اكثر من ثلاثة ملايين عربي في امريكا مشتتون داخل الجمعيات النوعية دون تأثير . اربعة آلاف ناخب يهودي يقودون الانتخابات الامريكية ويحركون سياستها الخارجية. مئات المنظمات العربية في امريكا تلعب على هامش المبادرة بعيدا عن صناع القرار. انشقاق القرار العربي وقصور التسويق الإعلامي عوامل اضعفت الحوار مع امريكا. بداية نود ذكر حقيقة لا تقبل الجدل مؤداها ان العرب فشلوا في وضع القضايا العربية في دائرة الضوء على الساحة الجماهيرية الامريكية, ويعود هذا الفشل الى انه حتى الآن تعتبر كثير من دولنا العربية ان الانفاق على المنظمات والمؤسسات العربية والمشروعات الاعلامية في الخارج هو شيء من الترف, كما انه لا يوجد لديها برامج زمنية محددة الاهداف, ولا خطط طويلة الأمد للعلاقات العامة, تلك التي تهدف لتنمية وتحسين سمعة المواطن العربي, وبالرغم ان الولايات المتحدة الامريكية مجتمعات مفتوحة تقبل الرأي والرأي الآخر, والقوانين الامريكية في الولايات المتحدة التي يبلغ تعدادها 50 ولاية تكفل حرية تشكيل المنظمات والمؤسسات واصدار الصحف والنشرات المتخصصة, واقامة الندوات والمؤتمرات, والجامعات وكافة المؤسسات التعليمية تفتح ابوابها لاقامة ايام او اسابيع التبادل الثقافي والفني, الا ان التواجد العربي المطروح على الساحة العربية من خلال المعطيات سالفة الذكر لم ينجح بدرجة مقبولة في الوصول الى صناع القرارات او التأثير في قادة الرأي الامريكي, مثلما نجح اليهود من خلال تلك المعطيات في التأثير على الرأي العام الامريكي, وتحريك صناعة القرار من خلال لوبي قوى اصبح له نفوذه وبصماته الواضحة في السياسة الامريكية والتوجه الشعبي الامريكي. ويكفى القول ان عدد اليهود الامريكان هم تقريبا ضعف العرب الامريكان, ولكن تأثيرهم في السياسة الامريكية يفوق هذا الضعف الرقمى بآلاف المراحل, فتعداد سكان امريكا 270 مليون نسمة منهم حوالي ستة ملايين يهودي, واكثر من ثلاثة ملايين عربي, وهناك 180 مليون نسمة لهم حق الانتخاب, يمثل اليهود منهم اربعة ملايين فقط, وعلى الرغم من هذا العدد الضئيل بالقياس لمن لهم الحق في الانتخابات, الا ان تأثير اليهود في المجتمع الامريكي وانتخاباته المحلية وعلى مستوى الكونجرس والرئاسة الامريكية لا يمكن تجاهله, وتكمن قوة هذا التأثير في دقة التحركات المدروسة لليهود ومن قبل منظماتهم وجماعات الضغط والقوة والنفوذ الرأسمالي, ذلك النفوذ الذي ينفق ببذخ على الدعاية الانتخابية لانجاح انصار اليهود واسرائيل, الذين لهم ادوار واراء مساندة لاسرائيل بالدرجة الاولى, والعمل على ان تكون مشروعات القوانين المحلية متضمنة دائما لبنود تخدم يهود امريكا, في الوقت الذي تتخبط فيه الجمعيات والمنظمات العربية في قضايا ومشاكل داخلية وتوافه ادارية, وتهمل معها دورها المطلوب في الوصول الى صنّاع القرار الامريكي او التأثير في الرأي العام الامريكي من خلال القنوات المشروعة والمفتوحة الابواب في امريكا لمواجهة الدعاية المضادة للعرب ومحاولات وصمهم الدائم بالإرهاب وتصحيح المفاهيم الخاطئة, والتوصل معهم الى اسلوب حوار يمكن من خلاله طرح القضايا العربية وبحث حلولها بصورة متوازنة