمة لفرقة التيار التقدمي في الوطن العربي بشكل عام يحدد عاصم الدسوقي بداية المعركة بحادث الانفصال الشهير وعندما نتأمل في الحوادث نجد ان الوحدة قامت في 1958 على ارضية واحدة : مصر وسوريا من الناحية الاقتصادية بطبقات الاقتصاد الحر بمعنى هناك رأسمالية وقطاع خاص ودور الدولة في الرقابة, اما في سنة 1961 بدأت سياسة التأميمات والتوجه الاشتراكي وحيث ان سوريا جزء من الجمهورية العربية المتحدة الاقليم الشمالي فلابد ان ما يطبق في مصر يطبق على سوريا وعندما امتدت مظلة التأميم على سوريا حدث الانفصال من داخل سوريا ومن المعلوم وقتها وجود الشركة الخماسية واصحاب رأس المال الاحتكاري في سوريا وهم جزء من الادارة الحاكمة الذين شعروا بالخطر وقادوا الانفصال من الداخل دون دعم من القوى الخارجية لانه منذ قامت الوحدة في 1958 وهي تحارب من الخارج والداخل وحدث تحويل لعمليات انقلابية ولكنها فشلت ومتى نجحت؟ عندما قادها الانفصاليون من الداخل. من هنا اكتشف جمال عبدالناصر تعديل شعار المرحلة قال عندما طبق الميثاق في 1962 الاستراتيجية تقوم على الحرية الاشتراكية, الوحدة بمعنى ان كل قطر عربي يجب ان يكون حرا متحررا من الاستعمار, ثانيا ان يطبق الاشتراكية على اساس ان يصبح النسيج واحدا, ثالثا تصبح الوحدة حقيقة فقط تحتاج الى اطار دستوري. مثلما تتحدث الان عن اوروبا باعتبارها وحدة واحدة بينما هي في حقيقة الامر نظام واحد النظم الرأسمالية واحدة تسعى للربح والسيطرة وبالتالي يتحقق التفاهم لان الذي يحركنا نظام واحد وهو المصلحة الاقتصادية. وفي تقييم الصحفي صلاح عيسى المعروف بمنهجه العلمي في الكتابة التاريخية لمعارك يوليو السياسية يبدأ بمعركته مع الشيوعيين ثم بعد ذلك مع البعثيين ويعدها من المعارك التي لم يكن لها اي ضرورة على الاطلاق ونتيجتها كانت سيئة وساهمت في تفتيت القوى القومية والتقدمية واضعافها جميعا ومكنت خصومها فيما بعد من ضربها وقد نتجت هذه المعركة من ملابسات خارجية وليست داخلية بمعنى ان المعركة مع الشيوعيين سببها صراع ليس داخل مصر في المقام الاول وانما كان داخل العراق ما بين البعثيين والشيوعيين. وانعكس على العلاقة في داخل مصر وبدأ عبدالناصر يضرب الشيوعيين في مصر وسوريا انتقاما مما يفعله الشيوعيون العراقيون في القوميين والبعثيين في العراق وارتبك الموقف ارتباكا شديدا ووصل الى نتائج سيئة. وعن قول البعض ان الثورة اختارت من البداية تصفية كل التيارات الاخرى وتستبعدها فكان صدامها مع الشيوعيين قادم... لا ينفيه صلاح عيسى كاحتمال ولكن في العامين 56 ـ 1958 كانت المسألة شهدت انفراجا وحصل نوع من التقارب بين اتجاه الثورة والشيوعيين الذين استقبلوها في البداية بدرجة من التحفظ وربما بسوء ظن بعضهم. وحدث صدامات في المرحلة الاولى ولكن مع سياسة عدم الانحياز ومؤتمر باندوندج وصفقة الاسلحة التشيكية ومعركة الاحلاف حدث تقارب شاع بمقتضاه في مختلف الفصائل الشيوعية قناعة بأن عبدالناصر زعيم وطني معاد للاستعمار وبالتالي يعتبر حليفا للشيوعية. وبالنسبة لمعركة الثورة مع الاخوان هل اضطر الاخوان الثورة للصدام معهم ام العكس الثورة هي التي اختارت تصفية الاخوان تماما عندما رأت فيهم خطرا عن السؤال يجيب صلاح عيسى بأن المؤكد اليوم بعدما تكشفت حقائق كثيرة كانت غائبة انه حدث نوع من التفاعل السيء بين عبدالناصر وحسن الهضيبي المرشد العام للاخوان المسلمين لم يستلطف كل منهما الاخر مع الهضيبي كان رجلا حصيفا ومعتدلا ولكن الذي حدث تفاعل ردىء في علاقاتهما الشخصية انطلق من رؤية خاطئة كان حسن الهضيبي جديدا في منصبه تولاه قبل الثورة بــ 8 اشهر وكان وجها جديدا على الاخوان وليس له علاقة تاريخية بهم وتنظيماتهم في حين ان عبدالناصر كانت له هذه العلاقة كان عضوا في الاخوان وجهازها السري منذ سنة 1944 حتى 1948 وكان على علاقة بهم بعد هذا التاريخ حتى قامت الثورة وحسن الهضيبي تعامل معه باعتباره من الاخوان المسلمين والمفترض ان يخضع للمرشد العام وعبدالناصر كان يتعامل مع الاخوان المسلمين كقوة وطنية وكقوة شعبية يمكن ان تساند الثورة وتوازي شعبية حزب الوفد وبسبب هذا التفاعل الردىء بدأت ردود الفعل وعوامل عدم الثقة الى ان وصلت الامور للصدام الذي حدث في سنة 1954. وبالنسبة للمواجهة مع اسرائيل وامريكا بعد صلاح عيسى على ان عبدالناصر لم يفتعل معارك غير قائمة فتلك قوى كان في يديها حقوق لا تريد ردها وهذه الحقوق اصحابها يطلبونها مصر بلد تريد تصنيع نفسها وتريد اتخاذ سياسة مستقلة وهذه مسائل في عصر الحرب الباردة عليها محاذير وبالتالي لم تقبل الولايات المتحدة الامريكية الحياد الايجابي وخصوصا في عهد دالاس نظرت بداية بتشكك لفكرة الحياد واعتبرتها فكرة يستفيد منها السوفييت والمعسكر المضاد ورفضت التصنيع لانه يؤدي الى مزيد من استقلال الادارة الوطنية. فبدأت تضيق عليه عبدالناصر يريد تمويل السد العالي فحسبت التحويل وفي واقع الامر كان الامل الاساسي لعبد الناصر في الولايات المتحدة الامريكية عندما قامت الثورة كان الضباط الاحرار جزءا من شريحة من المثقفين المصريين والقوى السياسية المصرية ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تراهن على الولايات المتحدة الامريكية وهي عناصر وطنية لاشك في ذلك وكانت ترى انه لا يوجد تاريخ استعماري بيننا وبين امريكا وانها دولة عظيمة وغنية وليس لها مطامح استعمارية كضم اراض واحتلال فكان لدى الضباط الاحرار دائما امل في الاعتماد على امريكا في تنفيذ برنامجهم الوطني وفي بداية الثورة ارسلو على صبري لجلب اسلحة من امريكا. وظل الامل في امريكا قائما لعدة سنوات ما بعد الثورة حتى ان خصوم الثورة كانوا يتهمونها بأنها ثورة امريكية ويصورون رجال الثورة بانهم عملاء لامريكا بسبب الرهان على امريكا اي ان عبدالناصر لم يبادر بالعداء لامريكا بالعكس هي التي بدأت رغم انها لعبت دورا في اقناع الانجليز بتوقيع معاهدة الجلاء 1954. معالجة مختلفة الاستاذ الدكتور عبدالرحيم عبدالرحمن استاذ التاريخ المعاصر يدخل مباشرة لموضوع المواجهات بين الثورة والقوى السياسية الاخرى فيحدد انه لما قامت الثورة رفضت وجود فرق داخل المجتمع تعمل كل فرقة في اتجاه معين يهدف الى التغيير على غير طريقتها ورؤياها, فحاولت ان تقضي على القوى الاخرى مثل الشيوعيين الذين حاولوا العمل تحت السطح من خلال حركات تحتية ورأت الثورة ان تقضي عليهم لانهم من وجهة نظرها ربما يخلون بالمبادىء التي قامت الثورة من اجلها واعتقد والكلام على لسان د. عبدالرحيم عبدالرحمن ان القضاء على التنظيمات الشيوعية التحتية كان ضرورة للثورة. وبالنسبة لشكل المعالجة كان من الممكن ان يكون مختلفا لكن الثوار بحكم خبرتهم البسيطة وتقديرهم عسكري محدود مما جعلهم يندفعون للصدام المباشر والاعتقال والاستئصال وكانوا يرونها معركة داخلية مهمة للغاية لتوكيد نفوذ الثورة داخليا حتى تنجح داخليا وخارجيا. ولا ينطبق ذلك بالطبع على الاخوان الذين ايدوا الثورة في البداية ولم يقاوموها وهم كانوا