كيف وصلت اسماء الضباط الاحرار الى السراى ؟ وكيف علم عبدالناصر بموعد ومكان اجتماع القادة الذين سيفصلون في امرهم؟ لماذا تحرك يوسف صديق بقواته قبل الموعد المقرر بساعة كاملة؟ بعض الضباط الأحرار كانوا اعضاء في الحرس الحديدي الملكي! كيف نفسر ان الثورة رغم كل المحاكمات التي أجرتها لرموز النظام السابق لم تهتم بمحاكمة اعضاء (الحرس الحديدي) .. وهم عملاء الملك المكلفين بتصفية اعدائه؟ الفرق بين التوقيت العادي والتوقيت الصيفي كان هو السبب المباشر في نجاح أهم خطوات الثورة. اسوأ ما في العميل المزدوج هو صعوبة التأكد من الجهة التي ينتمي إليها ولاؤه الحقيقي! حول ثورة 23 يوليو, ومقدماتها, ووقائعها, وملابساتها, صدرت مئات الكتب وآلاف الدراسات, بعضها بأقلام مؤرخين, والبعض الآخر على شكل مذكرات حررها او أملاها العديد من المشاركين بدور كبير او صغير في ذلك الحدث العظيم. ومع ذلك تبقى حلقات مفقودة, لم تنل حظها من الاهتمام, ولازالت تنتظر التحليل والتعليق رغم مضى ما يقرب من نصف قرن على حدوثها, ورغم مرور مياه كثيرة تحت الجسور, تكاد تختفى تحتها كل المعالم, وتذوب معها في غياهب النسيان. من ذلك مثلا, ان كل من كتبوا عن الثورة واحداثها يجمعون على القول بان السبب في توقيتها في ليلة 22 ــ 23 يوليو بالذات هو ان قادة الثورة علموا قبل يومين بان أسماء الضباط الاحرار قد وصلت بالكامل الى السراى, وان قادة القوات المسلحة سوف يجتمعون بمبنى القيادة العامة في تلك الليلة للنظر فيما يجب ان يفعلوه بالضباط المتمردين, وان الخيارات تتراوح بين اعتقالهم جميعا ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى وهذه تهمة عقوبتها الاعدام رميا بالرصاص. او على ادنى الاحتمالات الفصل من الخدمة العسكرية بالنسبة للبعض, وخفض الرتب والإبعاد الى مناطق نائية بالنسبة للبعض الآخر. وقبل هذه المعلومة, كانت السلطات تعرف جيدا بوجود التنظيم السرى الذي يسمى نفسه (الضباط الاحرار) , وهو معاد للنظام, ويصدر بشكل غير دوري منشورات بهذا التوقيع تنتقد الاوضاع السياسية, وتندد بالسراى, وبقيادات القوات المسلحة الخاضعة لها. وتدعو الجيش للثورة, وتبشر بالخلاص من كل مفاسد النظام الذي تاجر بأرواح الجنود, وبكرامة مصر, وبالقضية الفلسطينية حين زود الجيش بأسلحة فاسدة ابتاعها سماسرة النظام وعملاء الملك شخصيا لا لتكون سلاحا للمقاتلين, وانما لتكون وسيلة رخيصة لكسب الملايين. ومع ذلك فقد ظلت اجهزة السراى ترجح ان (الضباط الاحرار) الذين تصدر بإسمهم تلك المنشورات انما هم مجرد تنظيم وهمي, لا وجود له بالجيش, وانما هو من صنع بعض التنظيمات اليسارية التي تفضح يساريتها لغة المنشورات. حتى كان ربيع 1952. وكانت المناسبة انتخابات نادى ضباط الجيش. وكما جرت العادة في اية انتخابات سابقة, رشحت السراى (الملك) لرئاسة مجلس الادارة واحدا من رجالها المقربين, اسمه اللواء حسين سرى عامر, ومعه قائمة مختارة من الاعضاء وكلهم اسماء معروفة بولائها للسراى وسماسرة الاسلحة الفاسدة.. ورأى الضباط الاحرار ان الفرصة مواتية لاختيار مدى نفوذهم في الجيش, وذلك بالدخول في معركة سافرة مع النظام فرشحت منشوراتهم قائمة مختلفة عن قائمة الملك, ورئيسا اخر لمجلس الادارة هو اللواء محمد نجيب.. واسفرت الانتخابات عن