بعد 46 عاما على قيامها, مازالت ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 بقيادة جمال عبدالناصر تثير التساؤلات, بفعل حضورها, وارتباطها بالمشروع الحضاري العربي الاسلامي, وما يفرضه الواقع العربي من تحديات, وما يستلهمه منها من دروس, وعبر . وبقدر تعدد الرؤى والمواقف والتقويمات لثورة يوليو, ظهرت اتجاهات عديدة متباينة لحد التناقض في تعاطيها مع ثورة يوليو سواء من حيث ما جسدته من تجربة تحررية, او كإسلوب للحكم او كتجربة وحدوية. فهناك مواقف رافضة للثورة, معتبرة انها مجرد انقلاب عسكري, او حركة مباركة كما كانت الثورة تسمى نفسها في شهورها الاولى, ويلتقي تياران متناقضان فكريا وسياسيا في رفضهم لثورة يوليو, واعتبارها وبالا على تطور مصر السياسي والاقتصادي, فمن جهة يرفضها الحرس القديم من حزب الوفد, متهما قادتها بأبشع التهم, لالغائهم التعددية الحزبية, غير معترف بتجارب يوليو ومفهومها الخاص للديمقراطية, وبإدعاء للحكمة بأثر رجعي, بتقول قادة الوفد القدامى على ثورة يوليو, مطلقين لخيالهم العنان لالصاق كل ما لم تورده الوثائق او المراجع المحايدة لتاريخ ثورة يوليو من اوصاف, فهي تارة مغامرة لضباط طامعون في الحكم, سرقوا ثمرة ثورة حقيقية كان يخبئها المستقبل لقادة الوفد ليكونوا ابطالها وصناعها, وتارة هي مؤامرة وصيغة امريكية لضرب النفوذ البريطاني في المنطقة وكان الضباط هم الادوات.. ومن جهة اخرى, يعتبرها غير قليل من قادة الاخوان المسلمين اخطر صنائع وادوات الاستعمار الغربي لضرب الحركة الاسلامية, ويتهم قادتها وبوجه خاص جمال عبدالناصر بالانقضاض على ثمرة نضال الاخوان وسرقة جهودهم في التحضير للثورة. اما الشيوعيون المصريون (قبل انهيار الاتحاد السوفييتي) فكانوا يعتبرون ثورة يوليو إحدى المفارقات التاريخية التي تحتمل اكثر من تفسير او تأويل, ويتراوح موقفهم تجاهها مابين الرفض والقبول, فهي احد ملفات الثورة الوطنية الديمقراطية المأمولة, وقادة يوليو (برجوازيون صغار) وبالمنطوق الماركسي هم انتهازيون يتلاعبون على حبال الولاء ما بين البروليتاريا (الطبقة العاملة) والاقطاع والرأسمالية, وموقف الشيوعيين تجاه عبدالناصر وثورته وحكمته عقدة لا حل لها, وهي معاناتهم الابدية من اقدامهم طوعا وتحت ضغط انجازات الثورة الى حل حزبهم الشيوعي والانضمام الى الاتحاد الاشتراكي العربي, وهي سابقة لم يعرفها اي حزب شيوعي اخر في العالم شرقا وغربا, ولهذا اسهب العديد منهم في اصدار الكتب والمذكرات التي تحوى دفاعا وتبريرا وابراء للذمة عن طريق التهويل من عذابات المعتقلات في سجون عبدالناصر, واجباره لهم على حل الحزب. والخيط الرابط بين كل الرافضين لثورة يوليو هو الادعاء بان مصر كانت حبلى بثورة اخرى هم قادتها وصناعها, الا ان انقلاب الضباط اجهض هذا الحمل الثوري... والسؤال الذي لن يتجاهله التاريخ.. هل ما جرى ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952 حدث ونقطة بدء لتحولات ثورية في الواقع المصري والعربي... أم مجرد انقلاب نفذه ضباط مغامرون على شاكلة الانقلابات العسكرية في افريقيا وامريكا اللاتينية. اما السؤال الاهم فهو... ماذا كان بانتظار مصر لو لم تقم ثورة 23 يوليو 1952, هل بوسع القوى السياسية الفاعلة وقتها احداث تغيير جوهري يعيد صياغة مصر ودورها؟ وماذا كسبت مصر وماذا خسرت بالثورة؟ وماذا بقي من ثورة عبدالناصر بعد 46 عاما؟ يتفق فلاسفة التاريخ على ان التطور التاريخي لاي مجتمع محكوم بعلاقات القوى الرئيسية المحركة لقاطرة تقدمه, ومستوى تطوره اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا, وقبل كل شيء ميراثه التاريخي في التغيير او الحكم, ومستوى تطور قواه الاجتماعية والثقافية والسياسية وعلاقاتها. وبعيدا عن الخلافات بين مدارس تفسير التاريخ, سواء بين غلاة الماديين الذين يعطون اولوية مطلقة لدور الاقتصاد ونمط الانتاج في التطور التاريخي والسياسي, الامر الذي يسجن التاريخ في قفص مادي عقيم, او يخضع المستقبل لجدول مصطنع تتوالى فيها المراحل المتخيلة عبر صراع بين القوى الاجتماعية والاقتصادية وهو ما لم يتحقق اصلا, واثبت انهيار الاتحاد السوفييتي تداعي منطقه وزيف منطلقاته. او غلاة المثاليين, الذين يعطون الفرد الدور المطلق في صنع التاريخ, وكأنه مسرحية بطلها الفرد. الا ان التاريخ, كما هو حادث بالفعل, ومستقى من وثائقه, يكشف عن تفاعل خلاق, غير نمطي بين القائد والبطل التاريخي, ومجتمعه, وعند التلاقي تحدث النقلات او التحولات والثورات. وللاجابة عن سؤالنا الأهم: ماذا لو لم تقم ثورة يوليو؟ وهل كان بوسع الاخوان المسلمين او الشيوعيين او حزب الوفد انجاز مشروع ثوري للتغيير في مصر؟ يجب ان نرسم صورة تقريبية لما كانت عليه اوضاع مصر عشية ليلة 23 يوليو 1952. سيناريو الوفد للتغيير تفاعلت عدة عوامل وتداخلت الخيوط ما بين قصر الدوبارة وقصر عابدين لتحاصر حزب الوفد صاحب الاغلبية الشعبية في مصر منذ ثورة 1919 وحتى حادث 4 فبراير 1942, الذي جسد بداية انهيار شعبية الوفد, وضياع تألقه ولمعانه, ودخوله دائرة التهافت على الحكم وتداول السلطة مع احزاب الاقلية, وتراوح ولائه تارة للقصر وتارة للانجليز الذين جاءوا بمصطفى النحاس باشا زعيم الوفد رئيسا للوزراء على اسنة الرماح البريطانية, وبإرادة جنازير الدبابات التي حاصرت قصر عابدين, ليوقع الملك فاروق مرغما مرسوم تكليف النحاس بالوزارة وتسليمه للمندوب السامي البريطاني بحضور قائد القوات البريطانية في مصر. وبحلول مطلع الخمسينات وبعد نحو عشر سنوات كان الوفد قد استنفد طاقته وحيويته, وتكلست قياداته التقليدية, وباتت عاجزة امام تسارع التغيرات الاجتماعية, ولم تلتقط اذانها او يدرك ذهنها الغليان الشعبي, واختمار التمرد والرفض, وكأن مصر وقتها اصبحت كقدر يغلي بانتظار لحظة الانفجار.. وداخل حزب الوفد آلت مقاليد الامور الى قيادات اقطاعية ترفض الاعتراف بضرورة التغيير السياسي والاجتماعي, واختارت الصدام مع قيادات نقابية وشبابية داخل الحزب, وطاردتها عندما شكلت جناحا يساريا عرف بالطليعة الوفدية بزعامة المهندس والنائب مصطفى موسى. وبدا الوفد مستكينا راضيا بالوضع السائد, وحصر كل همه في الوصول الى الحكم, بعد ان مزقت الانشقاقات وحدة صفه, ولطخت الفضائح سمعته الجماهيرية, اثر نشر المرحوم مكرم عبيد باشا كتابه (الاسود) عن تجاوزات النحاس باشا, وتورط سراج الدين لاحقا في مواجهات مع الفلاحين في اقطاعياته. وعشية ثورة يوليو كان اخر نشاط سياسي لفؤاد سراج الدين باشا, هو تناوله الغداء على ظهر يخت عبود باشا رجل الصناعة والرأسمالي الشهير, وصرح قبل مغادرته لقضاء عطلة الصيف في اوروبا بان الوفد عائد الى الحكم. وبافتراض سيناريو عودة الوفد الى الحكم وتشكيله الوزارة, كانت الامور ستسير عبر سياقها الطبيعي, ولن ينفذ قادة الوفد تغييرا يخلص مصر من الاحتلال البريطاني, او يطهر الحكم من فساد القصر, او يدمج مصر في مجالها العربي بل ان مباحثات السفير الامريكي وقتها مع قادة الوفد كانت باتجاه مساعدتهم على تولي الحكم مقابل دخول مصر في منظومة دفاعية عن الشرق الاوسط, الامر الذي يخدم المشروع الامريكي لتحقيق امن اسرائيل, والحيلولة دون قيام اي تضامن عربي حقيقي. اذن سيناريو الوفد البديل كان سيعد معوقا حقيقيا للتغيير الذي كانت تطالب به القوى الحقيقية الصامتة والعاجزة في مصر.. الفلاحون والمثقفون والعمال. سيناريو الثورة على الطريقة الماركسية ثاني السيناريوهات البديلة لقيام ثورة يوليو, هو نجاح الشيوعيين المصريين على كثرة تنظيماتهم وقلة عددهم وانعدام جماهيرتهم, بقيادة مشروع للتغيير يؤدي إلى انتزاعهم الحكم, وبدء تنفيذ الثورة الوطنية الديمقراطية. وهو رغم كونه سيناريو خيالياً مستحيلاً, يأباه واقع الامور, فهو محال من جهة عجز الشيوعيين انفسهم عن فهم الواقع المصري والتفاعل معه, وفشلهم تنظيميا في الانخراط في صفوف الشعب المصري. وعشية ثورة يوليو, كان الشيوعيون المصريون موزعون على عدة تنظيمات: الحزب الشيوعي المصري, الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو), فضلا عن عشرات التنظيمات الصغيرة التي لا تزيد عضوية كل منها عن عشرين فردا. وكان تحليل الشيوعيين للحالة المصرية, ان أوان الثورة لم يحن بعد, وضرورات المرحلة تفرض انجاز الحلقة الاولى من الثورة الوطنية الديمقراطية, بتحرير مصر من الاحتلال البريطاني, وهي مهمة تتطلب تحالفا اقليميا ودوليا مع القيادة الاممية للتحرر الوطني, اي الاتحاد السوفييتي, والنضال من اجل انتزاع شرعية وجود حزب سياسي شيوعي, يقوم بمهام قيادة الطبقة العاملة المصرية واعدادها لانجاز مشروعها الثوري. واعتبر معظم الشيوعيون ان الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) وهي الاكثر جماهيرية, طريدا لهم, ونشازا, لمحاولة قيادتها التحرر من القيود الجامدة للنظرية الشيوعية, ووصفوها بالتحريضية والانتهازية. ورغم وجود نتوءات صغيرة للشيوعيين وسط الفلاحين والعمال والجيش, الا انهم بقوا دائما اسرى نظرية مغايرة للواقع العربي, تصطدم بميراثه الحضاري والعقائدي, وتحلق في خيال واوهام لا وجود لها على ارض الواقع, لهذا لم يكن الشيوعيون مرشحين لقيادة اي حركة للتغيير, ناهيك من القيام بالثورة, ولهذا تجلى افضل دور للشيوعيين المصريين, في قيامهم بدور تحريض على الثورة لا اكثر ولا اقل. سيناريو الانقلاب الاخواني اما عن الاخوان المسلمين, فكانوا بالفعل هم القوة الاكثر جماهيرية, والاقوى تنظيميا لدرجة امتلاكها لتنظيم مسلح سري عرف بالتنظيم الخاص, وتراكمت لديه خبرات القتال في حرب فلسطين عام 1948. الا ان الاخوان كانوا غارقين حتى الاذان في محنة الشتات والضربات المتوالية عقب اغتيال المرشد المؤسس الشيخ حسن البنا, ومطاردين بلعنة الاغتيالات السياسية التي لوثت ايديهم, وبات الاخوان حائرين ما بين هذه اللعنة, وما بين بيان المرشد الذي اصدره عقب الاغتيالات وقبل اغتياله (ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين) لابراء ذمة الاخوان من تهمة الارهاب والاغتيال السياسي. وعندما اقترب عبدالناصر من الاخوان ونسج معهم علاقات تعاون مرحلي, كان يدرك ان بالامكان ترويضهم على التعاون مع باقي القوى الوطنية لانجاز مشروعه للتغيير, الا انه كان حريصا على تلافي اخطر عيوبهم التنظيمية والسياسية. اما مقتل الاخوان السياسي فهو افتقارهم حتى الان لبرنامج واقعي للتغيير والبناء وهم مبشرون بمجتمع وحكم اسلامي, مكتفون بترديد شعارات عامة ذات طابع اخلاقي, تفيد في حشد الانصار والمؤيدين, لكنها بلا نفع بل اضرارها فادحة في حالة التصدى لقيادة دولة. وتاريخيا, كان الاخوان عاجزين عن الاستجابة للتغيير الذي تحلم به مصر, فهم موالون للملك قاتل شيخهم البنا وكثيرا ما حشدوا كشافتهم في ساحة قصر عابدين لترديد البيعة والولاء للملك الصالح, وهم رافضون لمشروع الاصلاح الزراعي, او تنفيذ خطط للتنمية والتحديث. ومع ذلك, لم يكن بالمستطاع قيام الاخوان وحدهم بانقلاب يستولون فيه على الحكم, ولم يكن بيدهم برنامج للحكم حال الوصول اليه. صحيح ان الصدام بين ثورة يوليو والاخوان, كلف الطرفين ثمنا باهظا وهو صدام, نجحت قوى اجنبية وداخلية في التعجيل به, ومع ذلك لا يمكن انكار دور الاخوان, ولا دور ثورة يوليو في محاولة استقطابهم, وبالفعل انضمت اسماء بارزة وتعاونت مع الثورة منهم الدكتور عبدالعزيز كامل والشيخ احمد حسن الباقوري, وقبلهم كان عبدالمنعم عبدالرؤوف احد الضباط الاحرار.. اذن ثورة يوليو كانت اجابة عربية خالصة على أزمة الوضع المصري في مطلع الخمسينات, وانقذت الوطن العربي كله من الوقوع في حلف امريكي شرق اوسطي مازال يطرح بثقل في نهاية التسعينات. وما بقي من ثورة يوليو هو مشروعها الوحدوي, ومشروعها الحضاري العربي الاسلامي, الذي يطرح نفسه حاليا كطوق نجاة من غول المشروع الصهيوني الامريكي.