نشطاء ومعروف نشاطهم قبل الثورة بكثير منذ 1928 وكان معترفا بهم كجمعية دينية ولم تكن اهدافها السياسية قد وضحت بعد فلما قامت الثورة اعترف عدد ضخم جدا من قيادات الاخوان المسلمين بالثورة والتفوا حولها ومنهم الشيخ احمد حسن الباقوري وهو شخصية منتقدة من الاخوان المسلمين وغيره كثير والثورة رأت في الدعوة الدينية انه لا ضرر منها فهي بلا اهداف سياسية كما هو معلن من قبلها وبالتالي لا تضير مصلحة الثورة لكن سنة 1954 عندما اكتشفت الثورة ان حركة الاخوان المسلمين لها اتجاهات سياسية واضحة ولها جهاز عسكري اضطرت الثورة ان تضرب الضربة الاولى للاخوان المسلمين وكانت اعنف بكثير جدا من ضربتها للشيوعيين واعدمت عددا كبيرا من زعامات الاخوان وبعد ذلك في سنة 1965 كانت معركة كبيرة للقضاء على نفوذ الاخوان طالما انهم اصحاب توجهات سياسية تخالف توجهات الثورة. وعن المواجهة مع الرأسمالية الكبيرة المنفذة في السلطة بشكل مباشر او غير مباشر يقرر د. عبدالرحيم عبدالرحمن ان الفوارق الرأسمالية في مصر كانت واضحة بصورة كبيرة هناك طبقة رأسمالية ضخمة وهناك كبار الملاك ويعتبرون رأسماليين كبار في نفس الوقت. والفروق الاجتماعية الاقتصادية بين فئات الشعب ظاهرة للعيان وواضحة تماما ومن هنا ارادت الثورة ان تجعل رأس المال وطنيا فكان لابد من القضاء على الرأسمالية الكبيرة وتخفيفها الى رأسمالية صغيرة بحيث تكون الفروق الاقتصادية بين ابناء الشعب متقاربة ولذلك حددوا بالا يزيد مالدى الفرد في البنك بــ 110 الاف جنيه بداية ثم اجراءات تدريجية حتى بيان 1962 الذي نحي منحى الاشتراكية في تلك الفترة ظهرت كتابات كثيرة عن الاشتراكية الاسلامية وان الاشتراكية لها جذور اسلامية وانها تعمل على تقريب وتذويب الفوارق بين الطبقات وبعد تلك الاجراءات لم يعد هناك ملياديرات او مليونيرات عظام كما هو موجود حاليا وحتى نهاية عهد عبدالناصر استمر هذا الوضع ولم يكن لدى الثورة عداء محكم وخاص تجاه الرأسمالية في حد ذاتها وانما كانت المسألة في اطار هدف اصلاحي هو تذويب الفروق بين الطبقات. وعلى عكس انتقادات البعض لتأميم قناة السويس وتفضيلهم الانتظار حتى انتهاء فترة الامتياز والفصل بين ملفي السد العالمي وقناة السويس يرى د. عبدالرحيم عبدالرحمن ان قرار تأميم قناة السويس كان قرارا هاما واتخذ في وقته المناسب فإذا كنا صبرنا حتى نهاية مدة العقد 12 سنة اخرى هل كنا سنضمن ان العالم الغربي سيسلم القناة بسهولة ويسر الى مصر؟! لا.. الاحتمال الاكبر ان تحدث مماطلات وتسويف ويحدث ايضا عدوان وغزو لمصر. ويحدث ما هو اكثر مما حدث خاصة وان هناك محاولات مستمرة في بداية القرن عن الامتياز وتصدى لها سعد زغلول وافسد محاولة مدها ولو سنة واحدة حتى لا تصبح قناة دولية وليست مصرية. وبالتالي فإن معركة 56 كانت ستتكرر بعد 12 سنة رضينا ام لم نرض وبذلك كان قرار التأميم حكيما واتخذ في لحظة مناسبة. وعن انتقاد عبدالناصر باندفاعه في سياسته تجاه امريكا وانه لم يقرأ خريطة السياسة الدولية بصورة جيدة في ذلك الوقت يرى عبدالرحيم عبدالرحمن ان موقف عبدالناصر المعادي لامريكا نابع اساسا من رؤيته ان الولايات المتحدة الامريكية محتضنة اسرائيل احتضانا كبيرا وان هذا يفيد المصالح العربية ولا يؤدي ان تتعامل على قدم المساواة مع العرب او مع مصر وانها تسلح اسرائيل وتدعمها وتقويها حتى تجعلها قاعدة في الشرق الاوسط. البحث عن قوة يبدأ الاستاذ الدكتور عبدالعزيز استاذ التاريخ بكلية الاداب جامعة