لا يجانبها العدالة الدولية, ولا يهيمن عليها سياسة الكيل بمكيالين. اوراق رابحة ويملك العرب تجاه امريكا العديد من الاوراق التي يمكن ان تكون رابحة, ان تمّ استخدامها وتوجيهها لمصلحة العرب, فالعلاقة بين امريكا والعرب لم تكن علاقة استعمارية كما هو الحال بين العرب واوروبا, ومن هنا تنتفي صفة ارث العدائية, او الثأر القائم على جذور العداء القديم وميراثها من الغضب او التراكمات السياسية والاجتماعية لدى كل واحد ضد الاخر. الورقة الثانية هي الدين, فالمسيحية قريبة الجذور والمنهج من الاسلام عن قربها من اليهودية, ولو فتشنا في نفوس الامريكيين من الناحية العقائدية, لوجدنا نوع دفين من الاحتقار والكراهية لليهود, خاصة وان الامريكي يدرك وبوعى كامل التحركات اليهودية المنظمة وسط المؤسسات الاجتماعية الاهلية والقواعد الحزبية (الشبابية بصفة خاصة) بامريكا, وتعمدهم خلخلة القيم الروحية واختراقهم للكنائس, لنشر الديانة اليهودية والتأثير من خلالها, المهم هو كيفية اثارة تلك المشاعر الكامنة داخل نفوس الامريكان ضد اليهود, ومحاربة هذا الهاجس الديني الذي يغذيه الاعلام الغربي ضد الاسلام والمسلمين, واظهارهم بمظهر الارهابيين والمتخلفين الرجعيين, الرافضين للحضارة والتطور, والمتمسكين بخطى الجمال وعدم اللحاق بقطار التقدم. الورقة الثالثة ورقة المصالح الاقتصادية, فللأمريكان مصالح اقتصادية لا يمكن تجاهلها داخل الدول العربية خاصة في مجال الاستثمار والبترول, حتى وان كانت لا تعادل المصالح الامريكية مع بلدان اخرى, الا انه لو احسن توجيه تلك الورقة لكان في استخدامها نوع من الضغط او على الاقل الوصول الى درجة من الندية في التعامل مع امريكا. وعملية صناعة القرار الامريكي لها تركيبة صعبة, والتأثير في صناعة هذا القرار اكثر صعوبة وتعقيدا, ولعله يهمنا في صناعة القرار الامريكي هو الشق المتعلق بالخارج منها, اي القرارات تجاه العالم العربي على وجه التحديد, وتجدر الاشارة هنا ان صنّاع القرار الامريكي قد تغيرت نظرتهم واسلوبهم في تناول القضايا العربية في مرحلتين هامتين, الاولى عقب سقوط الشيوعية وانهيار حائط برلين, وتركز القرار الدولي في يد قوة واحدة لا يوجد لها توازن دولي آخر, والمرحلة الثانية عقب حرب الخليج الثانية, فقد اتسمت كلا من المرحلتين بنوع من الاحتواء السلبي الملتف او السلبي للقضايا العربية, مع السعى لتثبيت الوضعية الامريكية ومساندة القضية الاسرائيلية على حساب الجانب العربي, فأثناء وجود الاتحاد السوفييتي قبل ان يتفكك كنظام كان هناك نوع من التوازن لدى الادارات الامريكية, خاصة بعد حرب 73 والتي اعادت الهيبة للكيان العربي, وجعلت من كلمته صوت مسموع علي الساحة الدولية, وهي الحرب التي تلتها محاولات تقارب امريكي تحت ادعاءات التفهم للمطالب العربية, حتى ان الرئيس السابق (جيمي كارتر) قد اجتمع لاول مرة في التاريخ الامريكي بالزعماء العرب للمنظمات العربية الامريكية في البيت الابيض, في نهاية عام 97 ليناقش معهم السياسة المطروحة في الشرق الاوسط, ولم يقف الامر عند هذا الحد بل بحث وزير خارجيته في ذلك الحين مسألة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية, واهمية