لا نريد ان نمجّد, بل نصبو الى التأهيل المبدئي لفهم جاد بعيد عن المهاترات السياسية السمجة, العقل الامريكي ليس امرا يخشى منه, لكنه محيط يمكن السباحة فيه رغم وجود درجة من المخاطرة في مكنوناته . الحوار لغة ناضجة في العقل الامريكي, وهو صوت مرتفع ولكن بلا صخب او ضجيج والقبول للفكر الآخر امر بدهي لديه واحترام الذات المستقلة من صلبه وثوابته. الإلغاء القسري ليس من مسلكياته لذا نلمح لدى الشعب الامريكي طول باع البعد الاجتماعي في صميمه. فسعة التفكير لديه كسعة القارة التي يقطنها فنظراته بعيدة المدى, فشتان الفرق بين عقل تحده جدران اربعة تكون سببا مباشرا لاصابة البعض بقصر النظر وبين من هو على أتم الاستعداد لتحطيم كل الجدران من اجل إطالة النظر واحالته في رحابة الكون اينما كان امتداده الجغرافي. لم عقلياتنا دائما تتجه الى البؤرة السياسية الساخنة التي قد نذوب وننصهر اذا ما اقتربنا منها او حاولنا سبر اجوائها. فبالحوار العقلي يمكن تخفيف درجة حرارة تلك البؤرة التي نخشاها وبغير الحوار نحوّل كل البؤر الاخرى التي نستطيع من خلالها ان نتوصل الى مبتغانا لمواقع ساخنة تتشابك ببعضها البعض فنفقد خلالها مواضع اقدامنا. فالعقلية التي لديها الاستعداد على اجراء الحوار معك افضل بكثير ممن يعد العدة لنبذك من الوجود بمجرد انك تخالفه رأيا أو أحسّ بان لديك طريقة اخرى للتفكير غير طريقته هو. فحوار العقل عالم من الافكار تذكرّنا باستمرار بالحقيقة والجمال اللذين لا يمكن العثور عليهما الا من خلال ذلك العالم الرحب. وهو العالم الذي لا يقصد منه ان يكون مهربا من الدنيا التي نعيش فيها. فليس للافكار معنى الا بقدر ما تساعدنا على العيش في هذا العالم او تعيننا في تعميق تقديرنا لثراء ذلك العيش. فالعقلية التي تتيح المجال لنمو الفكر الحر فيها مكسب لا يجوز التفريط فيه سواء كانت امريكية او اوروبية, لأن المهم ان نجد ضالتنا فيها ولا نستحي من الاعلان عن نتائجها في واقعنا سواء تمثلت في ابداع علمي او اجتماعي. لاننا بهذا نبقي شمعة العقل والانسانية مشتعلة في منطقة تهددها دوما بنفخة تطفئها, وفي وقت تمثل فيه تلك الشمعة كل ما لدينا. وفي هذا المضمار ما احوجنا الى ان نفهم انفسنا, ان نتأمل حياتنا, وان نعرف, عن وعي نقدي وبصيرة علمية, سبيلنا الى النهوض وتطوير حياتنا, والارتقاء بها. ان الارتقاء بالحياة الانسانية في شتى المجتمعات, وعلى مدى التاريخ, رهن تنوع الثقافات وتفاعلها, وتباين الرؤى, واختلاف الآراء, وتوافر آلية اجتماعية تكفل التفاعل الايجابي الحر, وهذه الآلية لا يمكن توافرها الا من خلال الحوار العقلاني الحر. وما علاقة العقل الامريكي بهذا كله؟! هذا العقل هو احدى الادوات الفاعلة في الجولة الافريقية للرئيس الامريكي بيل كلينتون, رافق الرئيس ثمانمائه عقل مفكر ومدبر في شتى مجالات الاهتمام الوارد لمصلحة الولايات المتحدة, فلم تكن الجولة انفرادية ولا ثنائية, بل جماعية لاعطاء الزخم اللازم في اهميتها. الاسد المصور (مانديلا) الذي واجه ضيفه وليس فريسته لم يخف شيئا تحت لسانه او في قلبه, فانتقد علانية سياسات كلينتون نحو كوبا وايران وليبيا وقال بصريح العبارة انه: لن يرضخ لواشنطن. تابع قوله: اما اولئك الجنوب افريقيون الذين انتقدوني لوفائي لهؤلاء الاصدقاء فليشربوا من ماء البحر.. اما ردة فعل العقلية الامريكية فكانت: ان كلينتون لم يتأذ من انتقادات رئيس جنوب افريقيا الحادة غير انه مقتنع بان سياسته نحو افريقيا في المسار السليم وذلك كما ورد على لسان ماكوري قوله: نحن ننظر الى بعض من هذه الامور بنظرة مختلفة!!!