عين شمس تقييمه لمعارك يوليو بوصف (الوضع التقريري) لاختيارات يوليو دوليا بريئا من وجهة النظر المباشرة فيقرر ان دول العالم الثالث كانت ترى انها ضعف من ان تواجه اي من الكتلتين الشرقية والغربية بمفردها وعليها ان تستند على اي من القطبين في مواجهة الاخر و كان هذا الاختيار غالبا ما يكون رئاسيا وله صدى قبول لدى الشعب وهذا ما حدث في عهد عبدالناصر من ان الشعب كان ينظر الى الغرب من خلال تاريخه الاسود مع مصر ومع معظم البلاد العربية فكان هناك استعداد عام للبحث عن قوة كبرى تدعم مصر في كفاحها من اجل الاستقلال والتقدم فاتجه عبدالناصر نحو الكتلة الشيوعية وكان قبل ذلك يحث الكتلة الغربية وتحديدا امريكا على ان تقف بجانبه ولكن لم يحدث ما يشجع عبدالناصر في هذا الاتجاه اما معركة عبدالناصر مع الشيوعيين في الداخل فترتبط بأنه كان يرى ان القوة المسيرة لامور البلاد هي (قيادته الجديدة) سواء من العسكريين او الاتحاد الاشتراكي او غيره من التنظيمات. وليس اي من الايديولوجيين سواء الغربيين او الشيوعيين والذين عارضوا ورفضوا اختياره الامر الذي اصطدم برؤية عبدالناصر التي تضع الايديولوجية المصرية فوق الايديولوجية الاسمية لللشيوعيين بالذات ومن التحليل النهائي العام كان الوضع الدولي والاوضاع الداخلية وعدم ميل الغالبية العظمى من ا لشعب المصري للشيوعية صعد من المواجهة بين رؤية عبدالناصر السياسية لنظام الحكم في مصر ورؤية الشيوعيين لنظام الحكم فيها بل واعطاها درجة السخونة. وعن الطريقة التي عولجت بها المواجهة مع الشيوعيين والانتقادات التي وجهت اليها يرجع د. عبدالعزيز نوار الامر الى الاسلوب المصري او العربي او الشرقي عموما في ادارة الازمة حيث يغلب عليه النظرة قصيرة المدى وليس بعيدة المدى. اما معركة عبدالناصر مع الاخوان المسلمين فكان السبب من وجهة نظر د. عبدالعزيز نوار هو مفهوم تيار الاخوان ومفهوم نظام الحكم وتطوير مصر عند عبدالناصر ونضع مسألة الاخوان على قدم المساواة مع مسألة الشيوعيين نفس الوضع مع حذف الايديولوجية ولا يعني ذلك ان التيارين متشابهين تماما الشيوعية ايديدلوجية اممية لها رؤيتها الخاصة لنظام الحكم والتطوير في مصر وعبدالناصر جاء برؤية لنظام الحكم والتطوير لا تقبل ذلك وكذلك الاخوان اصحاب ايديولوجية مخالفة لرؤية عبدالناصر وقد يقبل عبدالناصر اخوانيا او شيوعيا في نظامه ولكن لا يمكن ان يعطي لاي من التيارين سواء ساعدوه او لم يساعدوه اي فرصة لكي يحكم. معارك مفروضة ويتفق د. عبدالعزيز نوار على ان معركة يوليو مع اسرائيل والمواجهة مع امريكا فرضت عليها ولم تخترها ولم نزج بمصر ونفسها فيها ولكنه يتحفظ بدرجة كبيرة على اسلوب معالجة هذه المواجهة ويطرح تحفظاته في صيغة سؤال: لماذا لم يتنبه المصريون والعرب عبدالعزيز بن سعود وعبدالناصر وفاروق كلهم الى الدور الذي لعبه بنجاح الصهيونيون في اسقاط النازي؟ الم يسألوا انفسهم كيف تمكن هؤلاء من اسقاط النازي؟ وما هو اسلوب نفاذهم في القوى الدولية لكي يوجهونها تلك الوجهة! ألم يتعلموا منها الدرس! من المهم ان نتعلم من العدو اذا كان منتصرا وقويا! الذي سأل نفسه هذا السؤال هو (اديناور) الألماني بعد هزيمة هتلر علم انه لابد من اعادة النظر جذريا في رؤيته للقضية الصهيونية فكانت النتيجة صعود ألمانيا من جديد ولم تعد المشكلة اليهودية تؤرق المانيا والمقصود وبالطبع هو تقدير الحجم الحقيقي للعدو والقوى التي يوظفها لخدمة اهدافه ويجعلها احيانا مكونا عضويا من مكوناته!!