اشتراكها في المفاوضات المقبلة لتسوية الصراع العربي مع اسرائيل, ولقد نجح العرب في ذلك الحين من خلال انتصارهم الحربي في التأثير على صناع القرار الامريكي, وكما ان منظومة الانتصار على القوة الاسرائيلية ـ التي لا تهزم اثرت في وجدان الشعب الامريكي, وتمكن من خلالها قادة المنظمات العربية في امريكا من احداث تأثير نوعي على الرأي العام الامريكي, غير انه مع الاسف لم يتم استثمار ذلك الحدث بصورة جيدة من خلال الساسة العرب في دولهم, او حتى من خلال المنظمات والمؤسسات العربية داخل امريكا, والتي يشكلها المهاجرون العرب او العرب الامريكان للتعبير عن القضايا العربية او التأثير بصورة فعالة في الرأي العام الامريكي, فطويت تلك الصفحة بسرعة وحل محل الانتصار منظومة جديدة للسلام المنفرد مع اسرائيل, وهي بداية الخسارة الكبرى للكيان العربي داخل وجهة النظر الامريكية او العقلية الامريكية, فقد اكدت تصرفات السلام المنفرد مع اسرائيل على امكانية تفتيت بوادر المشروع القومي العربي الواحد او الاتفاق العربي على موقف ثابت, وتأكد لدى صناع القرار الامريكي ان التغلغل داخل الامة العربية امر يسير وسهل, وانه لا خوف على اسرائيل رغم هزيمتها مع العرب, وقد سارت المفاوضات المصرية مع اسرائيل في (كامب ديفيد) على الهوى الاسرائيلي وحظى على رضا اليهود الامريكان. ومن منطلق تلك النقطة فقد العرب كثير مما كسبوه بانتصارهم في الحرب, غير ان وجود القوى الثانية العالمية المناظرة لامريكا (الاتحاد السوفييتي) كان يحدث نوعا من التوازن تجاه طرح القضايا العربية الى حد ما, ولا نقل انه توازن ايجابي مائة بالمائة لصالح العرب, ولكنه توازن كان مطلوبا لايقاف محاولات الاحتواء الامريكي للعرب, وفرضهم للإرادة الامريكية بصورة مطلقة, وبالتالي فرضهم للشروط الاسرائيلية على المنطقة العربية, وعندما انهار الاتحاد السوفييتي بدأ تحول تاريخي في تركز القوى الدولية في يد الولايات المتحدة الامريكية, وشعر صناع القرار بأمريكا ان جميع اوراق اللعب قد تجمعت في ايديهم, وانهم وحدهم من حقهم فرض الشروط, وعلى العالم قبولها بما في ذلك العالم العربي, وكانت اسرائيل الربيب الاول لامريكا هي المستفيد الاكبر من تركز القوى الدولية في يد امريكا, ومنذ ذلك التاريخ نجحت الولايات المتحدة الامريكية في تطبيق استراتيجيتها التي اعتمدت على خطين متوازيين من السياسة. الاول هو الاحتواء والتواجد المستمر بالمنطقة العربية, من خلال تواجدها في قلب الخليج بسبب اعتداء الكويت على العراق, ومحاولة السيطرة على القوى البارزة في الخليج (العراق وايران) , اما الخط الثاني فهو ممارسة الضغوط المباشرة وغير المباشرة على العرب للقبول بالتسوية السلمية مع اسرائيل وفقا للشروط الاسرائيلية, وضمان تذويب الصراع العربي الاسرائيلي وقبول العرب بالحد الادنى من المكاسب, ويمكن القول ان امريكا نجحت حتى الآن في تحقيق استراتيجيتها السياسية هذه, ان لم يحمل المستقبل لنا اي مفاجآت او متغيرات عربية تفصم عرى تلك الاستراتيجية ذات التوازى والامتداد اللانهائي. التواجد العربي الرسمي وفقا لمعطيات الواقع لا يمكن