كان هدفنا من التفجيرات اضعاف حكومة الثورة والايقاع بينها وبين الاخوان المسلمين . قضيت في سجون مصر 14 عاما, وعدت لاسرائيل عام 1968 في صفقة لتبادل الأسرى. اصطحبني بيجين في طائرة الى الاسكندرية واستقبلني السادات بحفاوة كبيرة. ليس مجرد كتاب مثير صدر مؤخرا لجاسوس يهودي مصري تحت عنوان العودة للاسكندرية, بل اعتراف اسرائيلي نادر بحياكة المؤامرات ضد الثورة منذ سنواتها الاولى لمنع جلاء بريطانيا عن مصر ولايقاع الاخوان المسلمين مع قيادة الثورة في بحر من العنف, وكذلك اعترافا تفصيليا بكيفية احباط اجهزة الثورة لهذه المؤامرات وكشفها للعالم (!). الجاسوس ويدعى (روبرت داساه) كان عضوا في شبكة تجسس اسرائيلية ظلت تعمل في مصر لمدة ثلاث سنوات بدأت في عام 1951, ولم يكن احد يدرك وقتها ان سقوط تلك الشبكة سيكون له هذا الصدى في اسرائيل والذي استمر وقعه حتى الان فقد ظهر في اسرائيل بعد هذا السقوط مصطلح (براشاه) (فضيحة) حقا ظهرت بعد هذه الفضيحة فضائح اخرى كثيرة, لكن هذه الفضيحة تتميز بانها لم تغلق ملفاتها حتى الان, وظلت تحوى اسئلة عديدة بلا اجابات, فلا تزال المشكلة الاساسية قائمة بالرغم من كل اللجان والتحقيقات والشهادات والتصريحات التي اثرت وقتها, من الذي امر بتشكيل هذه الشبكة؟ ولماذا لم يعاقب؟ كان هذا السؤال يلح على الجاسوس الاسرائيلي وهو جالس على دكة خشبية صلبة مكبلا بالسلاسل الحديدية ومحاصرا من كل جانب بضباط الشرطة المصريين, في يوم الاربعاء 14 اغسطس 1954, وكان وهو في هذا الوضع يتذكر ما قام به من عمليات بعد تجنيده.. فقد قام بتفجير عبوة ناسفة داخل المكتبة الامريكية, وكذلك قام بوضع طرد مليء بالمواد المتفجرة في صندوق بريد بمكتب البريد الرئيسي في الاسكندرية بحي المنشية, وانفجر الطرد ورن جرس التليفون في مكتب الرائد (ممدوح سالم) ضابط المباحث العامة في الاسكندرية يخبره بالانفجار مثلما اخبره بالانفجار في المكتبة الامريكية, وذلك الرائد هو نفسه الذي اصبح فيما بعد لواء, ثم عيّنه الرئيس السادات وزيراً للداخلية, ثم رئيسا للوزراء ثم نائبا للرئيس. مؤامرة الوقيعة مع الاخوان لكن الهدف من التفجير لم يتحقق, وهو اضعاف صورة حكومة الثورة امام العالم والايقاع بينها وبين الاخوان المسلمين, فقد استبعد الجميع ان يكون الانفجار من تدبير الاخوان المسلمين, لانه وقع قبل صلاة الجمعة بقليل! وفي يوم الجمعة 23 يوليو والذي كان يوافق الذكرى الثانية لثورة يوليو توجه النقيب زكي المنياوي نائب مأمور قسم العطارين في الساعة السابعة مساء الى المنطقة المليئة بدور العرض في شارع فؤاد بالقرب من المكتبة الامريكية, وعند مدخل سينما راديو لاحظ الضابط تجمعا حول شاب يحاول اطفاء النار المشتعلة في جيبه, كان هذا الشاب احد اعضاء الشبكة, احد رجال المباحث قال: (لقد كنا ننتظره) واعترف هذا الشاب وسقطت الشبكة كلها. وقضى الجاسوس 14 عاما في السجون المصرية مثلما تم اعدام شموئيل عزار ودكتور موشيه مرزوق اعضاء الشبكة رغم الضغوط الهائلة التي تعرضت لها الثورة من قبل دول عظمى غربية لإطلاق سراحهما او تخفيف الحكم, وهو الامر الذي خرجت له الجماهير خاصة في فلسطين فرحة بالموقف الحاسم للحكم الوطني المصري. كما انتحر في 21 ديسمبر 1954 عضو الشبكة (ماكس بانت) داخل السجن. وبالنسبة (لروبرت داساه) فقد تم اطلاق سراحه عام 1968 في عملية تبادل للأسرى وطوال السنوات التي مرت بعد ذلك كان الجاسوس يتطلع في لهفة ورغبة كبيرة للعودة مرة اخرى لمسقط رأسه وللبلد الذي ولد فيه, كالمجرم الذي يود ان يعود لمكان جريمته. العودة لمكان الجريمة الطريف ان بعد عملية السلام وافق الرئيس السادات على عودته حيث هبطت طائرة في مطار جناكليس في ضواحي الاسكندرية وعلى متنها بيجين واعضاء الوفد الرسمي المرافق والجاسوس روبرت داساه (!) واستقبله السادات وسمح له بأن يأخذ معه عند عودته اخته اليهودية التي تعيش في الاسكندرية وزوجها المصري. كان الجاسوس يتذكر في تلك الرحلة كيف ان التحقيق معه استمر ثلاثة ايام في مبنى المحافظة, ثم تم نقل اعضاء الشبكة الى كوم الدكة حيث سجن الاجانب, وكيف ان كل عضو من اعضاء الشبكة تم حبسه في زنزانة منفردة, وانه كان يتم التحقيق