السودان كانت طريقنا لقلب افريقيا . حرب 56 جذبت كل حركات التحرر الى مصر. مصر رفضت تصدير الثورة لافريقيا ومنحت الخبرة والمساعدة للثوار. من (اروقة) الازهر اكتشفنا بعض ثوار افريقيا. حين تذكر افريقيا وحركات التحرر يأتي اسم محمد فائق, يحفظها, وتحفظه, وعلى الرغم من مرور اكثر من ربع قرن على تركه للعمل الرسمي, الا انه لايزال صاحب علاقات ونفوذ واسع في الدول الافريقية التي خاضت حروبها ضد الاستعمار او وقفت معها مصر عبدالناصر مساندة حتى نالت استقلالها.. محمد فائق الذي شغل وهو في عقده الثلاثين منصب وزير الارشاد (الاعلام) ووزير الدولة للشؤون الخارجية.. لم يكن في حسبانه منذ ان كان طالبا في الكلية الحربية, ان الظروف السياسية ستختار له يوما ما التوغل في الميدان الافريقي والارتقاء في الاخلاص لذلك حتى عرف بمهندس حركات التحرر الافريقية في الستينات والخمسينات.. غير ان هذه المهمة التي تحتاج الى طراز خاص من البشر كان اهلا لها.. عرف عبدالناصر حين كان يقوم بالتدريس له في مدرسة الشؤون الادارية التي التحق بها فائق طالبا بعد تخرجه من الكلية الحربية, ثم انخرط في صفوف الثورة وشارك في تأمينها في ايامها الاولى وكان له كما يقول: شرف مسؤولية حصار قصر القبة) .. بعد ذلك عمل مع زكريا محيى الدين, ويعتبره فائق من الشخصيات الهامة جدا في تاريخ الثورة.. ومن خلال العمل مع زكريا محيى الدين بدأت رحلته في الانطلاق نحو القارة السمراء. الملف السياسي اجرى معه الحوار الآتي: سألناه: كيف وضعتم خطتكم الاولى لاختراق افريقيا؟ قال: بدأت الخطة بملاحظتنا ان الوضع الافريقي معقد في جانبه الاجتماعي والسياسي ولكي نحقق هدفنا بان الواجب الاول امامنا هو الفهم الدقيق لتكوين القبائل والتكوين السياسي والاجتماعي من كل بلد وجوانب الاختلاف والاتفاق في ذلك بين كل بلد واخرى, واساليب تعامل الاستعمار كل المعلومات الخاصة بهذه الجوانب لم تكن موجودة او متوفرة لدى اي جهاز سياسي في مصر وعليه بدأنا في استحداث الوسائل ومعرفتها التي تساعدنا, وكانت نقطة البدء في اروقة الازهر حيث الطلاب المبعوثون من افريقيا للدراسة في جامعة الازهر, والمعروف ان لكل دولة افريقية (رواق) تشاد ــ ارتيريا السنغال.. مالي.. النيجر.. نيجيريا.. كل الدول الافريقية.. كنت اذهب الى الازهر وبطريقة واخرى اعرف الطلاب وتوجهاتهم السياسية واعرف فهم التركيبة القبائلية والاجتماعية لكل بلد, وكان من بين الطلاب ابناء لزعماء حركات تحرر افريقية, وعبرهم ارسلنا الى آبائهم رسائل معينة.. كانت هذه المرحلة بمثابة التمهيد للانطلاق لزعماء حركات تحرر افريقية تزامن معها السفر الى دول افريقية عديدة بجوازات سفر غير مصرية حيث كان الاستعمار في ذلك يمنع استقبال اي مسؤول مصري, وبواسطة هذه الجولات عرفت افريقيا اكثر وبدأت معها في التعامل عن قرب, وتوفرت لي فرصا عديدة استثمرتها في نسج علاقات مع القبائل الافريقية وزعمائها. خطوة هامة يرجع محمد فائق بذاكرته اكثر الى الوراء ليؤكد ان التوجه لافريقيا سبقه خطوة هامة مهدت يقول محمد فائق: عملت مع زكريا محيى الدين في موضوع السودان وكان موضوعا شائكا نتيجة للروابط التاريخية بينها وبين مصر, ونظرا لحساسية الموضوع واهميته الخاصة لدى عبدالناصر والثورة وبحث تقرير المصير النهائي لها بإرادة ابنائها تم انشاء ادارة مستقلة لها اطلق عليها ادارة الدولة لشؤون السودان وانتهاء قضيتها.. اقترحت على زكريا محيى الدين ان تحول الادارة الى ادارة العمل