سقوط مدوٍ لمرشحي الملك.. وهنا استيقظت اجهزة النظام على الحقيقة التي ظلت تتجاهلها لشهور طويلة, الا وهي ان الضباط الاحرار لهم وجود بالفعل داخل القوات المسلحة, وان هذا الوجود خطر لا يمكن السكوت عليه. ومن ثم راحت تلك الاجهزة تبذل المستحيل من اجل التوصل الى الاسماء المجهولة لذلك التنظيم الخطير.. حتى توصلوا اليها.. وعند هذه النقطة نتوقف لدى واحدة من اهم الحلقات المفقودة, الا وهي كيف وصلت اسماء الضباط الاحرار الى السراى.. ولماذا لم يجر الضباط الاحرار بعد نجاح الثورة اي تحقيق في هذه الواقعة؟ وللاجابة على السؤالين لا نجد لدينا سوى مؤشرين. الاول ان الملك كان لديه في تلك الفترة تنظيم سرى خاص له داخل القوات المسلحة تحت اسم (الحرس الحديدي) , مهمته تأكيد الولاء لصاحب الجلالة ومطاردة اية عناصر يشك في ولائها او لا تحظى بالرضا السامي.. وقد تبين بعد الثورة ان هذا (الحرس الحديدي) مسؤول عن عدد من جرائم القتل ومحاولات الاغتيال لخصوم الملك السياسيين. كما تبين ايضا ان تنظيم الضباط الاحرار اخترق الحرس الحديدي, حتى يمكن القول انه كان هناك اكثر من عنصر يعمل (كعميل مزدوج للجهتين) .. ومن ثم, فان من المحتمل جدا ان يكون بعض هؤلاء العملاء المزدوجين هم المصدر الذي تسربت منه للسراي اسماء الضباط الأحرار.. وهم ايضا نفس المصدر الذي علم منه عبدالناصر بموعد ومكان اجتماع قيادات الجيش للبت في مصيرهم. والمؤشر الثاني, هو ان هذا المصدر لابد وان يكون في قيادة التنظيم, وذلك بحكم السرية المطلقة التي التزم بها عبدالناصر ورفاقه والتي كانت تحول تماما دون معرفة (القواعد) او (الخلايا) بأية اسماء في الخلايا الأخرى.. وفيما عدا هذين المؤشرين وهما في النهاية قرينتان, ولا يوجد دليل مادى يؤكد دورهما في كيفية وصول الاسماء الى السراى, ستبقى هذه الحلقة مفقودة, حتى يلهم الله احد الباقين على قيد الحياة من اعضاء مجلس قيادة الثورة ان يتكلم, من اجل الحقيقة.. بعد ان اصبح كل شيء في ذمة التاريخ.. الحلقة المفقودة الثانية, تتناول القصة التي اجمع عليها كل من تناول الحديث عن ثورة يوليو, الا وهي ان الاتفاق تم بين اعضاء مجلس قيادة الضباط الاحرار برئاسة جمال عبدالناصر على ان يكون منتصف ليلة 22 ـ 23 يوليو هو موعد تحرك القوة المشكلة بقيادة يوسف صديق لاقتحام مبنى القيادة العامة واعتقال قادة الوحدات المجتمعين فيه.. ولكن الذي حدث هو ان يوسف صديق حرك قواته قبل منتصف الليل بساعة كاملة.. وكانت هذه الساعة هي الفيصل بين نجاح الثورة وفشلها.. بين استيلاء الضباط الأحرار على السلطة او اعدامهم رميا بالرصاص. ولقد حاول بعض المؤرخين الهواة تفسير تحرك يوسف صديق المبكر بانه كان محاولة منه لسرقة الثورة!! غير ان هذا التفسير (الجزافي) يسقط امام حقيقة اخرى اكدها كل شهود العيان, الا وهي ان جمال عبدالناصر, وكان معه عبدالحكيم عامر, لاحظا وجود تحركات غير عادية لبعض مركبات القوات المسلحة قبل الموعد المتفق عليه, فخرجا يستطلعان الامر وهما بملابسهما المدنية, فقبض عليهما الحراس, واحضروهما اسيرين الى يوسف صديق الذي كان حينذاك يجلس في مكان القائد العام.. فما ان شاهدهما حتى تنحى عن مكانه فورا قائلا لكل من حوله, هذا هو قائدنا... ولكن يبقى السؤال المهم.. لماذا تحرك يوسف صديق في