تتكاثر الأزمات على روسيا, وتحاصرها عواصف عاتية أثارتها النكسة الاقتصادية وانهيار الاسواق الآسيوية, وتتوالى توابع ضربة الرئيس بوريس يلتسين قبل شهرين بقراره اقالة الحكومة واختيار رئيس وزراء شاب من خارج دائرة الصفوة المنوط بها المشاركة في صنع القرار. الا ان اخطر مشاكل روسيا هو ازاحتها عن دائرة القوى العظمى ومحاصرتها بخطط توسيع الناتو, وأزمات البلقان وانهيار التوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط. ووسط هذه العواصف يقف يفجيني بريماكوف وزير الخارجية الروسي كمدافع عنيد عن المكانة الروسية ومحاولة ايجاد موضع قدم لها, لاستعادة مكانة غائبة. وفي حواره جدد بريماكوف (29 عاما) أولويات سياسته الخارجية في (حماية المصالح الوطنية الروسية ودرء اي صراع مع الدول الاخرى) . لندن ـ حوار جستين كاي وفيما يلي نص الحوار الذي اجرى مع بريماكوف في لندن. لماذا تعارض روسيا استخدام القوة لحل الأزمة الراهنة في كوسوفو, على الرغم من تأييد غالبية الدول الاعضاء في مجلس الامن لقرار التدخل. ـ (منذ بداية تفاعل الازمة ونحن على اتصال مستمر مع الرئيس اليوغسلافي (الصربي) سلوبودان ميلوسيفيتش, وهو يعرف موقفنا جيدا, الا وهو منح ألبان كوسوفو المزيد من الحقوق الاساسية في اطار حدود الجمهورية اليوغسلافية, اما بالنسبة الى اقتراح استخدام القوة العسكرية الذي يحمله سؤالك, فدعني ارد عليه بأن اسألك: استخدام القوة ضد من؟ وبأي شرعية أو سلطة؟ ان استخدام القوة العسكرية ضد دولة عضو في الامم المتحدة دون موافقة جميع اعضاء مجلس الامن أمر غير قابل للطرح أو النقاش. لقد حدث ذلك مرة واحدة في الماضي, في اثناء الحرب الكورية, ولا اعتقد انه من الممكن ان نعود بعجلة التاريخ الى الوراء مرة اخرى. الواقع يقول ان قيام حلف الاطلسي بالتصرف بمعزل عن ارادة الامم المتحدة من شأنه ان يغير الصورة الدولية كلية, كما ان ذلك قد يدفعنا الى الانسحاب نهائيا من التعاون بأية صورة مع حلف الناتو, انا شخصيا لست مع التدخل العسكري في كوسوفو, كما انني لست مع الاكتفاء بالجلوس والتحادث دون ان نفعل شيئا. نريد ان نحمي استقرار كوسوفو, وان نضمن للأغلبية الألبانية فيها حكما ذاتيا) إلى أي حد تتفهم روسيا خطط توسع حلف شمال الاطلسي؟ ـ (نحن ندرك ان توسع الناتو لم يحدث الا مع انتهاء حقبة الحرب الباردة, وعلى كل حال, نحن ندرك ايضا ان التوسع يحدث لان الاعضاء الجدد (في الحلف) يرغبون في الانضمام, ولأن الاعضاء الاساسيين يرغبون في ذلك ايضا, وانا شخصيا اشعر ان التوسع في تحالف (له طبيعة عسكرية) هو خطأ تاريخي بكل تأكيد, ولست وحدي الذي اشعر بهذا الشعور, هناك العديدون في الغرب ايضا ممن يعارضون الفكرة, والروس بوجه عام لا يزالون يرون في الناتو احد مخلفات الحرب الباردة, ومن ثم يرون في توسعته خطوة سلبية, ولا شك انه كان امامنا بدائل عديدة للرد على خطط توسع الناتو, لكننا اخترنا في النهاية البديل الذي قد يقلل من العواقب السلبية الى ادنى حد) . وكيف ستتصرف روسيا اذا ما واصل حلف الاطلسي مشروع توسعه؟ ـ (على حد علمي, هناك حدود معينة لتوسع الناتو, وموقفنا من ذلك واضح جدا, لن نقبل ابدا انضمام اي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة الى الحلف بما في ذلك دول البلطيق الثلاث, اذكر جيدا المحادثات التي اجرتها روسيا مع زعماء البلطيق في نهاية الثمانينات, وأذكر جيدا كيف طلبوا ان تمنح دولهم الاستقلال, وبالفعل انسحبت القوات الروسية من الدول الثلاث دون قيد أو شرط. لكننا تركنا ايضا في هذه الدول بنية تحتية عسكرية, ولن يتفهم الناس ان تستفيد دول اخرى من هذه البينة. أنت تتحدث عن توسع حلف الناتو شرقا.. ربما إلى حدود اليابان؟ هذا يعني أن تنضم روسيا إلى الحلف؟.. نحن واقعيون جدا ونعلم تماما ان هذا لن يحدث.. لن يحدث ان يضمن لنا الناتو حماية حدودنا. ولهذا السبب نعلم تماما ان فرصتنا في الحصول على عضوية حلف الأطلسي غير قائمة) . بالتحول الى قضايا الاقتصاد, فقد وصف الرئيس يلتسين الوضع الحالي بأنه مقلق جدا, كما لمح الى احتمالات اندلاع اضطرابات اجتماعية بسبب تردي الوضع الاقتصادي. هل تتفق مع رأي يلتسين, ام ان الهدف من تلك التصريحات كان حث الدوما (البرلمان الروسي) على التعاون مع الحكومة؟ ـ (نحن بلاشك في وضع سيء جدا, لكني اريد ان اوضح كيف حدثت هذه الازمة؟ ولماذا كان للازمة المالية في آسيا هذا التأثير المباشر والقوي على اقتصادنا؟ المشكلة مردها ان تلك الدول الآسيوية كان لديها استثمارات ضخمة في روسيا, وحين عصفت الازمة بدول قوية كاليابان وكوريا الجنوبية قررت اغلب الدول الآسيوية سحب استثماراتها من روسيا. ثمة فجوة زمنية (تخلف) تقدر بنحو شهر كامل هي المسؤولة عن الازمة الحادة التي تواجهنا) . (كما اننا لم نول الصناعة او القطاعات الاخرى الحيوية (في مراحل التحول) الاهتمام الكافي, بينما انصب جل الاهتمام على القطاع المالي (التجاري) دون غيره. نمو الانتاج حيوي وأساسي لأي اقتصاد, والحقيقة ان نسبة كبرى من دخلنا من العملة الصعبة يأتي من عائدات النفط والغاز, وهو وضع يضر بالاقتصاد الروسي في مجمله, استطيع ان اقول الآن اننا حددنا عددا من الاجراءات لإنهاء الازمة الراهنة, ومن بينها دعم دور الدولة, وأنا لا اتحدث هنا عن العودة الى الماضي (يقصد الآلية الشيوعية), هذا لا ينطبق بينما الارقام تؤكد ان القطاع الخاص يسهم بأكثر من 70% من اجمالي الناتج القومي, لكننا تعلمنا ايضا من تجربة الكساد العظيم في فترة من تاريخ الولايات المتحدة ان دور الدولة, من خلال رفع الضرائب والاجراءات الاقتصادية الاخرى, هام جدا في زيادة فرص تنمية الاقتصاد. اما فيما يخص الاضرابات الاجتماعية, فإن الناس يتظاهرون لأسباب عديدة من بينها تغيير الحكومة وللمطالبة احيانا بتغيير الرئيس, لكن ما من احد في روسيا يرغب في انتكاسة اصلاحات السوق الحر أو في العودة الى الماضي) .