الافريقي. كانت السودان نقطة استكشاف لنا لطبيعة العمل الافريقي خاصة, وان حدوده واسعة ومحاطة بدول افريقية عديدة, وكانت اول التحديات امامنا في قضيته هو كيفية الدخول اليه في وقت كانت المعارك دائرة داخله بين انصار الوحدة مع مصر, وانصار الاستقلال عنها, ورتب هذا التناحر بين الفريقين جهدا كبيرا لاجهزة المخابرات المصرية, وجهاز ادارة السودان, اعقب ذلك فهما اوسع لدى عبدالناصر بأن قضية التحرر ليست السودان فقط, وانما كل افريقيا, ويمكن استثمار السودان في ذلك وبالفعل تم تصفية مكتب الاتصال الاثيوبي فيه, وكان بؤرة انطلاق للمطامع الامريكية والغربية في ارجاء القارة السوداء. الى اي مدى ساهمت معركة 1956 وانتصار مصر فيها في تعظيم الدور المصري الافريقي؟ تركت اثرا عظيما وتعزز مركز عبدالناصر عالميا وافريقيا واصبح في نظر افريقيا الزعيم والبطل الذي قهر الاستعمار البريطاني والفرنسي واهتزت بعنف صورة بريطانيا في شرق وغرب افريقيا.. قال لي (كاوندا) الذي قاد زامبيا الى الاستقلال, ان اشد ما كانت تعانيه الحركة الاستقلالية في بلاده في البداية ان العامة ما كانوا ينظرون الى الانجليز على انهم جنس متفوق لا يقهر, وكانت هزيمة بريطانيا وفرنسا في حرب السويس من الاسباب الاساسية التي ادت الى تغيير هذه النظرة وتشجيع حركات التحرر على مقاومة الاستعمار البريطاني.. كما ادى الانتصار في هذه المعركة الى جذب كل حركات التحرر الافريقية الى مصر بعد ان كنا نبحث عنهم في البداية, وفتحنا لكل حركة مكتبا في القاهرة, وقاموا جميعا بنشاط اعلامي وافر عن طريق الاذاعة المصرية باللهجات الافريقية العديدة. هل قام جهاز الشؤون الافريقية بتهيئة التربة لحركة تحررها في احدى الدول ام انكم تركتم الفرصة للتفاعلات الداخلية في كل دولة تصنع توجهها التحرري؟ لم نكن نصدر الثورة بل كنا نلتقى مع حركات التحرر ونعطيهم الخبرة والمساعدات, والتدريبات, ولم نكن نضغط على احد, كان يوجد في بعض الاحيان حركات متصادمة فيكون المعيار عندنا في المساعدة هو من فيهما يعمل ضد الاستعمار. ويكشف محمد فائق عن اوجه المساعدات لهذه الحركات قائلا: حولنا جزء من فائض السلاح لدى مصر الى هذه الحركات وعلى سبيل المثال استفدنا من الاسلحة الانجليزية التي كانت موجودة في قاعدة قناة السويس بعد استيلاء مصر عليها على اثر اشتراك بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956, وزودنا حركات التحرر بكميات كبيرة منها وتوليت الاشراف على نقلها بطرق مختلفة ووسائل غاية في التعقيد حتى لا ينكشف امرها. بعد استقلال الدول الافريقية هل تطورت المساعدات لتأخذ اشكالا اخرى كالدعم الاقتصادي. يقول فائق: شهد مطلع الستينات استقلال العديد من الدول الافريقية وخروجها من دائرة الاستعمار التقليدي, في الوقت الذي احتفظت بعضها بعلاقات مع الدول التي استعمرتها, وفي نفس الوقت كنا نقف مع الدول التي ترغب في التخلص من عبء هذه العلاقات.. مثلا الصومال في وقت ما تولى رئاسة وزرائها (شارماركي) وكان صاحب ميول تقدمية تقوم على اسس تحرير الصومال واستقلالها عن دوائر الغرب ودمجها بالمحيط العربي والافريقي, وكان الموز هو المحصول الرئيسي لها وعمودها الاقتصادي وتقوم الشركات الايطالية باحتكاره والمعروف ان الصومال كانت مستعمرة ايطالية وفي يوم من الايام ارسل شاروماركي ببرقية الى مصر عبر دولة عربية يصرخ فيها, ويطلب من مصر مساعدتها في البحث عن اسواق جديدة للموز, لان الشركات الايطالية التي كانت