لست في صدد الدفاع عن جمال عبدالناصر فالرجل بما أعطته له جماهير هذه الامة, وبمكانته مازالت في تقديرها في غني عن دفاعي أو دفاع غيري عنه, ولعلي لا أتجاوز اذا قلت انني واحد من الذين لا يعملون لأحد شرف تبرئته قبل ان يعطوا لأحد حق اتهامه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كانت الثروة أو كان الغنى بين مجموعة القيم الاجتماعية التي آمن بها جمال عبدالناصر؟ ومن هذا السؤال تبرز أسئلة فرعية عديدة: لمن انحاز جمال عبدالناصر اجتماعيا... هل كان انحيازه للأغنياء أو كان انحيازه للفقراء؟ ان أعدى أعداء جمال عبدالناصر لا يكفون عن اتهامه بالحقد على الاغنياء, ويعزون كثيرا من سياساته الى هذا الحقد الذي يتصورونه. ولم يكن جمال عبدالناصر حاقدا, ولكنه كان يرى الغنى الفاحش في وسط الفقر المدقع جريمة (لا تغتفر, وهكذا جعل بقلم: محمد حسنين هيكل هدفه الذي لا يحيد عنه تذويب الفوارق بين الطبقات ولو أنه وجد نفسه من الاغنياء ــ أو أوجدته مطامعه بينهم ــ لاختلفت تصرفاته, ذلك ان كل انسان حريص على مصالح الطبقة التي ينتمي اليها, أو حتى تلك التي يتطلع يوما للانتماء اليها. ولقد كان بين المعايير الصارمة التي ألزم نفسه بها ألا يملك أرضا أو عقارا وكان يعتقد واعتقاده صحيح ان الملكية هي التجسيد العملي للامتياز الطبقي, ولم يكن ضد الملكية كمبدأ ولكنه كان ضد تجاوز الحدود فيها في مجتمع أغلبيته الساحقة من المعدمين, وكان رأيه ان الحاكم في مصر لا يجوز له ان يتملك لأنه بذلك يفقد قدرته على التعبير عن مصالح الأغلبية ويجد نفسه مهما حسنت نواياه يعبر عن مصالح الآقلية, هل كان نمط حياته يزيد على موارده وهل كان مضطرا الى ان يجاري مستويات من المعيشة يراها من حوله مترفة ناعمة, ومجاراته لها تفرض عليه ان يبحث لنفسه عن مصادر اخرى لتمويل العجز؟ كان نهاره وليله عملا متواصلا, وكانت لمسة الترف في نهاره حينما يجلس للعمل في مكتبه تسجيلا لأغنية من أغاني أم كلثوم يدور وراءه خافتا في خلفية جو عمله, وكانت لمسة الترف في الليل ذهابه الى قاعة السينما في بيته يشاهد فيلما أو فيلمين قبل أن يأوي الى فراشه. وعندما رحل جمال عبدالناصر كان كل ما تركه من حطام الدنيا قرابة أربعة آلاف جنيه, ألف وخمسمائة منها قيمة بوليصة تأمين على حياته عقدها قبل ذهابه الى حرب فلسطين, ثم حساب في بنك مصر باسمه شخصيا كان رصيده حوالي ألفين وأربعمائة جنيه, وفي مقابل ذلك كان مدينا بحوالي 26 الف جنيه بقيت من تكاليف بناء بيتين, بيت لكل واحدة من بناته تسكن فيه عند زواجها, وكانت تلك مسألة تردد فيها طويلا ثم أقدم عليها اخيرا مدفوعا بعاطفة غلابة لا ترد, فقد كان يحس بتقصيره في الوقت الذي يعطيه لأسرته وكان يريدهم احيانا ان يعرفوا ان انشغاله عنهم خارج ارادته وان عليهم مثله ان يقبلوا مقاديرهم. ويوم رحل جمال عبدالناصر كانت ابنته الكبرى هدى تعمل في سكرتارية بمرتب قدره ستة وثلاثون جنيها, وكان قرينها حاتم صادق يعمل معي في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام بمرتب قدره مائة جنيه, وكان قبل ذلك في سكرتارية رئاسة الجمهورية. عن العربي المصرية