الوفد أيّد ثورة يوليو قبل الانقلاب على مبادئها الستة ! الاسباب التي دعت الوفد لرفض تأميم قناة السويس. رغم مرور 46 عاما على ثورة يوليو, الا ان هناك من التيارات والقوى السياسية المختلفة التي لا تزال تقف في خندق العداء لها, مما يعنى ان الارث التاريخي لايزال هو الحاكم من النظرة الى الثورة وزعيمها واحداثها.. ويختار حزب الوفد الوقوف في هذا الخندق, ويقف دائما عند محطاته قبل الثورة على انها النقطة الناصعة في تاريخ مصر, لا يهم في ذلك وجود ملك فاسد, وحاشية فاسدة, واحتلال انجليزي, واحزاب لا تستطيع ان تقدم شيئا, وفوق هذا وذاك مجتمع يتحكم في مقدراته نصف في المائة يملكون كل شيء و99,5% محرومون, ووصل الامر كما تقول الوقائع المثبتة في صحف ما قبل الثورة ان نداءات اطلقها البعض بجمع تبرعات حتى يتم شراء (شباشب) للمواطنين لانهم يسيرون حفاة الاقدام.. ورغم البعد الاجتماعي الذي يعتبره البعض النقطة البيضاء في تاريخ الثورة حيث مجانبة التعليم, واحداث الحراك الاجتماعي بين الطبقات, وكذلك معارك الاستقلال الوطني التي خاضتها الثورة ضد الاستعمار.. رغم كل ذلك الا ان الدكتور ابراهيم الدسوقي اباظة عضو الهيئة العليا لحزب الوفد والقيادي الوفدي يرى ان كل ما انجزته الثورة لم يحقق شيئا له قيمة لمصر.. ويدعو اباظة الجهات الحكومية والرسمية الى فتح ملفات ثورة 23 يوليو لرصد تجربتها وتقييمها بطريقة صحيحة وسليمة. وقال د. الدسوقي في حوار خاص مع (البيان) بمناسبة مرور 46 عاما على قيام ثورة يوليو 1952: ان حزب الوفد وباعتباره حزب الاغلبية الشعبية والذي تصدى للملك الفاسد والمحتل الانجليزي ساند وايد ثورة يوليو في بدايتها لكن الثورة تنكرت للمبادئ الستة التي اعلنتها. د. الدسوقي شرح ايضا رؤيته لممثل حزب الوفد لتجربة الثورة معتبرا ان ما قامت به الثورة من عام 1952 حتى الان سلبيات وكوارث اجتماعية ـ واقتصادية وعسكرية, معتبرا ان نظام السادات وحتى المرحلة الراهنة امتداد لنفس النظام الذي ارست الثورة دعائمه... الوفد ايدّ الثورة قلتم في بداية الحوار ان حزب الوفد أيدّ ثورة يوليو فلماذا حدث التراجع؟ سوف نشرح الصورة العامة اولا وقت الثورة, فمصر في بداية الخمسينات عندما وقع انقلاب يوليو والذي ايده الشعب وخلع عليه اسم الثورة كانت في حالة مخاض كبير تحكمها ملكية فاسدة واستعمار اجنبي وكان الصراع محتدما بين القوى الوطنية من جانب والانجليز والقصر من جانب اخر وكان حزب الوفد وقتها يقود الصراع ضد الانجليز والقصر بوصفه حزب الاغلبية الشعبية حتى انه لجأ الى إلغاء معاهدة 1936 مما أثار الغضب ضد بريطانيا, ووجودها العسكري في قناة السويس. ورغم تأييد الشعب والوفد للثورة انسجاما مع المبادئ الستة التي اعلنتها ومنها تحقيق مجتمع الكفاية والعدل, وإقرار الحرية والديمقراطية وحزب الفساد, ومنع سيطرة رأس المال على الحكم, وبناء جيش وطني قوى قادر على استعادة فلسطين, الا ان الشعب والوفد فوجئ بالتنكر لهذه المبادئ في الممارسة والتطبيق, ولم يتحقق مجتمع الكفاية والعدل, ولم يبق الجيش القوى بدليل سلسلة الهزائم والكوارث العسكرية التي منيت بها مصر في عهد الثورة. وماذا تقصدون بعهد الثورة بالتحديد وهل يقف في رأيكم عند رحيل عبدالناصر ام مستمر حتى الان؟ إن النظام الذي ارسته الثورة مستمر حتى هذه اللحظة ويقوم على انفراد شخص واحد بالحكم, ويعتمد في جوهره على الفردية ويكون الحاكم فيه هو صاحب القرار الاول والاخير, الا ان هذا النظام الذي ارسته ثورة يوليو تخللته ثلاثة عهود بدأ الاول في مارس 1954 باستيلاء جمال عبدالناصر على الحكم, وحل مجلس قيادة الثورة, والغاء الاحزاب, واسس عبدالناصر حزبا واحدا هو الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي, وامم الصحافة عام 1960, ثم امم وسائل الانتاج خلال اعوام 61, 62, 1963, ويمكن الوقوف على ملامح هذه العهود الثلاثة كالتالي: نظام عبدالناصر تميز بالعنف ضد المعارضين والاحزاب والقوى الوطنية, ولم يراع اية قوانين او يحترم اية وعود. نظام السادات وتميز بقناع ديمقراطي يقوم بتقنين الظلم في قوانين وهو ايضا كان حكما متسلطا تحت ديكور تعددي حزبي, وديمقراطي. النظام الحالي ويشهد استمرارا للنظام السابق الذي صنعه السادات. فتح الملفات كقيادي وفدي بارز للثورة: كيف يمكن دراسة تجربة ثورة يوليو بصرف النظر عن خلافاتكم المعروفة؟ لإعادة التقييم السليمة لثورة 23 يوليو 1952 لابد من فتح الملفات الرسمية لثورة يوليو باعتبارها ضرورة قومية, لانه لا يكفى ان تصدر عن الثورة اجتهادات او تخمينات, وانما يجب ان يكتب تاريخ هذه الثورة بمداد الوثائق الرسمية لان المؤرخين والباحثين لا يملكون المادة العلمية وهي الأدلة الموثقة والموجودة في اضابير وزارة الدفاع, ورئاسة اركان حرب الجيش المصري, وفي مضابط مجلس الوزراء. وفي تقديري انه لا يعقل ان تحدث هزيمة او كارثة بحجم 1967 بغير ان تعرف لماذا وكيف هزمنا. ان هذا جزء مهم من تاريخ مصر, ولابد ان يكتب حتى نستأنف المسيرة بخطى ثابتة وواثقة, فالتاريخ ليس للتسلية وانما العظة والاعتبار, والامم التي تقدمت هي التي كتبت تاريخها الصحيح, واستلهمت من العبرة, وتجنبت الخطأ في مسيرتها نحو المستقبل. اقول هذا لاننا نعيش في المجهول, هناك وثائق رسمية مازالت مدفونة في الملفات والسجلات الحكومية, ولو امكننا الاطلاع عليها لا يمكننا ان نقيم الثورة. لماذا التأميم؟! رفض حزب الوفد تأميم القناة رغم تأثيره الايجابي على دول العالم الثالث, حيث اثبت انها تستطيع ان تقول لا للدول الكبرى الاستعمارية؟ دعنا نعود الى الحقائق التاريخية التي للأسف لم تنشر, ويلتفت اليها احد, فبسبب حرب 56 والتي جاءت نتيجة لقرار عبدالناصر تأميم القناة فقدت مصر نهائيا سيادتها على مضيق تيران, وخليج العقبة كله, ورفضت اسرائيل الانسحاب من سيناء الا بعد وضع قوات البوليس الدولي كحاجز وهو ما ادى الى عزل خليج العقبة عن مصر, وحرمان مصر من وضع اسلحة ولا مدفعية. وترتب على ذلك ايضا ان اسرائيل بدأت في انشاء ميناء ايلات بعد حرب 1956, ثم تمكنت من استثمار خط انابيب بترول يبدأ من ايلات ويصل اشدود خلال عامي 1957 و1958, كما نجحت اسرائيل في مكاسبها من هذه الحرب من اقامة صناعة بتروكيماويات على جزء من البترول الخام, ومعنى ذلك ان اسرائيل قد سلبت ولو جزئيا الميزة الاقليمية التي تنفرد بها مصر وهي اطلالها على البحرين الابيض, والاحمر. في سياق اخر فان حرب 56 ورغم ان ظاهرها انتصار الا ان باطنها خسارة فادحة وجسيمة لمصر والعرب, فهي في الواقع الخطوة الحاسمة للاجهاز على الحلم العربي باستعادة فلسطين وكانت الخطوة التالية هزيمة 67, واخيرا فان عودة القناة كانت سوف تتم عام 1968 وسترد القناة الى مصر بلا اي تعويض لحملة الاسهم ولكن ثوار يوليو لم يدركوا حقيقة الاوضاع الدولية والتوازنات في حينها ولم يضعوا احتمالات الحرب في الحسبان وان انجلترا وفرنسا لن تسكنان على تأميم القناة. نتائج وليست نوايا البعد الاقتصادي في تجربة ثورة يوليو كان مميزا بمعنى انه قام على دعائم استقلال وطني وتمصير كل شيء, وعدم الخضوع للغرب.. فما هو رأيك؟ اقول اولا ان السياسة بالنتائج وليس بالنوايا والنتائج الماثلة لتجربة ثورة يوليو على الصعيد الاقتصادي تنبئ بخسائر كبيرة, لان مصر حتى الان وبعد 46 عاما على الثورة لم تصل بعد الى مرحلة الاقلاع او الانطلاق الاقتصادي ويدلل على ذلك تراجع معدلات او متوسطات دخل الفرد المصري مقارنة بمعظم البلدان, وللاسف الشديد نقول ان هذا المتوسط ثلث متوسط دخل الفرد الاسرائيلي. وبعد ان كانت مصر تتجه نحو التنمية الزراعية والصناعية اذ بمصر كلها تفاجأ بقرارات الاشتراكية عام 1961, وترتب على ذلك القضاء على نسبة كبيرة وهامة من القطاع الخاص المصري, وتبنى عبدالناصر النموذج الاشتراكي في السياسة, والاقتصاد وهو النموذج الذي يركز بين ايدي الحاكم السلطتين السياسية والاقتصادية, ولاشك ان هذا النموذج يعدم او يحرم المواطن وجهى الحرية السياسية, ويحوله الى (ترس) في آلة الدولة, ويضمن للحاكم في نفس الوقت السيادة المطلقة على شعبه, وعلى ما يبدو فان هذا هو الذي استهوى عبدالناصر في النظام الاشتراكي والا فليقل لنا المدافعون عن هذا النموذج. واخيرا فان الاشتراكية كمذهب اقتصادي واجتماعي لا تستورد ولا تصدر ويجب ان تنبع من ارض الواقع وان تفرضها الجماهير لو اقتنعت بها ولكننا رأينا الاشتراكية تطبق بقرار جمهوري من عبدالناصر وتلغى بقرار جمهوري من السادات بعد سنوات طويلة كان فيها رجال وكتّاب عبدالناصر يتفنون في شرح امجاد الاشتراكية وخرج علينا اساتذة وعلماء مثل د. عاطف صدقي رئيس الوزراء السابق ود. رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب السابق لينظروا ما يسمونه بالاشتراكية العربية. البعد الاجتماعي ولكن الثورة حققت منجزات اجتماعية عديدة لم ينكرها حزب الوفد الجديد فما برنامجه السياسي؟ الثورة لم تحقق اي منجزات اجتماعية من وجهة نظرنا, فقبل الثورة مباشرة كانت مصر تنشد الانطلاق الاقتصادي لهزيمة الفقر ولتحقيق مستوى معقول من التنمية يتلاءم مع النصف الثاني من القرن العشرين, وكان شعار الكفاية والعدل يعنى ان يكفى كل مواطن احتياجاته الاساسية, وان يتنافس الجميع من اجل التقدم وتكافؤ الفرص, الا ان ثوار يوليو وبعد ان نجحوا في استكمال تمصير المشروعات الاقتصادية بعد 1956, اذا بمصر كلها تفاجئ بتدمير المئات من المشروعات الناجحة, بينما تأثرت العمالة التي كانت الحصان الرابح لنظام عبدالناصر سلبا, حيث كانت تعرف حقوقها ولا تعرف واجباتها مما ادى الى سقوط موازين الثواب والعقاب داخل المشروع الاقتصادي والاجتماعي. اما اجور العمال فلم ينجح نظام الثورة في الارتفاع بها, واصبحنا نرى الارباح توزع على العمّال في حين انها في الواقع تأتي وسط خسائر كبيرة في القطاع العام, وفوق ذلك استولت الحكومة على نصيب العمال في التأمين الاجتماعي والمعاشات لتستغلها في اقراض القطاع العام بفوائد ضئيلة وانعكس ذلك على اوضاع العمالة المصرية التي لم تجد رفاهية مادية ولا ارتقاء مهنيا. قانون الجهد الاقل يا دكتور... القطاع العام كان السند الرئيسي لمصر في حروبه ضد اسرائيل, ورغم ذلك اسألك عن قضية اخرى هي ما موقفكم من الخطوات التي حققتها الثورة في القطاع الزراعي؟ انا ازعم ان خطوات الثورة في القطاع الزراعي كانت مدفوعة بقانون الجهد الاقل, وتحصل على اكبر مكسب, فالثورة فرضت قانون الاصلاح الزراعي بدعوى انه سوف يرتفع بشؤون الزراعة والفلاح وسوف يحقق الرفاهية للفلاح والريف المصري لكنه تحول الى مجرد توزيع رقعة ارض على عدد قليل من الفلاحين, وتم توزيع 500 الف فدان فقط من ستة ملايين فدان على 100 الف فلاح فقط حصل الواحد منهم على خمس فدادين, ثم سلّطت الدولة على الفلاحين الجهاز التعاوني الذي لا يحمل من التعاون سوى اسمه, وكانت النتيجة ارهاق الفلاح بالرسوم والمصروفات, ثم كان بنك التسليف او بنوك التنمية ترهق المزارعين بالفوائد والحجوزات, والادهى من ذلك ان الفلاح المصري ظل طيلة عهد عبدالناصر والسادات كان يدفع ثمن معيشة الانسان المصري, وكان ينفق على مصر من قوته, ومن دمه لان الحكومة ومنذ وقت مبكر فرضت التسعير الجبري للمحاصيل, وكانت تشتري حتى سنوات قليلة مضت القطن والقمح والارز, والقصب بأسعار لا تزيد عن 25% من السعر العالمي.