تتسلمه من قبل رفضت استلامه, واضاف في رسالته اذا لم يتم تصريف مخزون المحصول في ايام قليلة فسوف يحدث انهيار اقتصادي في البلاد ويكون الطريق ممهدا للقوى التي تريد عدم استقلال الصومال وبقائها في حظيرة الاستعمار, وقال ايضا انه سيحضر الى مصر للتباحث حول هذا الموضوع. يكمل فائق: حضر شاروماركي الى القاهرة واجتمع بعبدالناصر وعرضه عليه الموقف تفصيلا, فقال له عبدالناصر: سوف نأخذ كل الكمية واؤكد لك انه فور اعلان هذا الاتفاق سوف تتراجع الشركات الايطالية عن موقفها واخبرني الرئيس بالاعلان فورا في وسائل الاعلام المحلية والعالمية عن شراء مصر للموز الصومالي الذي رفضته الشركات الايطالية, وكان هذا هو مطلع الخبر الذي تلقفته وسائل الاعلام الغربية قبل المحلية, وقبل ان يصل شاروماركي الى بلاده تحققت توقعات عبدالناصر واعلنت الشركات الايطالية تراجعها عن موقفها وتشدد رئيس الوزراء الصومالي امامهم ليدخل في مفاوضات جديدة مع الشركات بهدف رفع اسعار الموز وهو ما تحقق بالفعل.. واظهر هذا الموقف مصر على انها العون والسند الرئيسي لكل الدول الافريقية, كما ساهم في فتح الاسواق الصومالية لمصر بعد ذلك نتيجة الثقة المتبادلة وشعور القيادة الصومالية بأن لها ظهر يستطيع حمايتها امام الغرب والحفاظ على مصالحها. هل شملت صور الدعم الاقتصادي منح قروض لبعض الدول؟ يقول فائق: كنا نقوم باقراض الدول الافريقية بقروض بسيطة تراوحت ما بين 4 ـ 6 ملايين جنيه, تم استثمارها في تشييد المباني الخاصة باقامة بنية تحتية, وعلى سبيل المثال كان مجرد وجود لوكاندة في دولة افريقية مظهرا من مظاهر السيادة الاستعمارية, حيث كان الاستعمار يحرص على بنائها كواجهة يتواجد فيها من الشخصيات التابعة له تسير شؤون البلاد في المقابل كنا نقوم بدراسة كافة الاحتياجات الممكنة ومعظمها كان بسيطا, مثلا اعطينا لمالي اربعة ملايين جنيها, كقرض تم بناء مستشفى به واصلاح طريق, وسافرت شركات مقاولات ذات قدرة انشائية ضخمة وتم بواسطتها بناء المستشفى, مثلا كنا نكتشف ان بعض الدول تحتاج الى مصاعد وتحتاج الى عملة صعبة لاستيرادها في الوقت الذي لا يوجد فيها هذه العملة ولتذليل هذه العقبة كنا نستثمر الاتفاقيات المبرمة لمصر مع بعض الدول الشرقية للتباحث حول هذه الاحتياجات ونستوردها لنعطيها للدول الافريقية, وفي المقابل كانت البضائع المصرية تجد طريقها في هذه الدول, وعلى سبيل المثال كانت اسواق مالي لا يوجد فيها اي نوع من البضائع سوى المنتجات المصرية ولم يقف امام التصدير لاي سلعة مصرية للاسواق الافريقية سوى عدم وجود فائض لانتاجها. الكتلة الشرقية ويشرح محمد فائق عن الدور المصري في توظيف القروض الممنوحة من دول الكتلة الشرقية لصالح الدول الافريقية.. ويقول: كانت دول الكتلة الشرقية تعطى قروضا.. في مقابل ذلك لم تكن الدول الافريقية تملك المكون المحلي لتسديد هذه القروض, وتغلبت مصر على هذه المشكلة لصالح الدول الافريقية, حيث قامت بجمعها في منظمة الوحدة الافريقية وقامت المنظمة بتنظيم هذه العملية, وكانت مصر تقوم بارسال بضائع الى الدول الافريقية تستخدمها كسند له في تقديم ما يثبت قوة اقتصادها وتقرير مكانتها في طلب القروض وتمت هذه العملية بكفاءة كبيرة مساهمة في نجاحها شركة النصر للتصدير التي قامت بفتح اسواق افريقية هائلة, كما ارسلت الخبراء الذين قاموا بتنظيم الاسواق وعمليات التصدير والاستيراد هناك خاصة وان احتياجات الاسواق الافريقية كان يحكمها ذوق معين ومناسب