اختلف الكثيرون.. ومازال الخلاف قائما حول ثورة يوليو في 1952. وقد تعددت التقييمات التي قدمت لها تعدد ألوان الطيف, فمنهم من ارتفع بها الى عنان السماء باعتبارها انصع الثورات في التاريخ , ومنهم من هبط بها الى مستوى قمة في التدنى معتبرا اياها مجرد انقلاباً عسكرياً استهدف القائمون به الاستيلاء على السلطة, وبين هذين الفريقين جماعات عديدة تدرجت مواقفها بين التأييد والرفض للثورة. ورغم كل ما سبق فان هناك مجموعة من الحقائق تفرض نفسها عند الحديث عن ثورة يوليو, والمشكلة الوحيدة هي في اختلاف زاوية النظر اليها. وبشكل عام يمكن القول, وهو قول سبق كثيرون بطرحه, ان ثورة يوليو مثلت بحق المشروع الثاني لنهضة مصر بعد مشروع محمد علي في اوائل القرن التاسع عشر. صحيح انه شاب أسس قيامها بعض القصور الا ان ذلك لا ينفى انها مثلت بداية جديدة للنهضة في مصر, وقد تحققت جوانب من هذه النهضة في مختلف مجالات الحياة لعل ابرزها في مجالي الصناعة والتعليم, غير ان غياب الديمقراطية وهذه حقيقة لا مجال لانكارها قوض من دعائم النهضة فبدت عرجاء وهو ما سهل هدف ضربها سواء داخليا ام خارجيا. وقد عززت الثورة توجهها هذا بتفجير الحس القومي في الوطن العربي ما وسع من نطاق التأييد لها وجعل منها الملهم لروح الوحدة, وهو الحلم الذي خبا بتراجع المد الثوري الذي ولد مع الثورة المصرية. وكان للصفات الكارزمية التي تمتع بها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر اكبر الاثر في كسب التعاطف الجماهيري من المحيط الى الخليج. اما موقف نظام يوليو من قضية الصراع مع اسرائيل, فرغم انه انتهى بكارثة, الا انه مثل في اغلب مراحله حائط صد امام الاختراق الاسرائيلي للمنطقة العربية, وقد تكون هزيمة يونيو في 67 رغم ثقلها اقل وطأة مما حدث فيما بعد من توجه سلامي عبر عنه الرئيس السادات, فالهزيمة تم تعديلها بنصر 73 والذي وضع عبدالناصر أسس خططه, وعلى ذلك فانه لا يجب كما يقول هيكل ان تكون الهزيمة مرجعيتنا, فضلا عن ذلك فانه الى جانب الاسباب الداخلية للهزيمة, والتي لا يمكن اعفاء القيادة العسكرية والسياسية من مسؤوليتها, هناك اسباب خارجية تمثلت في توافق ارادات دول على كسر مشروع الثورة, وقد عبر عن ذلك ابلغ تعبير جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكي بقوله: ان ناصر لا ينبغي السماح له بان يتصور ان في مقدوره ان يقول لا, واذا قالها فاننا سوف نتصرف بما يجعله يقول نعم. لقد بذلت الولايات المتحدة الكثير من الجهود لمحاولة جر عبدالناصر الى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل وهو ما لقي رفضا تاما منه انطلاقا من رؤيته انه لا يمكن البحث في تسوية على أساس تقسيم العالم العربي نصفا في افريقيا ونصفا في آسيا دون اتصال بين الاثنين. ومع وفاة عبدالناصر في 1970 انتهت الثورة فعليا وبدأت ثورة مضادة قادها خلفه وتحقق السيناريو المرسوم لدور مصر من قبل الولايات المتحدة واسرائيل, منذ الخمسينات, وهو ما عبر عنه تقرير غربي حذر من تكريس المساعي لاقامة حلف بغداد على حساب اغفال دور مصر قائلا: (ان الاهتمام بالحزام الشمالي لا يجب ان يضعف اهتمام الغرب بمصر فسوف تظل جسرا مهما اذا كان مطلوبا في يوم من الايام تحقيق تسوية بين العرب واسرائيل, ذلك ان مصر لابد ان تكون هي التي تقود هذه التسوية لانها وحدها في العالم العربي التي تملك الثقل الذي يجعل الآخرين يقتفون اثرها اذا ما وقعت صلحا مع اسرائيل) وهو ما كان بالفعل حيث انساقت مصر وراء اوهام السلام وجرت معها من شاء السير في هذا الطريق.