الساعة الثانية عشرة.. وليس في الساعة الواحدة.. والجواب بسيط ومفهوم.. فالاتفاق كان على منتصف الليل. وحسب التوقيت الصيفي فان منتصف الليل يكون في الساعة الواحدة.. اما بالنسبة ليوسف صديق فان منتصف الليل عادة يكون في الساعة الثانية عشرة.. وعموما, لولا هذا الاختلاف في التوقيت.. لما نجحت الثورة. ونأتي بعد ذلك الى حلقة مفقودة ثالثة.. وهي خاصة بالرئيس السابق محمد انور السادات, عضو مجلس قيادة الثورة, والرجل الذي القى اول بيان له بالاذاعة صبيحة يوم 23 يوليو, ثم تولى الرئاسة عقب رحيل عبدالناصر في سنة 1970 حتى لقى حتفه اغتيالا يوم 6 اكتوبر 1981.. يقول كل رواة الثورة, ان السادات كان مكلفا ليلة الثورة بمهمة خاصة هي تأمين الطريق الى الاذاعة, باعتبارها احدى اهم المواقع الاستراتيجية التي ينبغى السيطرة عليها منذ اللحظات الاولى لتحرك قوات الثورة.. والمفروض ان يتم ذلك في الساعة الواحدة وان يبدأ الاعداد له قبل ذلك بوقت كاف.. ولكن الذي حدث هو ان السادات توجه بصحبة زوجته الى دار سينما بحى الجيزة ليشهد عرضا سينمائيا مستمرا ينتهى عادة بعد الواحدة. وعندما انتهى العرض, اشتبك في مشاجرة حادة مع شاب مستهتر اتهمه بأنه تحرش بزوجته, واصر على ان يتوجه الجميع لقسم الشرطة حيث تحرر محضر بالمشاجرة, واطرافها.. الامر الذي لم ينته الا في نحو الساعة الثالثة من صباح يوم 23 يوليو.. وفي نحو الساعة الرابعة صباحا وصل السادات الى مبنى القيادة العامة بعد ان كان كل شيء قد انتهى.. على خير.. ولم يكن الوقت متسعا لاى عتاب او مساءلة.. فكما قال عبدالناصر لزملائه وهو يقدمه لهم في قاعة القيادة العامة ان السادات له فضل في انتصارنا الليلة ربما اعظم من اي فضل آخر.. وسوف نتحدث في ذلك فيما بعد.. اما الآن فدعوني اقترح ان يلقى هو اول بيان لمجلس القيادة.. فهو خطيب, وصوته قوى, ومعروف لعدد كبير من الناس.. الى اخر ما اوردته معظم الكتب التي تناولت تلك اللحظات المثيرة من تاريخ الثورة.. وهنا يأتي السؤال الذي نفضل ان نترك الاجابة عليه لذكاء القراء.. لماذا تعمد السادات اهمال الموعد المتفق عليه؟ ولماذا تعمد تسجيل تواجده في السينما ثم في قسم الشرطة في الوقت الذي كان فيه زملاؤه ينفذون مهام الثورة.. كل منهم في المجال المطلوب منه. الحلقة الرابعة تتصل بموقف عبدالناصر من اليسار المصري, او موقف اليسار المصري من عبدالناصر.. ولكي يكون حديثنا مفهوما ينبغى اولا التأكيد على ان اليسار المصري حين اندلعت الثورة كان مقسما الى ثلاثة تيارات.. وبالتالي فلم يكن موقفه واحدا.. التيار الاول, هو الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو), وكانت على صلة ما غير عضوية مع تنظيم الضباط الاحرار عن طريق علاقة شخصية بين مسؤول الجيش في السكرتارية المركزية لحدتو, و(الصاغ) خالد محيى الدين احد اهم مؤسسي الضباط الاحرار.. فضلا عن وجود عدد من اليساريين في الصف الثاني للضباط الاحرار.. ومن خلال هذه العلاقة كان يتم طبع منشورات الضباط الاحرار في الطبعة السرية لحدتو.. لذلك كان من الطبيعي ان تعلن حدتو تأييدها للثورة منذ اللحظة الاولى, ومع ان هذا التأييد اهتز لفترة عقب تنفيذ حكم الاعدام في اثنين من عمال كفر الدوار.. الا ان حدتو عادت موقف المساندة والتأييد الذي لم يهتز ابدا