التنصل بأي حال من الاحوال ان العلاقات العربية الامريكية ضرورة تفرض نفسها على الساحة سواء في الحاضر او المستقبل, ولكن يجب ان تخرج تلك العلاقة بين امريكا والعرب عن حدود الوصي والواقع تحت الوصاية او السيد والعبد, كما يجب ان تتجاوز حدود الانتقادات الامريكية للسياسات العربية, فامريكا ترى ان الانظمة العربية تكره الديمقراطية, ولا تتهيكل الا بهامشها, وانهم لا يعترفون بدولة المؤسسات القائمة على التعددية, وان الانظمة العربية في جوهرها ديكتاتورية, وللأسف لا توجد في الواقع عوامل عملية يمكن الرد بها عن هذه الاتهامات الامريكية للأنظمة العربية, بل ان الواقع العربي يرجّح كفة تلك الاتهامات وصحتها, هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى فان الشقاق العربي وعدم وجود رأى عربي موحد حتى تجاه القضايا العربية الجوهرية, قد اكسب الواجهة العربية ضعفا مقيتا وجعل تلك الواجهة مجرد قشرة هشّة يمكن اختراقها امريكيا او اسرائيليا, وقد اثّر هذا على صنّاع القرار الامريكي سلبا, كما اثر بالتالي على الرأي العام الامريكي, ومن هنا فان فرض الوجود العربي والتواجد العربي داخل امريكا نفسها, هو من المكانة بأهمية لا يمكن ان تقل عن ضرورة التأثير القيادي السياسي على مستوى العلاقات الخارجية العربية ـ الامريكية بتوحيد كلمة العرب وتحسين صورتهم وسمعتهم. فيتمثل التواجد العربي الرسمي في امريكا من خلال بعثة جامعة الدول العربية في واشنطن, وبعيدا عن التشكيك في قدرة القائمين على هذا المكتب, فان الدور الذي تقوم به مكاتب بعثات جامعة الدول العربية بصفة عامة دور محدود في ظل الصلاحيات المخولة لها, وقد يقف دورها عاجزا في اهم واخطر اللحظات المطلوبة لطرح قضية ما من وجهة النظر العربية, فهي عملية يلزمها التحرك الدؤوب لتنوير اصحاب القرار الامريكي, واطلاعه على جزئيات الموضوعات وتفاصيلها, حتى يتم اتخاذ القرار على اسس موضوعة واضحة ليس فيها مغالطة او قصور في المعلومات, او غموض قد يساء تصريفه واستخدامه, والامريكان ينظرون الى العرب في القضايا التي تطرحها الجامعة العربية وتسعى مكاتب البعثات لتوصيلها نظرة جزئية لا كلية متجانسة, فهم يقسمون القضايا الى قضايا مشرق ومغرب عربي وخليج... وهكذا, ولا يستطيع صناع القرار الامريكي في الغالب ان يتفهموا تلك الروابط العربية التي تجمع العرب عند الحد الادنى المنصوص عليه في ميثاق جامعة الدول العربية, ويساهم في تلك النظرة الجزئية قرارات العرب الغير موحدة في الغالب, حتى وان صدرت بعض القرارات الشمولية من خلال مجلس جامعة الدول العربية, ويزيد من عدم وضوح الرؤية او انعدام التأثير العربي الخارجي على صناع القرار الامريكي داخل بلادهم هو قصور التسويق الاعلامي العربي او القصور الموضوعي في الاعلام العربي نتيجة ضعف الهياكل الاعلامية العربية, بالمقارنة بالبنية الاعلامية الامريكية, او حتى البنية الاعلامية اليهودية المنظمة والمهيمنة بشكل دقيق على مساراتها التوجيهية. اما من ناحية التواجد العربي داخل امريكا, فهو متعدد ومتفوق في نفس الوقت, لكنه لا يمثل تكتل له ثقل او تأثير قوى يمكنه من الوصول لصناع القرار الامريكي, او حتى