نبيل سالم، صحافي فلسطيني لا يستطيع احد سواء وقف الى جانب ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 في مصر او عارضها ان ينكر حجم الاثر الذي تركته هذه الثورة في نسيج الوعي السياسي العربي, كما ان احدا مهما كان موقفه لا يستطيع ان ينكر الدور الذي لعبه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وخطابه السياسي في ايقاظ او تحريك المشاعر القومية العربية . واثارة الوجدان العربي تجاه العديد من قضايا الامة العربية لأن هذه امور باتت في الواقع حقائق تاريخية لا يمكن تجاهلها. فالتوقف عند حدث تاريخي ما يجب ان يهدف الى الاستفادة من العبر والدروس التي تركها هذا الحدث, ولكي نستفيد من الدروس والعبر التي تركتها ثورة يوليو لابد ان نبين بموضوعية اين نجحت هذه الثورة واين اخفقت مع التأكيد على ان اخفاق ثورة ما في تاريخ شعب من الشعوب لا يشكل بأي معنى إساءة او إهانة لهذا الشعب كما انه لا يشكل اهانة للثورة ذاتها او فقدانا لمعانيها خاصة وان لكل ثورة ظروفها الذاتية والموضوعية من هنا لابد اولا ان نلقي نظرة على المناخ السياسي الذي ولدت فيه ثورة الثالث والعشرين من يوليو وابرز التحديات التي واجهتها. على انه لابد هنا من الاشارة الى عدم التجانس الذي كان سائدا في قيادة ثورة 23 يوليو اذ ضم تنظيم الضباط الاحرار في صفوفه وداخل قيادته عناصر سياسية متباينة منها الماركسية التي كانت تمثل يسار التنظيم وجماعة الاخوان المسلمين اليمينية بالاضافة الى الكتلة الرئيسية في التنظيم بقيادة جمال عبدالناصر والتي كانت تعبر عن مصالح الطبقة البرجوازية الوطنية. ونرى انه خلال المرحلة الاولى والتي امتدت حتى عام 1954 كان همّ الثورة هو توطيد دعائم الحكم الجديد والتوجه نحو الشؤون الداخلية حيث تمّ عزل محمد نجيب الذي كان يدعو الى عودة الحياة الحزبية وحلّت الاحزاب السياسية وتم انشاء هيئة التحرير كتنظيم سياسي وحيد عقد فيما بعد الاتفاقية المصرية البريطانية الخاصة بالجلاء في يوليو عام 1954, ونلاحظ هنا ان ثورة يوليو في هذه الفترة لم تكن معادية للغرب وانما تركزت شعاراتها بشكل اساسي نحو الاستقلال الا ان تتابع الاحداث ابرز الوجه العربي لثورة 23 يوليو حيث جاء العدوان الثلاثي عام 1956 ليكشف موقف الغرب تجاه الثورة. غير ان هذا العدوان شكل منعطفا تاريخيا بالنسبة لعلاقة ثورة يوليو بمحيطها العربي مما اجمع الشعور القومي العربي الذي توّج بإقامة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958. ولكن مرحلة المد القومي هذه لم تطل كثيرا اذ انه سرعان ماانهارت الوحدة مع سوريا في عام 1961 ليمثل انهيارها اول صدمة فعلية تتلقاها الثورة من قبل القوى المضادة, ولكن الصدمة الحقيقية كانت الهزيمة التي منيت بها الامة العربية في عام 1967 حيث فجرت هذه الهزيمة شتى التناقضات في المجتمع المصري بعد ان كشفت عجز البرجوازية الوطنية عن انجاز مهام الثورة وحماية الاستقلال الوطني. وبرحيل عبدالناصر في عام 1970 دخلت مصر مرحلة جديدة بل يمكن القول بان ثورة 27 يوليو دخلت عهدا جديدا حيث عكس الرئيس الراحل انور السادات رؤيته الذاتية على السياسة المصرية عربيا ودوليا ولاسيما بعد عام 1973 حيث بدا واضحا التحول الكبير في السياسة المصرية واتباع السادات سياسة التقارب مع الولايات المتحدة التي انتهت الى انتهاج طريق التسوية مع (اسرائيل) وتوقيع المعاهدة المصرية الاسرائيلية في مارس عام 1979 التي ادت الى تصدع الجدار العربي بشكل كبير. وامام هذه التحولات التي شهدتها مصر بعد عبدالناصر يحق لنا ان نتساءل هل استطاعت ثورة يوليو ان تحافظ على ثوابتها وشعاراتها بعد رحيل رمزها جمال عبدالناصر ام انها اخفقت في اعداد نفسها للمراحل المقبلة؟؟ ايا كان الجواب فان ثورة 23 يوليو تبقى تجربة عربية رائدة وجزءا من التراكم النضالي العربي الذي سيؤدي إن عاجلا او آجلا الى بلورة الشخصية القومية العربية التي تتيح للعرب اخذ زمام المبادرة لتصحيح ما خربته المشاريع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة.