انا الابن الاكبر لاسرة مصرية من الطبقة المتوسطة الصغيرة, وقد كان ابي موظفا في مصلحة البريد يبلغ مرتبه الشهري نحو عشرين جنيها, وهو مرتب يكفي بصعوبة لسد ضروريات الحياة ولدت في الاسكندرية , لكن ذكرياتي الاولى تدور حول قرية الخطاطبة, وهي قرية تقع بين القاهرة والاسكندرية حيث كان ابي يعمل وكيلا للبوسطة, وكنا دائما اسرة سعيدة يحكمها اب ولكن القوة الحافظة فيها كانت امي التي كنت انا واخوتي نتفانى في حبها, وكان ابي قلقا بسبب آرائي السياسية حتى في ايام التلمذة, فقد سجن اخوه ايام الحرب العالمية الاولى بتهمة الاثارة السياسية, لذا كانت مخاوفه ان يحل بي ما حل بعمي مخاوف طبيعية فقد كان امله ان نحيا جميعا حياة آمنة بعيدة عن المزعجات, لكن بعد اشتراكي في المظاهرات السياسية الاولى دخلت الميدان بكل جوارحي واصبحت رئيس لجنة لتنظيم المقاومة ولاسيما المقاومة الساخطة, ولقد كان ذلك منفذا لابد منه لعواطفنا الحادة ولشعورنا بالكبت الذي يضغط على وطننا, وفي نهاية الامر ضاق المسؤولون في المدرسة ذرعا بنشاطي ونبهوا ابي فارسلني الى القاهرة لأعيش مع عمي والتحق بمدرسة اخرى هناك. في سنوات التكوين شغلت اهتمامي كل الاحزاب السياسية التي كان هدفها الاول ان ترد للشعب المصري حريته وقد انضممت مدة عامين بعد مظاهرة الاسكندرية الى جماعة مصر الفتاة, ولكن تركتها بعد ان اكتشفت انها رغم دعواها العالمية لا تحقق شيئا واضحا, وقد فوتحت في عدة مناسبات للانضمام للحزب الشيوعي لكن رغم دراستي للمذهب الماركسي ولكتابات لينين وجدت امامي عقبتين اساسيتين كنت اعلم انه لا سبيل للتغلب عليهما.. لقد كان مجرد الظل لسيطرة اجنبية لا استطيع ان اقبله. كانت لي اتصالات متعددة بالاخوان المسلمين رغم اني لم اكن قط عضوا في هذه الجماعة, واحسست بقوة زعميهم المرشد العام حسن البنا وهنا ايضا وجدت امامي صعوبات دينية, فقد كان في تصرف الاخوان ضرب من التعصب الديني وما كنت ارضى لا بإنكار عقيدتي, ولا بأن تحكم بلادي طائفة متعصبة.. لقد كنت واثقا من ان التسامح الديني لابد ان يكون ركنا اساسيا من اركان المجتمع الجديد الذي كنت ارجو ان اراه قائما في بلادي. تبلورت مشروعاتي لمستقبلي بعد عقد المعاهدة المصرية الانجليزية عام 1936 التي نجم عنها ان حكومة الوفد اصدرت مرسوما يقضي بفتح الكلية الحربية للشبان بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية او ثرواتهم, وكنت انا مع نفر من الآخرين الذين ظلوا فيما بعد رفاقا حميمين من بين اول من استطاعوا الانتفاع من هذا الوضع, فالتحقت بالجيش بعد ان كنت ادرس في كلية الحقوق, وتخرجت بعد سنتين في عام 1938 من الكلية الحربية بالعباسية, وكان الجيش المصري حتى ذلك الوقت جيشا غير مقاتل, وكان من مصلحة البريطانيين ان يبقوه على حاله, اما بعد ذلك فقد بدأت تدخل طبقة جديدة من الضباط الذين كانوا ينظرون الى مستقبلهم في الجيش بوصفه مجرد جزء من جهاد اكبر لتحرير شعبهم, وعيّنا في (منقباد) , وذهبنا تملؤنا المثل العليا ولكن سرعان ما اصبنا بخيبة الامل فقد كان اكثر الضباط عديمي الكفاءة وفاسدين, وقد دفعت الصدمة بعض زملائي من الضباط الى حد الاستقالة, اما انا فلم ار جدوى من الاستقالة رغم ان سخطي كان لا يقل عن سخط الآخرين, واتجه تفكيري بدلا من ذلك الى اصلاح الجيش وتطهيره من الفساد, وفي عام 1939 نقلت الى الاسكندرية. في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخا تاما, اما السبيل الى تحقيقها فكان لايزال بحاجة الى دراسة, وكنت يومئذ ماازال اتحسس طريقي الى ذلك, وكان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه الى تجميع عدد من الضباط الشبان الذين اشعر انهم يؤمنون في قراراتهم بمصالح الوطن وكثيرا ما سئلت هذا السؤال: متى اصبحت ثوريا لأول مرة؟ وهو سؤال تستحيل الاجابة عليه, فهذا الشعور أملته ظروف تكويني وتنشئتي وغذّاه شعور عام بالسخط والتحدي اجتاح كل ابناء جيلي في المدارس والجامعات ثم انتقل الى القوات المسلحة.