التأثير الذي يمكن ان يذكر ويعد ناجحا في الرأي العام الامريكي, وتجدر الاشارة هنا الى ان هناك ثلاثة ملايين وربع عربي في امريكا, وهو رقم لا يتجاوز نصف عدد اليهود الامريكيين الا بقليل, النسبة العظمى من هؤلاء العرب لبنانيين ويمثلون 50%, ويليهم السوريون, ويتمثل الوجود العربي في امريكا في جمعيات واندية محلية مدنية او قروية, وهي تضم ابناء قرية واحدة تابعة لدولة عربية, او ابناء مدينة ما داخل تلك الدولة, وهي محدودة النشاط يقتصر دورها في الغالب على السعي لخدمة مصالح ابناء تلك القرية او المدينة العربية, وتذليل الصعاب في العمل او الدراسة او السكن.. وهكذا, فليس لها نشاط في الاتجاه السياسي او التأثير على الرأي العام, فيما عدا تلك الجمعيات او الاندية القادم اصحابها من فلسطين المحتلة, والذين يشعرون ان لهم قضية يجب التحدث عنها ولو من خلال مجلة حائط او حفل للسمر داخل المجتمع الامريكي, وهناك المنظمات القطرية التي تضم ابناء بلد عربي واحد, وما قيل عن النوع الاول من الاندية والجمعيات لا يختلف كثيرا عنه في هذا النوع الثاني من التجمع العربي داخل امريكا, اما النوع الثالث وهو الذي نعول عليه الآمال, هو المنظمات العربية الامريكية, وتضم العرب الامريكان من بلدان مختلفة, واهداف تلك الجمعيات تجاوزت حدود المحلية العربية او القطرية, لترتقي الى حدود الكيان العربي الواحد, وهي تعد اول واقدم شكل جمع العرب بفئاتهم وتنوع بلادهم منذ الخمسينات, حيث وجدت منظمة الطلاب العرب التي اعتمدت على فكر قومي عربي نادت بتحقيقه, ثم ما لبثت ان تفككت وضعفت قبل مرور عقد من الزمان عليها, لتنشأ من ركامها روابط وجمعيات اخرى متفرقة, ومنظمة العرب خريجي الجامعات الامريكية, وهي همزة وصل جيدة لربط الشعب الامريكي بالعرب, وربط الاساتذة الامريكيين العرب بافراد الجاليات العربية من الدارسين للاستفادة بهم في خبراتهم, وتنبثق منها لجنة العلاقات العربية الامريكية وهي تركز على الدفاع عن القضية الفلسطينية والرد على السياسات المعادية لفلسطين وكشف الألاعيب والادعاءات الصهيونية, غير ان دورها يظل محدودا في اطر الاكاديمية العلمية للجامعة, ولا يصل الى حد الانتشار للتأثير على الرأي العام الامريكي او الوصول بقوة الى صناع القرارات بامريكا. ولعله يأتي في مرتبة الاهمية للمنظمات العربية في امريكا المعهد العربي الامريكي, والرابطة القومية للعرب الامريكيين, واللجنة العربية الامريكية لمكافحة العنصرية, فهذه المنظمات او المؤسسات الثلاثة يمكن ان نقول بإنصاف ان لها دور ما على الساحة السياسية بأمريكا, وان كان لايزال دور محدود بينه وبين التأثير المطلوب طريق طويل وشاق ومليء بالعقبات والصعوبات, ويأتي بعد ذلك صف طويل من المنظمات العربية القطرية والدولية المنفردة التي تهتم بقضايا بلد على حدا, وكذلك المنظمات المعنية بحقوق الانسان والمنظمات الخيرية وغيرها الاخرى الاجتماعية النوعية كجمعية المرأة العربية في امريكا وجمعية الشباب العرب, وغيرها, وهي كلها لا تدور الا في فلك الانشطة الاجتماعية النوعية والمحدودة والتي ليس لها صلة بالسياسة او تسعى للتأثير على الرأي العام. وجدير بالذكر