لطبيعة البلاد.. وسهل ونظم ذلك تعاملي المباشر مع رئاسة الجمهورية, بالاضافة الى وجود قطاع عام قوى يستطيع تلبية ما احتاجه على الفور, وكانت المنافسة شديدة مع دول شمال اوروبا التي كانت ترسل كل انواع المنسوجات الى افريقيا. ويكمل فائق: واجهتنا مشكلة صعوبة المواصلات الداخلية التي تساهم في عمليات تيسير التجارة بين المناطق الداخلية لكل دولة, بعد عدة دراسات نظمنا رحلات جوية لطائرات (شارتر) بالاضافة الى انشاء شركة ملاحة وبذلك تغلبنا على المشكلة. دعاية مسمومة ارتبطت مصر عبدالناصر بالقضية الفلسطينية وكانت افريقيا مركزا للصراع بين مصر واسرائيل فكيف وجدتم حقيقة التغلغل الاسرائيلي في افريقيا؟ يقول محمد فائق: قبل استقلال الدول الافريقية كانت اسرائيل قد نجحت في تشويه صورة القضية الفلسطينية لديها, فلم يكن لدى الدول الافريقية مصدر لاستقصاء المعلومات قبل استقلالها سوى مصدر واحد هو اسرائيل, حيث سمحت الدول الاستعمارية بفتح قنصليات لها في العواصم الافريقية, وعاونتها في اغراق المجتمع الافريقي بدعايتها المسمومة, وفي نفس الوقت حرمت الدول الاستعمارية على اي بلد عربي فتح قنصليات لها في تلك الدول وهو امر حاولته مرات عديدة في غرب وشرق افريقيا, ووصل الامر الى عدم السماح لاي مسؤول مصري بالذهاب الى افريقيا وهو ما جعلني اتجول فيها بجواز سفر مستعار احيانا على انه لبناني, واحيانا اخرى على انه تونسي او سوري, او اي بلد عربي اخر ويحكى فائق قصة حول هذا الموضوع سمعها من جوموكينياتا اول رئيس لكينيا, وهو الذي قاد حركة الماوماو ضد بريطانيا عام 1952 من اجل تحرير كينيا.. يقول: قال لي كينياتا: قبل الحرب العالمية الاولى قامت بعثة صهيونية بزيارة لشمال كينيا واوغندا بناء على دعوة من بريطانيا للنظر في إمكان قيام الدولة الصهيونية في هذه المنطقة التي تعد الأجمل في افريقيا, الا ان المستعمرين البريطانيين الذين استولوا على أراضي هذه المنطقة واقاموا فوقها مشاريع زراعية ازعجتهم الفكرة, فأوعزوا لرجال القبائل بإثارة الذعر في قلوب الوفد الصهيوني الذي وصل لمعاينة المنطقة, فظلوا يرقصون بحرابهم طوال الليل حول مكان اقامة البعثة اليهودية, وعلى الفور غادروا المنطقة من شدة الفزع, ولم يعودوا اليها مرة اخرى وبعدها استقر الامر على اختيار فلسطين لقيام الدولة الصهيونية. سألته كيف واجهتم ذلك؟ فكرة المواجهة بنيت على اساس تحرير كامل لافريقيا من كافة الاشكال الاستعمارية فالدول الاستعمارية هي التي سهلت لاسرائيل كافة انواع التغلغل, وكانت هذه النظرة متكاملة لدى عبدالناصر, فاسرائيل والاستعمار شيء واحد سواء في سياستهما تجاه مصر في الداخل او في الخارج وتأسيسا على ذلك كان التعامل مع حركات التحرر الافريقية, والنقطة المركزية في التعامل كانت الانتقال من عملية المساومة او التضامن الى جانب عملي فأمن مصر هو امن افريقيا, واستقلال اي دولة افريقية كان بمثابة استقلال جديد لمصر اما الجوانب العملية التي قمنا بها فتمثلت في تقديم المساعدات المالية والسلاح وحاجات اقتصادية اخرى, واذا كانت اسرائيل قد قامت ببعض هذه الجوانب, فإن مصر وفرتها وبكثرة مما دفع الدول الافريقية الى تأييد مصر في كافة المحافل الدولية فما يخص القضية الفلسطينية وغيره من قضايا المواجهة مع الاستعمار, وعزز من ذلك شخصية عبدالناصر الاثيرة في الوجدان الافريقي فكان ينظر اليه من القيادات الافريقية التي حققت الاستقلال لبلدها بأنه السبب الاول والرئيسي في الاستقلال.