لشارع بيروت الناصري ذكريات مازالت تتجدد, وليست حاضرة فقط. التظاهرات العارمة في الشوارع, عاصمة ومناطق دعما وتأييدا لتأميم قناة السويس, وتهليلا لكل كلمة, يقولها (الريّس) , ولثورة الجزائر, ولقضايا التحرر في العالم كلها, مازالت ماثلة في بيروت ولبنان كله . كان النائب الناصري عبدالرحيم مراد (ولدا) عند التأميم, لكنه كان في طليعة التظاهرة المؤيدة للقرار التاريخي الذي اتخذه البطل انذاك, كما يقول. (الملف السياسي) استجمع من النائب مراد جزءا من الذكريات, وبعضا مما يمكن التوقف عنده بمناسبة الذكرى المتتجدة لثورة 23 يوليو المصرية ــ الناصرية. يبدأ مراد حديثه حول تساؤل عما اذا كان تيار الرئيس عبدالناصر موجودا في لبنان, فيقول: ان عبدالناصر باق دمشق ـ (البيان) اجرت الحوار ـ رانيا يونس ومازال التيار الناصري هو الاوسع ليس في لبنان فقط انما على الساحة العربية ايضا. اهمية وعظمة عبدالناصر انه زرع نبتة على طريقة النبتة البرية, اي انه يمكن قطعها لكن من دون التمكن من اقتطاع جذورها. فالفكر الناصري صار عميقا في الشارع العربي, كما في الشارع اللبناني, بحيث انه لا يمكن اختراقه بكل بساطة وسهولة. وقد ترسخت المبادئ التي طرحها عبدالناصر وبما يتعلق بالمشروع الذي طرحه, في لبنان, كما انها اكدت ان المشروع الناصري هو الذي مازال الوحيد الذي يصلح للمستقبل في الامة بشكل عام. اذا ما القينا نظرة على المتغيرات التي حصلت في العالم, من تطورات محلية واقليمية ودولية, وحتى العصرية (التقنية) التي تحصل في العالم, انما تؤكد على ان افكار عبدالناصر هي التي تطرح حلولا لمشاكل الامة بشكل عام, ولمشاكلنا المحلية خاصة. على سبيل المثال تؤكد الايام والتطورات أن العالم يتحول الى مجموعة قارّية من البلدان, وهي مجموعة بسيطة, والمثال الابرز على ذلك هو ما يجري في اوروبا بين دول متعددة اللغات والاديان لكن وحدة المصالح فرضت عليها التوجه الى المجموعة الاوروبية الواحدة, ابتداء من السوق الاوروبية وصولا الى الوحدة فالاتحاد الاوروبي المشترك. لماذا حصل ذلك؟ لان العصر المقبل ونحن على ابوابه عشية القرن الحادي والعشرين هو عصر العمالقة في كل شيء, وعصر التكنولوجيا الهائلة, الفضاء, غزو المريخ والقمر والاتصالات الهائلة, مثل الانترنت والمعلوماتية, لذلك فانه لا يمكن ان يكون هناك مكان للدول (القزمة) والصغيرة في العصر المقبل. كيف وضع الرئيس عبدالناصر العرب في مثل هذا التحدي؟ لما قرأ جمال عبدالناصر الواقع العربي وركز على موضوع الوحدة, حيث شعر أن مواجهة المستقبل لا يمكن ان تتم الا بمشروع تنموي عربي موحد, اي تحسين مستوى الواقع العربي, لا يمكن ان يتم هذا المشروع عبر دول صغيرة ممزقة, لذلك وجد عبدالناصر ان الحل التنموي يجب ان يتم اي وحدة عربية او (دولية عربية كبرى) تستفيد من كل طاقات الامة العربية, سواء منها الطاقات البشرية او الاقتصادية الواحدة, اضافة الى المساحة الجغرافية, التي تؤهلها لانجاح وترويج تنموي كبير. بينما لا يمكن ان يتم هذا على مستوى الدول الصغرى الموجودة والمنتشرة حاليا. لكن هذه الفكرة المشروع لم تحصل حتى الان؟ للاسف الشديد لم نستفد من مشروع عبدالناصر, لكنه, ورغم مرور 28 سنة على غياب الزعيم العربي, وبعد ان مرت مياه كثيرة في الانهر, وبعد كل التطورات التي حصلت نجد ان التطورات السياسية العالمية تؤكد على ضرورة العودة الى مشروع عبدالناصر, لا مفر من تنفيذ هذا المشروع, الا ان نعود لنفكر من جديد بمشروع تنموي واحد مثل اقامة سوق عربية مشتركة, او خطوات عملية باتجاه المشروع التنموي العربي الواحد بين الدول العربية, ويجب في لبنان, ان نصل الى قناعة بانه اذا لم يعتبر نفسه جزءا من هذه الامة العربية فلا يمكن ان يكون له مكان او مبرر لبقائه كدولة صغرى لا تستطيع ان تجد لها مكانا في العالم مستقبلا, الا اذا كان ضمن كيان كبير وهو الوطن العربي والامة العربية. يقود كلامك الى استنتاج بان لديك كتيار ناصري, تشكيك ببعض الجهات اللبنانية التي لم تؤمن حتى الان بعروبة لبنان وتكتفي باعتباره ذي وجه عربي, لا اكثر؟ للاسف مازال في لبنان بعض العقليات التي لم تحسم هويته التي هي قومية عربية, وانه جزء من هذه الامة, والوطن العربي الكبير, ولا مكان له الا ضمن هذا الوطن, وبالتالي يجب ان نكون نحن في طليعة المبادرين الى لم الشمل العربي, واقامة الدولة العربية الكبرى. واود ان اسجل في هذا الاطار ان لدينا سلاحا مهما جدا على الصعيد العربي هو سلاح البترول. وللاسف فانه لم يتم استخدام هذا السلاح, وهذه الثروة الهائلة, بالشكل المطلوب من اجل مصلحة الامة العربية. وقد هدرت اموال كثيرة, وهدرت الثروة التي تسعى القوى المعادية للامة العربية ان تزيد من الهدر فيها وذلك, مثلا, من خلال تخفيض سعر البترول الى درجة انه صار ارخص من سعر المياه. فتحولت ثروتنا النفطية الى مستوى وكأنها صارت غير موجودة. مشروع ايزنهاور ويتابع مراد قائلا: هنا اود ان الفت الى انه عندما طرح على جمال عبدالناصر مشروع ايزنهاور عام 1957, على اساس انه ما يسمى بــ (حلف بغداد) , قال عبدالناصر انذاك ان الخطر ليس في الاتحاد السوفييتي, ومن الشيوعية التي هي بعيدة هنا, انما الخطر علينا وعلى العالم من العدو الصهيوني. اذن ادرك الرئيس عبدالناصر ان العدو الفعلي للامة العربية هو العدو الصهيوني وليس ما كانت تتحدث عنه الولايات المتحدة الامريكية انذاك من ان العدو يتمثل في الخطر الشيوعي. لذلك فان من يعتقد من الدول العربية انه بعيد عن الخطر الصهيوني فهو متوهم فمخاطر الحركة الصهيونية تمتد من المغرب العربي حتى اقاصي اليمن وهي بالتالي لا تستهدف فقط جزءا في لبنان او فلسطين او اية دولة عربية اخرى. ومن ضمن ذلك تبدو المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل هي النبض العربي الحالي اضافة الى نبض اخر يتمثل في التنسيق اللبناني ـ السوري خاصة على مساري الجانبين في مفاوضات السلام مع اسرائيل. مخاطر التهويدة تشكو من ضعف المواجهة العربية ضد طروحات اسرائيل وممارساتها, فالى اين سيصل الامر, برأيك اذا ما استمر الحال على ما هو عليه؟ سيكون من ابرز النتائج السلبية لذلك استمرار التهويد في الارض العربية الفلسطينية المحتلة واحكام السيطرة على القدس, ورفض اية حلول لا جزئية ولا كلية على حد سواء. اين الناصرية في لبنان؟ شهد لبنان مراحل ناصرية ناهضة ترافقت مع التأكيد على انتمائه القومي العربي, هل (انقرضت) هذه المراحل في الوقت الحاضر؟ للاسف الشديد اقول ان التيار الناصري هو اوسع بكثير, واكبر بكثير, من قدرات الاحزاب والتنظيمات الناصرية الموجودة, للاسف. مازالت التنظيمات الناصرية على الساحة أبعد بكثير من ان تستوعب هذا التيار الواسع. نحن في هذا الاطار, ننتقد انفسنا, فنحن الذين ندعو الى وحدة الامة العربية, قد فشلنا حتى في توحيد التنظيمات الوحدوية الناصرية التي تناضل من اجل وحدة الامة. ويؤكد النائب مراد اخيرا: (نحن مازلنا نعمل على ان نؤكد للجميع أن الناصرية ليست بعبعا, كما يحاول ان يصور البعض. الجماعات الاسلامية كيف تنظر الى العلاقة بين التجربة الناصرية في علاقاتها مع الجماعات الاسلامية؟ هذه مسألة قديمة, لكننا نحن نحاول ان نفتح صفحة جديدة في ما يتعلق بالحوار الناصري الاسلامي, وقد تبلور هذا الحوار في المؤتمر القومي الاسلامي والذي انعقدت منه حتى الان ثلاث دورات, وهو يضم مجموعتين, واحدة من التيار الاسلامي واخرى من التيار الناصري. وكان حوارنا صريحا تماما عن المرحلة الماضية كما عن الفترة الحالية, كذلك بالنسبة للمستقبل فلا يجوز ان نبقى مركزين على نقاط الخلاف. لكن نقاط الخلاف هذه مازالت موجودة؟ لا, لقد خفت كثيرا, خاصة في مواجهة الازمة الصهيونية التي تستهدف الجميع في الفترة الحالية. وقد خف الخلاف نتيجة تنامي الوعي بين التيارين الناصري والاسلامي.