قول ان عرض القضايا العربية على المجتمع الامريكي لا يتم فقط من خلال القنوات الدبلوماسية او الصحف المحلية في الولايات المتحدة, لكن ممكن اختراق هذه المجتمعات بنص اغنية, بأبيات الشعر, بالفيلم التسجيلي القصير والروائي الطويل, بلوحة زيتية, اوعبر الرسم التشكيلي الحديث او من خلال المنتديات الثقافية التي تعرض الملابس الشعبية, والرقصات الفلكلورية, وحتى الأكلات الوطنية. وهنا تبرز لنا عدة اسئلة: من يقوم بهذا الدور القومي العربي؟ ما هي الجهة او الدولة / الدول التي ستتحمل النفقات المالية؟ من الذي سيضع خطة عربية شاملة تحظى بقبول وموافقة كل الدول العربية؟ هل يستطيع العرب تشكيل جماعات ضغط عربية تعمل في منظومة واحدة؟ على المستوى الرسمي الجامعة العربية هي المنظمة الوحيدة الممكن ترشيحها وهي التي تستطيع القيام بمشروع اعلامي عصري يعتمد على التطور التكنولوجي الحديث بشرط توفير ميزانية مالية بضمانات تكفل لها العمل وتحقيق الاهداف خلال الــ 25 سنة الاولى من القرن المقبل, وهذا يتطلب تحديث مكتب التمثيل الموجود في واشنطن, واقامة مكاتب جديدة في اهم الولايات الامريكية الاخرى, وتوفير الميزانيات المالية اللازمة, وتعيين كوادر علمية جديدة عصرية ومتطورة ذات خبرات في مجالات العلاقات العامية, لهم القدرة على رسم وتوجيه خطط الانتشار الجماهيري, بما يتلاءم والعقلية الامريكية على مستوى الشارع. على المستوى الجماهيري المنظمات العربية والمؤسسات الثقافية الموجودة في امريكا ومزيد من الاعتماد على المهاجرين العرب الاوائل المعروفين بانتماءاتهم القومية, وعدم انحيازهم لدولة عربية دون الأخرى او حزب سياسي عربي هنا او هناك, اضافة للتعاون مع العلماء والمتخصصين في المجالات المختلفة, وهذه المنظمات يجب الحفاظ على استقلاليتها النوعية, على ان يكون بين ممثليها والجامعة العربية حوارات ومشاورات بشكل منتظم, ولا مانع ان يتم للعناصر القيادية دورات تدريبية, وتثقيفية حتى يتم العمل والتنسيق بأساليب محترفة, وكذلك تشجيع انشاء المنظمات والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية الجديدة, سواء العربية الامريكية المشتركة او ذات الهوية العربية الخالصة, وضم شباب جديد من العناصر المتحمسة التي تتمتع بطاقات كبيرة, حتى نضمن عملية التجديد المستمرة, ونتلاشى تقادم الافكار وبقاء التقليدي منها, لمواكبة روح ولغة العصر الحديث. على مستوى التخصص يجب سرعة العمل على تأسيس جمعيات المحاضرين وترصد لها ميزانيات مالية كافية, وتعطى مكافآت للمحاضرين العرب ــ المقيمين في امريكا ــ لإلقاء المحاضرات في الجامعات والمعاهد العلمية والغرف التجارية ولدى نوادى وجمعيات رجال الأعمال والمستثمرين الأمريكان, مع التركيز وربط المصالح بأصول التفاهم وتفهم القضايا العربية. حوارات الأديان اضافة الى حقيقة وجود صراع ديني وثقافي قائم بين الغرب المسيحي وما فيه من ديانات اخرى, والشرق العربي الاسلامي, وبأن له تاريخ وجذور قديمة, نجد انه بالرغم ان الغرب اصبح في مركز القوة العسكرية والاقتصادية (وخاصة امريكا محل الدراسة), ان اهم واخطر الاسباب العصرية تكمن في الآتي: العداء اليهودي