من الضروري جدا ونحن نتحدث عن الخطاب الاعلامي العربي الموجه للرأي العام الامريكي ان نستذكر مقولة اساسية وهي ان نوعية المعلومات التي يمتلكها الآخرون عنا هي التي تقرر صورتنا في عقولهم وتحدد بالتالي مواقفهم منا ومن قضايانا المختلفة . واذا اخذنا بعين الاعتبار ان الدول على اختلافها تعمل بما تعلم وان وسائل الاعلام هي التي تزودها بالقسم الاعظم من المعلومات فان ذلك يعني ان لهذه الوسائل دور قوي وفعال في صناعة القرار السياسي ولو بطريقة غير مباشرة كما يصبح واضحا مدى الاهمية في ان تكون وسائل الاعلام موضوعية ومتزنة في رسائلها الصحافية وتحليلاتها السياسية المختلفة ويتضح ايضا في الجانب الآخر مدى خطورة الوسائل الاعلامية المغرضة والمخادعة في تضليل الرأي العام الذي يستند في معلوماته الى هذه الوسائل. فمثلا يسأل الكثيرون في الوطن العربي عن سبب الانحياز الامريكي الفاضح (لاسرائيل) والذي يصل الى حد التأييد الاعمى في اغلب الاحيان. وللإجابة على هذا التساؤل او غيره فيما يتعلق بالعلاقة العربية الامريكية تستطيع القول ان هناك الكثير من الاسباب التي تقف وراء المواقف الامريكية من العرب بعضها اسباب تاريخية تتعلق بالصورة المشوهة التي يحملها الغرب بشكل عام عن المسلمين والعرب والتي تبلورت بشكل واضح في الحروب الصليبية حيث سادت هذه الصورة في المواقف الاوروبية من المسلمين بمن فيهم العرب طبعا لمئات السنين وورثها فيما بعد سكان المستعمرات الامريكية, ونظر الى العرب والمسلمين على انهم شعوب تتصف بالوحشية والقسوة وقتل الأخوة والاخوات والغدر من الصفات التي كثر ذكرها في الادب الغربي ناهيك عن ان التجار والرحالة الغربيون الذين زاروا الشرق الاوسط في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم يميزوا فيه الواقع بين العرب وبين المقيمين الاخرين في المنطقة تحت الحكم العثماني زد على ذلك ان الانجيل صور العرب كبدو رحل كما نظر اليهم العهد القديم كمصدر تهديد مستمر للعبرانيين. ويمكن القول ان الاتصال بين العرب والامريكيين بدأ بشكل فعلي في القرن التاسع عشر عبر المبشرين الذين جاؤوا الى المنطقة وكتبوا عنها بطريقة سلبية اثرت بشكل كبير على الجمهور الامريكي وصناع السياسة كذلك. وساعد ظهور الحركة الصهيونية واندلاع النزاع على فلسطين وتفاقم المصالح الامبريالية والاستعمارية فضلا عن سذاجة العرب في السياسة الدولية ساعد على زيادة الهوة بين الرأي العام الامريكي والعرب اذ وجد الصهاينة في الصورة التي يحملها الغرب عن العرب وسيلة ناجحة لترويج افكارهم العنصرية في المجتمع الامريكي. ومنذ ظهور الولايات المتحدة كقوة كبرى في العالم ادرك الصهاينة الاثر الكبير الذي يمكن أن يتركه وقوفها الى جانب المشروع الصهيوني ولان الصهيونية تتخذ من السيطرة على رأس المال وسيلة للسيطرة على الشعوب فقد ركز الصهاينة اهتمامهم بمراكز القوى المالية في امريكا وخلال فترة ليست بطويلة استطاع هؤلاء الامساك بمفاصل هامة في اسواق البورصة وتجارة الذهب والمعادن واسواق التموين على ان اهم ما سيطروا عليه في الولايات المتحدة كان الصحافة واجهزة الاعلام على اختلافها, واستطاع اللوبي الصهيوني المنظم جيدا والمتماسك اختراق اهم المؤسسات في امريكا ويمكن القول ان الفكر الصهيوني اخترق