بعد ذلك, حتى اعلنت وقف نشاطها المستقل في 1964, والانضمام للاتحاد الاشتراكي. اما التنظيمان الآخران, الحزب الشيوعي المصري, وحزب العمال والفلاحين فقد اعلنا عداءهما للثورة منذ اول لحظة, باعتبارها في نظرهما دكتاتورية عسكرية فاشية النزعة معادية للمصالح الوطنية والطبقة العاملة لصالح البورجوازية الجديدة المتحالفة مع الامبريالية الامريكية... الخ, وظل هذا هو موقف الحزبين بعد ان اندمجا معا في حزب واحد. واستبعدت منه حدتو بسبب تأييدها للثورة.. حتى اعلن حل حزبهما في عام 1964.. والعمل من خلال الاتحاد الاشتراكي.. ومع ذلك, فان حركة الاعتقالات, في 1954, ثم في 1959, لم تفرق بين مؤيد ومعارض.. بل يذكر في هذا الصدد ان زعيم المؤىدين شهدى عطية الشافعي لفظ انفاسه الاخيرة على ايدي حراس سجن ابو زعبل وهم يضربونه لحظة وصوله.. وهو يهتف, بحياة جمال عبدالناصر.. وهنا يكون السؤال: كيف نفسر ذلك؟ وقد يساعدنا على التماس الاجابة الواقعة التي نسردها في السطور التالية: في عام 1963, وكان جميع الشيوعيين واليساريين بشكل عام معتقلين في سجن المحاريق بالواحات الخارجة وصل الى السجن بهدف محاورة المعتقلين والتعرف على وجهات نظرهم ممثل شخصي للرئيس جمال عبدالناصر, هو اللواء حسن كامل, الذي كان يشغل حينذاك منصب رئيس ديوان القصر الجمهوري.. واستمع حسن كامل الى آراء المعارضين الذين لم يترددوا في اعلان ادانتهم للنظام (غير الديمقراطي) .. كما استمع الى آراء المؤيدين الذين افاضوا في التعبير عن تأييدهم للثورة وحماسهم للدفاع عن تدابيرها وخاصة فيما يتصل بالاتجاه الاشتراكي الذي يعتبرون انفسهم خير من يدافع عنه ويستفز من اجله مساندة الجماهير.. ومن ثم فان مكانهم ليس السجن, وانما هو وسط الشعب, المستفيد الاول والاخير من القرارات الاشتراكية.. واستمع اليهم الرجل جيدا. وبدا عليه انه متفهم تماما لوجهة نظرهم. الا انه فاجأهم بقوله: اقول لكم بصراحة اني اصدق كل كلمة قلتموها, ولكن هناك حقيقة اود ان تفهموها جيدا.. فليس مهما بالمرة ان تكونوا مؤيدين او معارضين.. وانما المهم ان اعتقالكم ورقة في يد عبدالناصر, يلقيها حين الحاجة اليها, والافراج عنكم ورقة اخرى سيلعبها في الوقت المناسب.. وتركهم الرجل ومضى, تاركا خلفه الف علامة استفهام.. والان, وبعد كل هذه السنوات, هل نستطيع تفسير هذه الكلمات؟ وهل يمكن ان يكون التفسير ببساطة ان عبدالناصر في تلك الفترة كان يلعب بورقة وضع الشيوعيين واليسار عموما في السجن, وتعذيبهم لمجرد التعذيب لكي يدفع عن نفسه الاتهام بأنه شيوعي.. وهو الاتهام الذي كان ينال كثيرا من مكانته لدى الانظمة العربية ويدفعها دفعا الى محاربته, وبالتالي احباط مشروعه القومي.. ثم يأتي بعد ذلك الافراج عنهم, كورقة اخرى يلعبها بعد ان تبين ضرورة كسب صداقة الاتحاد السوفييتي, او على الأقل تجنب سبب لا داعي له ولا نتيجة سوى احتمال معاداته.. على اية حال.. هذا كله حديث عن زمن مضى.. وكأنما كان زمنا لقوم آخرين, عاشوا على كوكب آخر.. وفي ظروف مختلفة تماما عن الظروف التي نعيشها اليوم.. ولازلنا لا نستطيع ان نقول على وجه اليقين, هل الافضل الا نقلب المواجع.. فنترك الحلقات المفقودة مفقودة الى الابد.. ام نسعى للذكرى, انطلاقا من القاعدة الذهبية ان الذكرى تنفع المؤمنين..