الذي يتمثل في (اسرائيل) رأس حربة الغرب الموجهة للعرب والمسلمين, تنفيذاً لأحلام الصهيونية العالمية في تثبيت كيان يهودي في قلب المنطقة العربية. اتخاذ امريكا من سياسة الهجوم وسيلة دفاع عن مجتمعاته خوفا من القوة الروحية للعقيدة الاسلامية, وان تملئ الفراغ الروحي الذي يعانى منه الشعب الامريكي. تصدى امريكا للصحوة الاسلامية التي بدأت في ايران, خوفا من خصوبة الارضية العربية الاسلامية فيما اطلق عليه حديثا (الشرق الاوسط). فالخطاب الديني باستخدام نصوص الانجيل هو اسلوب يمكن من خلاله اختراق الإعلام الديني والتأثير فيه, والدين المسيحي الذي يدعو للسلام الاجتماعي لغة سهلة يفهمها المواطن الامريكي دون صعوبات, وهذا من الممكن حدوثه عن طريق تأسيس لجان الحوارات الدينية تضم عرب امريكان, من ذوات الخبرة لعقد لقاءات دورية لإزالة الافكار والمفاهيم الخاطئة عن الاسلام والمسلمين, كحد ادنى للوقوف ضد من يقوم بتشويه صورة ومفاهيم العقيدة الاسلامية, اعتمادا على ذكر حقيقة الاسلام والتأكيد على انه ليس مصدرا للخطر على اي مجتمع, كطريق لإزالة الشعور بالخوف, سواء كان من نسج الخيال او الخوف المبنى على افكار خاطئة ومشوهة, وتوضيح ان الدين الاسلامي دين سلام واسلوب حياة, يوفر ويضمن العدل والحياة الكريمة لكافة شعوب الارض دون عنصرية او تمييز. أخطاء وتجارب الماضي لقد كانت يقظة العالم العربي بعد حرب الأيام الستة مع اسرائيل في عام 1967, هي صحوة عاطفية من هول مصيبة الهزيمة, تجمدت عند الأسى والحسرة, وأبيات الشعر الحزينة التي حولت الفجيعة لبكائيات, لكنها لم تترجم للتعامل مع الواقع الاعلامي في امريكا, فقد شهدت الساحة الامريكية تحركات عربية بدأت بحماس شديد, ثم تراجع تدريجيا حتى ما قبل حرب اكتوبر التي ردت مؤقتا اعتبار وكرامة العرب, الا انها عادت لتنشط من جديد بعد عام 1973, لكن مصير النشاط كان التراجع والبرود, لذلك نؤكد على اهمية وضع وتنفيذ خطة اعلامية وقائية طويلة الأمد, لا تعتمد على حدث او مرحلة ما, فبالرغم من معاهدات السلام مع اسرائيل, والتحرك العربي الرسمي واعلانه نهاية الحرب والصراع مع الدولة العبرية, الا ان صورة العرب والمسلمين لم تتحسن, بل للأسف الشديد انها الآن اسوأ من بداية الصلح المنفرد الذي عقدته مصر مع اسرائيل بمباركة وعلى ارض امريكية, فلقد ثبت بالتجربة ان الدبلوماسية العربية تتحرك في اتجاه أحادى النظرة, لا يعتمد على سياسة التحريض الدولي المدروس لكسب الرأى العام العالمي, كمدخل لاختراق امريكا, فنحن الآن على اعتاب القرن الواحد والعشرين ومضى على الحرب التي انتصر العرب فيها على اسرائيل في عام 1973 ربع قرن دون استثمارها اعلاميا, ودون اختراق المجتمع الامريكي, لكن العكس حدث وهو ان اسرائيل هي التي استثمرته جيدا لصالحها, وتستغله جيدا حتى الآن, اضافة لوجود فجوة بين المقيمين العرب في امريكا والحكومات العربية, وهي مساحة تستغلها المنظمات والمؤسسات الامريكية بدعم حكومي امريكي من الخلف وعلانية, فالحكومات العربية فشلت في تجييش عرب امريكا لصالح القضايا العربية, بل بعض الحكومات العربية تحاربهم وتخشى منهم اعتقادا منها بأنهم مصادر للخطر.