الشيوعيون كانوا اتباعيين.. والاخوان عملاء سلطة . كان عبدالناصر بقيادته الاسطورية هو المرجع عند الخلاف في الرأي داخل تنظيمات الثورة. اذا كانت ثورة يوليو قد حققت الكثير من المنجزات على الصعيد الاجتماعي والسياسي, فان البعض ينتقدها على الصعيد الديمقراطي من زاوية عدم وجود تعددية حزبية, واقتصار الثورة على نظام الحزب الواحد الذي بدأ بتهيئة التحرير القومي ثم الاتحاد القومي, واخيرا الاتحاد الاشتراكي... ومع هذه الصيغ الثلاث يرى منتقدو الثورة انها لم تكن كافية, وافرزت الكثير من العيوب على الصعيد الديمقراطي.. (الملف) التقى القيادي الناصري فريد عبدالكريم احد قيادات الاتحاد الاشتراكي سابقا وحاورته في كل هذه القضايا. ما هو تقييمك لتنظيمات الثورة.. وهل حقا ان الحكم كان قائما على الحزب الواحد..؟ اولا الثورة كانت تعد لديمقراطية حقيقية.. والخطأ الذي وقع فيه الكثيرون هو ان مصر قامت على الحزب الواحد وهذا غير صحيح لان التحرير قام على كل الشعب بطوائفه اقطاع وطبقة متوسطة والطبقة الكادحة فقد كان التحرير في مصلحة كل هذه الطبقات فقامت هيئة التحرير لتجمع كل الشعب من اجل ان تزيح الاستعمار الانجليزي بعد 70 عاما من الاحتلال وعندما قام الاتحاد الوطني القومي من اجل التنمية وخاصة بعدما وضعت الدولة يدها عليها. وعندما قام الاتحاد الاشتراكي كان عبارة عن منظمة جماهيرية واسعة ضمت بداخلها الرأسمالية الوطنية والطبقة المؤثرة والعمال والفلاحين وكانت الطبقات المتعددة فيه متحالفة من اجل بناء القوى القابضة الاشتراكية وهذا يعنى انه لم يكن هناك حزب واحد وكأن عبدالناصر هذا القائد الاسطوري هو المرجع لانه قائد الثورة ومفكرها ومفلسفها ولخبراته كان يرجع اليه في كل شيء ومن هنا ظن الناس انه بالفعل حاكم فردي, ولكن عندما نشأت المنظمات الجماهيرية الواسعة كمنظمة الاتحاد الاشتراكي كانت تجربة اشتراكية صحيحة وذلك بوضع كل رأى لحل القضايا. هل الاتحاد الاشتراكي كان هو الصيغة المثلى لمنجزات الثورة؟ الاتحاد الاشتراكي كان منظمة جماهيرية واسعة تضم كل الطبقات والقوى المختلفة في المجتمع بآرائها المختلفة والمتباينة, وكان هناك صراع خطير في الآراء وبه تيارات موجودة ومعترف بها حتى انه في عام 68 عندما عرض قانون الاصلاح الزراعي وتخفيضه كان هناك آراء مختلفة.. تعارض وتؤيد مما يدل على الديمقراطية. هل حقا ان عبدالناصر كان يمهد للتعددية الحزبية؟ الاتحاد الاشتراكي كان تمهيدا للتعددية الحزبية الطبيعية غير المصطنعة, وهذا ما قاله عبدالناصر صراحة حيث قال نريد مجلسا شعبيا يجلس فيه المؤيدون على اليمين وممثلو المعارضة على اليسار وهذا اساس التعدد الحزبي, وكان عبدالناصر رئيس اللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي يشترك في المناقشات والصراع في الآراء تمهيدا الى ان كل قوى تتحدد ملامحها تنشىء حزبا, لكننا دخلنا حربا ويستلزم ذلك نوع من الوفاق الوطني حتى نتحرر. هل هذا يعنى وجود ما نسميه بالشللية داخل الاتحاد الاشتراكي؟ مؤكد.. لان كل فرد كان يلتف حول نظيره والاتحاد الاشتراكي كان يحتوى على قوى متعددة حتى عندما ننظر الى امناء الاتحاد الاشتراكي سنجد منهم التقدمي والرجعي والاقطاعي والمثقف وغيرهم.. هل الحكم الفردي سبب اتهام الثورة وعبدالناصر بالديكتاتورية في اتخاذ القرار وعدم مشاركة الشعب فيه؟ الثورة كانت قائمة على فكر أساسي وهي المقولة السياسية الشهيرة والصحيحة (لا يبنى الديمقراطية الا الطبقة الوسطى) .. فكانت الثورة تحاول اولا بناء الطبقة الوسطى فتأخذ من الاغنياء لترفع مستوى الفقراء لتقيم الديمقراطية وان لم تصل هذه الديمقراطية الى السقف ولكن طبقت الديمقراطية في الوحدات وفي المصانع اذ كان يديرها عمالها فقد كان هناك لجنة نقابية ولجنة الاتحاد الاشتراكي والمنتخبين كلهم يديرون هذه الديمقراطية الانتاجية حتى في القرية طبقت الديمقراطية وتكسرت سطوة وسيطرة الاقطاع والارهاب والعمد على الشعب القروى وبالتالي بدأت الناس تتنفس الديمقراطية وتحسّ انها تحكم نفسها بنفسها لكن هذا الاحساس كان ينبغي الى ديمقراطية اتخاذ القرار, لكن لم تتح للثورة فرصة الاستمرار اذ مات عبدالناصر وقامت القوى المضادة من مكمنها الشتوى, ولم يتح الاستعمار للشعب المصري الى اليوم بناء ديمقراطية وفرضت الحروب المستمرة والحصار الاقتصادي المستمر ومحاولة دفع القوى المعادية للمناوشات الخطيرة والصراع العنيف في 56 و67, وكانت لمنظمة الشباب صوت لكن لم يصل الى النهاية وهذه حقيقة يجب ان نعترف بها وكان لابد ان يتم ذلك ولكن قضى على الثورة في منتصف شوطها النضالي. كيف كانت اذا علاقة الثورة بالقوى والتيارات السياسية؟ كانت علاقة غير عدائية والثورة كانت بيضاء لم ترتكب انما في هذا وان لم يؤخذ من احد شيء بدون تعويض بينها وبين الطبقة المعادية التي كانت ترى ان الثورة تضرب مصالحها ولان الثورة كانت ثورة عمال وفلاحين ومثقفين فقد راعت مصالحهم.. والقوى السياسية ايضا فيها الاقطاعي والعامل والكادح ليست قوى طبقية, والثورة كانت تدافع عن مخططها في الاستمرار وفي تطبيق منهجها والذي يصارعها على السلطة كانت تدافع عن نفسها, وكان من شأنها ان من يود ان يعارض عليه ان يقم بذلك في اطار شرعي لكن من يستخدم العنف يقابله عنف. هل الظرف التاريخي هو الذي حتم الصراع بين الثورة والقوى السياسية؟ لا.. ولكنه كان صراع على السلطة.. فقد كان للشيوعيين برامجهم قبل الثورة وقد طبق اعظم منها واعمق واكثر مواءمة لطبيعة الشعب المصري, وكان ينبغي ان يتوقفوا عند هذا الحد لكنهم كانوا اتباعيين اي يتبعون ما يملي عليهم والاخوان كانوا طلاب سلطة وبالتالي واجهوا بمحاولة استخدام العنف, ولكن الواضح ان الثورة حافظت على الدين وطبقته وانشأت من المعاهد والمدارس والاذاعات الدعم للقوى الاسلامية. لكن تم حل الحزب الشيوعي واندمج جزء منهم ومن الاخوان في الثورة.. فهل كان ذلك نتيجة العنف ام عن اقتناع؟ الشيوعيون حلوا انفسهم وجزء منهم اندمج في الثورة وعمل معها وجزء منهم ظل على عهده يريد الزعامة.. ولم يكن ذلك نتيجة عنف فلا يوجد صاحب مبدأ يمكن ان يغير العنف من مبدئه الا اذا كان مبدأ زائف ويسألون هم عن ذلك. ولماذا لم يحدث هذا الاندماج ايضا من جانب الليبراليين؟ الليبراليون تخفوا وسكنوا في انتظار الفرصة وعندما مات عبدالناصر وتولى انور السادات ثأروا وانقضوا على الثورة ومازالوا ينقضون عليها بالسكاكين في كل اتجاه, ولم يكن لهم حزب يدفعهم لكن كان لهم اتصالات كثيرة, وكان دائما عبدالناصر يقول هذا الكلام. وهل حقا ان عبدالناصر اخطأ في اختيار معاونيه؟ عبدالناصر لم يكن نبيا.. وفعلا اخطأ كثيرا في اختيار بعض معاونيه ولكنه كان يقظا لما قد يحدث نتيجة هذا الاختيار. كيف كانت علاقة الثورة بالدول العربية؟ وهل عبدالناصر كان يصدر الثورة حقا الى تلك الدول؟ عبدالناصر كان زعيما عربيا بلا منازع, وكان معبرا عن كل انسان في الشارع العربي, ولان الظروف كانت واحدة في الامة العربية.. وبعد ثورة يوليو وبعد ان رأت الامة العربية انجازاتها كان هناك رغبة في تطبيق هذه المنجزات في الشارع العربي, وعبدالناصر لم يصدر الثورة ولكن رغبة بعض الشعوب في تطبيق ما قد تم تطبيقه في مصر جعل هناك بعض المحاولات الا ان عبدالناصر كان يدير هذا الامر بحكمة لوعيه بخطورة ما قد يحدث حتى انه عندما اراد عبدالكريم قاسم الرئيس العراقي دخول الكويت وقف عبدالناصر ضد هذه الفكرة حتى لا تصبح ذريعة لدخول الانجليز والامريكان المنطقة مرة اخرى ولكن كان لابد من تطبيق الثورة في بعض البلدان مثل الجزائر ولكنها كانت ثورة استقلال من الاستعمار الاجنبي. هل تنبأت بما حدث في صراع 15 مايو بعد تولى السادات الحكم؟ نعم, واخبرت الجميع بما سيحدث يوما بيوم.. وقلت ان انور السادات قوى رجعية مخترقة, وأن له منهج مختلف نحن نعرفه جيدا, وانه سيقوم بتصفيتكم واحداً تلو الآخر وسيأتي وقت يضع الجميع فيه في السجون ولن يتجاوز ذلك ستة اشهر وهذا التنبؤ كان ناتجا عن معرفة طبيعة انور السادات وفكره ومعرفة الذين يتعاونون معه والذين يتعاون معهم ونتيجة لافكاره التي كانت تتسرب منه في جلساته الخاصة. الى اي حد يصلح تطبيق الفكر الناصري في هذا الوقت؟ هذا الفكر قائم على العدالة التي تصلح لكل زمان فالحكم اساس العدالة والعدالة اساس التقدم وفكرة التقدم ليست فقط مصانع ملابس جاهزة وقرى سياحية ولكن التقدم هو انتاج متزايد مع توزيع عادل وتكافؤ بقدر ما نستطيع في الفرص بين المواطنين, حتى لا يشعروا بالظلم والاضطهاد وحتى يحس المواطن بالانتماء لان الانسان لا ينتمي الى ظلم وهذه النقطة الجوهرية التي يختلف فيها نظام الثورة والفكر الناصري عما يجرى الآن.. غير أننا الآن نحاول ان ننحنى ونركع امام اعداءنا ونحوّل العدو الى صديق ونستجدى الحل من الخصم ونرفض الصديق الذي تتفق مصلحته مع مصلحتنا وليس أدلّ على ذلك ما تقوم به الولايات المتحدة الامريكية التي تقف مع اسرائيل وتساندها باستخدام حق الفيتو اذا كان القرار ضدها لصالح العدل رغم صداقتنا لها وكذلك ما تقوم به الحكومة من بيع للقطاع العام تحت شعار توسيع قاعدة الملكية التي هي مملوكة اساسا للشعب وانتهت الى مستثمر واحد ومحاولة بيعها للبنوك الوطنية ولم تعتبر بما كان في مصر قبل الثورة عندما امتنعت البنوك الخاصة في هذا الوقت عن تمويل التنمية في مصر. القاهرة ـ مكتب (البيان)أجرت الحوار ـ نادية هارون