ان الرأي العام الامريكي, عبر تعايشي معه خلال سنوات دراستي , يخضع في علاقته مع اسرائيل الى ثلاثة اعتبارات, يسعى اللوبي الصهيوني الى تأكيدها باستمرار وهي: اولا: ان اسرائيل (واحة الديمقراطية في الشرق الاوسط, وهي عبارة تتكرر باستمرار في خطابات واحاديث الرؤساء الامريكيين, وقد استعملها الرئيس بيل كلينتون عندما قال انها ديمقراطية تقوم في وسط معاد, اي وسط غير ديمقراطي, ولا يبدو مهما, او يغيب عن هذا الرأي العام ان اسرائيل تمارس انواعا من القمع ضد الفلسطينيين والعرب عموما, لم تمارسها اي سلطة من قبل, اذ ان المحكمة العليا الاسرائيلية تبيح لأجهزة الامن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين لانتزاع الاعترافات, وبأقصى سرعة ممكنة منهم, كما ان هذه المحكمة نفسها تعترف بانها تحتفظ بعدد من المعتقلين اللبنانيين (رهائن) لاستخدامهم اوراق مساومة مع المقاومة اللبنانية عندما يحين الوقت المناسب, اكثر من ذلك ان ما يسمى (عرب عام 1948) هؤلاء يحملون الجنسية الاسرائيلية يتم التعامل معهم, كما اثبتت الاحصاءات مؤخرا باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. مع ذلك فان الادارة الامريكية والرأي العام الامريكي, في معظمه, يرون ان اسرائيل (واحة للديمقراطية) والسبب, كما أرى, هو قوة الاعلام الصهيوني في الولايات المتحدة, وهذه لا تحتاج الى دلائل ولا براهين خاصة في ولاية مثل نيويورك, التي يملك اليهود كل الصحف والمجلات فيها كما يسيطرون على معظم الاذاعات وشبكات التليفزيون. ووسائل الاعلام هذه تركز باستمرار على المؤسسات الديمقراطية في اسرائيل وحق المواطن اليهودي ان يقاضي الحكومة, وان يتظاهر, وان يستخدم جميع وسائل التعبير المتاحة في معارضة الحكومة, من دون ان يعتقل او يحاكم, وبالمقابل فان هذا الاعلام لا يجد صعوبة كبيرة في رصد والتقاط خرق حقوق الانسان وحقوق المواطن في كثير من الدول العربية, من الاعتقال الى التعذيب مرورا بتقييد حرية التعبير وتكبيل وسائل الاعلام, وصولا إلى التصفية الجسدية. وهذا باختصار هو احد العوامل او الاعتبارات التي يقوم عليها الرأي العام الامريكي. ثانيا: على الرغم من ان الولايات المتحدة تخضع لنظام علماني, الا ان المجتمع الامريكي هو مجتمع متدين, وربما اكثر من اي شعب اخر في الغرب, اذ ان معظم الناس ينتمون الى كنائس, ولعل صعود قوة (الائتلاف المسيحي) هو احد المؤشرات على هذا التوجه الديني المسيحي, وهنا تستفيد اجهزة الاعلام الصهيونية من هذا التوجه, فتربط بين العهدين القديم والجديد من ناحية, اي بين اليهودية والمسيحية, وصولا الى تأسيس ما يسمى (المسيحية ـ اليهودية) واتباعها يتزايدون عددا في كل يوم, ومن ناحية ثانية فان اجهزة الاعلام هذه, لا توفر فرصة لتستعيد تراث الحروب الصليبية, ولم يكن صدفة انه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فان عددا من المفكرين والاكاديميين بدأوا يطرحون (الاسلام) باعتباره العدو البديل عن الشيوعية, وبالطبع فان الاعلام الصهيوني يحقق نجاحا منقطع النظير مع صور المعارك في افغانستان والمجازر في الجزائر والحروب بالسودان, ومن قبل خطف الاجانب في لبنان, واخيرا وليس آخرا, المزاعم حول اضطهاد المرأة في العالم الاسلامي, وهي مزاعم لا تفتقد الى البراهين في بعض المجتمعات الاسلامية. واذا توجت هذه الاعتبارات بأسطورة (الهولوكوست) او المحرقة التي ارتكبتها النازية, ووصمت عليها العالم المسيحي, كما يزعم اليهود, تكتمل الصورة, ويصبح اليهودي هو الضحية الذي يبني واحة الديمقراطية وليس الجلاد المغتصب لحقوق العرب والفلسطينيين. وهذه الصورة التقليدية التي تسعى الصهيونية الى تعميمها يوميا في تقارير وصور ووثائق واخبار تجعل منها شيئا اقرب الى عملية (غسل المخ) للمواطن الامريكي, يمكن بالطبع اختراقها, كما يمكن نظريا على الاقل كسرها, وذلك عبر طرح لغة حقيقية تتعامل مع الواقع بقاموس هذا الواقع, وحرف الألف في هذا القاموس هو المصالح. ان لغة المصالح عالمية وهي لا تخطئ ومصالح الولايات المتحدة, حكومة وشعبا, في العالم العربي والاسلامي هي بالتأكيد اكبر بما لا يقاس من مصالحها في اسرائيل, ومن دون الدخول في التفاصيل, وتكفي الاشارة الى ان الولايات المتحدة تخلت عن حليفتها (تايوان) لتعترف وتتعامل مع الصين الشعبية عدوها الايديولوجي, ورغم كل ما يقال اليوم عن ان الصين تخرق حقوق الانسان, فان الادارة الامريكية تقاتل كل المنظمات الانسانية والحقوقية المزعومة دفاعا عن مصالحها في ومع الصين الشعبية. وربما يمكن للعرب ان يتصفوا للولايات المتحدة بأنهم (الصين الكبيرة) العربية والاسلامية في مواجهة تايوان اليهودية والصهيونية, اذا نجحوا اولا في اقناع الحكومة الامريكية, ومن ورائها الشعب الامريكي, بان مصالحها قد تكون مهددة, وان اوروبا الموحدة ربما تكون بديلا معقولا لتبادل المصلحة المشتركة, وان الجمهورية الاسلامية في ايران نجحت وبالتعاون مع الشركات الاوروبية في احباط ما يسمى (سياسة الاحتواء المزدوج) ويوما بعد يوم تتصاعد احتجاجات الشركات الامريكية, وهي صاحبة نفوذ قد يتجاوز نفوذ اللوبي الصهيوني, مطالبة بالعودة عن هذه السياسة, حفظا لحقها في ايران, اما المثل الأهم, والنموذج الحلم, فهو الهند التي قامت تحت سمع وبصر العالم كله, بل وفي مواجهته, بخمس تجارب لتفجير القنابل النووية, الا انها تريد ان تحافظ على أمنها القومي.. وبالطبع سيل الاحتجاجات الدولية لم يتوقف بعد, ولكن الاحتجاجات ليست اسهم ولا سندات في اسواق النقد... وهذا هو المهم.