معهم يوميا في حجرة مأمور السجن, حيث كانت ترتفع سخونة التحقيق وتزداد معها الضربات والصفعات, وكيف انه عندما كان صبر المحققين ينفد كانوا يأخذونه في سيارة ملاكي صغيرة خاصة بأحد الضباط الى مبنى المباحث, حيث كان يستمر (الاحتفاء) به وكان هذا الوضع يتكرر في كل صباح وفي نفس سيارة الضابط, لكن الجاسوس اكد انه كان سعيدا برحلته تلك وبهذا القدر من الحرية, خاصة انه كان يحاول في تركيز العثور على احد معارفه يسير في الطريق حتى يعلم بوجوده حيا. الغريب ان نفس مشاعر الجاسوس التي كانت تجتاحه في فترة التحقيق والسجن انتابته مرة اخرى بعد 25 عاما في زيارته الخاصة لمصر عام 1979! فعندما كان خارجا مع الوفد المرافق لمناحم بيجين من المعبد اليهودي بالاسكندرية (معبد النبى الياهو) لاحظ الجاسوس احد الوجوه المألوفة لديه, وهو شخص يرتدي بدلة ورباط عنق يتابع الحاضرين بنظرات صارمة, وهو يحمل في يده بعض الاوراق, وكانت صدمة هائلة للجاسوس.. فذلك الشخص هو نفسه الضابط الذي حقق معه لفترة طويلة وهو نفسه صاحب السيارة التي كانت تنقله في الرحلة اليومية لمبنى المباحث, والذي كان يكيل له الصفعات والضربات, بدأ الضابط يتذكره هو ايضا, وسيطر الاضطراب على الجاسوس وتقدم اليه قائلا: سلام, انا روبرت داساه, وظهرت على وجه الضابط دهشة بالغة كما لو كان تلقى صدمة كهربية ومر في رأسه في ثوان كل ما حدث في الماضي القريب وتذكر بالطبع مثل الجاسوس الضربات والصفعات التي كان يكيلها له بشكل دوري, ارتبك الضابط للحظة وهو يقول: في الحقيقة نحن الان في وضع مختلف تماما, فكل ما يفعله الرئيس هو من اجل ان ننسى الماضي, أليس كذلك؟ اجاب الجاسوس: بالطبع, وانا ايضا احاول ان انسى.. فالسادات يفعل ذلك من اجل صالح الشعبين, وحتى يلطف الجاسوس حجم التوتر اخذ يحدث الضابط عن رحلته الودية للاسكندرية وعند هذه اللحظة صعد كل اعضاء الوفد المرافق للأتوبيس حتى يعودوا للفندق, فقال الجاسوس: (يجب ان نلتقى مرة اخرى) ومد يده مصافحا, فهزّ الضابط رأسه مستنكرا وهو يقول: (مش ممكن, حاوصلك للفندق) . الجاسوس يرتعد لم يكن الجاسوس يريد ان يركب معه لكنه استسلم له حتى لا يدرك انه خائف وصعدا للسيارة (الفولكس) ودهش الجاسوس لأقصى درجة, فالسيارة هي نفسها التي كان يستقلها في رحلته اليومية الى مبنى المباحث للتحقيق معه في السيارة جلس احد مساعدي الضابط بجواره بينما جلس اثنان آخران في المقعد الخلفي احدهما على يمين الجاسوس والاخر على يساره وكان هذا بالضبط الوضع الذي كان يحدث عندما كان ملقى القبض عليه, كان الجاسوس متوترا لأقصى درجة وهو في السيارة يتصبب عرقا باردا من كل جسده, وفشل في السيطرة على الخوف الذي تسلل لقلبه.. فقد اعتقد تماما ان ما يحدث الان عبارة عن خطة محكمة دبرت من اجل إحضاره مرة اخرى وإلقائه في السجن المصري ثانية, ولهذا فقد فصله الضابط عن بقية الوفد الاسرائيلي لكي يأخذه للتحقيق, وعندما قال الضابط: (سأوصلك للفندق لكن بعد ان آخذك اولا في جولة في المدينة) . امتدت تلك النزهة لمدة ساعة كان الجاسوس لا يرى خلالها ايا من المناظر التي تمر امام عينيه, فقط كان يبحث في الشوارع في يأس عن اي شخص يعرفه حتى يخبر الوفد المرافق بانه تم القبض عليه, وهو ما كان يفعله ايضا منذ 25 عاما. عندما وصلت السيارة للفندق هبط الجاسوس منها بأرجل ترتعش وجسد ينتفض, وقبل ان يتبادلوا التحية.. قال الضابط للجاسوس وهو ينظر اليه نظرة زادته ارتباكا: (لدى اقتراح) فلتأخذ مفاتيح سيارتي, لتنتقل بها الى حيث تريد, خذ راحتك كأنك في بيتك, واعتذر الجاسوس وهو يحاول إظهار تماسكه, فلم يكن يريد ان يركب هذه السيارة مرة اخرى. وقد ظلت عقدته من الشرطة المصرية واجهزة الامن المصرية تلازمه منذ كشفته في بداية الثورة فكلما التقى بشرطي مصري ثارت هواجسه مرة اخرى ويشعر باضطراب في امعائه وخوف شديد ينتابه في عنف حتى يغادرها. اما قيادي الشبكة شموئيل عزار وموشيه مرزوق فقد تم اعدامها يوم 30 يناير 1955 في تمام الساعة الثامنة والربع والثامنة وخمس واربعون دقيقة. وذلك بعد أن طلبت السلطات المصرية من الطائفة اليهودية بمصر ارسال حاخام لمقر السجن, بدون ان تبدى لهم الاسباب لاستلام الجثث.