المجالات الحياتية والسياسية كافة واصبح هناك ما يطلق عليه بالصهيونية المسيحية والتي تعتبر اشد تعصبا وحماسا للقضايا الصهيونية من صهيونية اليهود انفسهم الامر الذي اثر فيما بعد على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط مجملها تتخذ مواقف معادية للقضايا العربية العادلة بسبب التعبئة الفكرية التي تقوم بها اليهود في الولايات المتحدة وتنامي دور اللوبي الصهيوني يوما بعد يوم في المجتمع الامريكي الذي تشكل كما هو معروف من هجرات متتالية ليست بعيدة في شكلها عن الهجرات الصهيونية الى فلسطين لدرجة ان بعض الصهاينة المسيحيين ذهب الى درجة المماهاة مع العبرانيين القدماء الذين يصورهم العهد القديم. ويمكن القول ان الصهيونية استطاعت بالوسائل المختلفة ان تتغلغل في نسيج المجتمع الامريكي وان تشكل مع مرور الزمن ما يمكن وضعه بامبريالية اعلامية تتحكم بالسلعة الاعلامية وتسوقها في الاسواق العالمية كما تسوق البضائع الاخرى الامر الذي يسر لليهود احتكارا عالميا لوسائل الاعلام ومكنهم من تنفيذ سياساتهم الاعلامية ونشر الايديولوجيا الصهيونية للتأثير على الرأي العام في الولايات المتحدة وخارجها ونشر الافكار والثقافة المعادية للعرب. وللتدليل على مدى سيطرة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة يكفي ان نلقي نظرة سريعة على اية فترة رئاسية امريكية, وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد كان مستشار الرئيس ويلسون من عام 1914 ـ 1918 المليونير اليهودي هنري مورجانتو اما مستشاره القضائي فهو اليهودي جيستس لويس برانديس ومستشاره السياسي اليهودي الكولونيل مانديل ومستشاره في القانون الدولي اليهودي وولتر ليمبان في حين كان كبير المستشارين السياسيين المليونير اليهودي فيلكس فرانكفورتر وفي عهد روزفلت الذي حكم الولايات المتحدة من عام 1939 ـ الى عام 1945 فقد تمكن اليهود من غزو الدوائر الحكومية اما مستشارو روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية فكانوا برنار باروخ مستشاره للشؤون الاقتصادية والذي اصبح فيما بعد رئيسا للطاقة الذرية وهو الذي أوعز للرئيس الامريكي ترومان باستخدام السلاح الذري ضد هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين. اما كبير المستشارين السياسيين في عهد روزفلت فكان المليونير اليهود المعروف فيلكس فرانكفورتر. ولو تابعنا فترات الرؤساء الامريكيين جميعهم لوجدنا ان العنصر اليهودي ظل مسيطرا على مفاصل السياسة الامريكية كما هو الحال في هذه الايام كما ظلت الصحافة الامريكية وعلى مدى قرنين من الزمن وسيلة يهودية صهيونية يمارس الصهاينة من خلالها التزييف والخداع والتضليل السياسي والاعلامي حتى باتت هذه الصحافة كالسيف المسلط فوق رؤوس الامريكيين انفسهم اذ لا يجرؤ انسان على الافصاح عن مخاوفه من اخطار اليهود او توجيه نقد لسياسة الحكومة بهذا الشأن ولا يكاد اي امريكي يرفع صوته حتى تنهال عليه الصحافة الامريكية تجريحا واتهاما فتارة تتهمه باللاسامية وتارة بالنازية واذا كان تاجرا او رجل اعمال دبرت له اسباب السقوط والافلاس بطرق جهنمية قذرة, ولعل خير مثال هنا قصة وزير الدفاع الامريكي فورستال الذي دفع حياته ثمنا لمحاولته جعل السياسة الامريكية في الشرق الاوسط محايدة ولانه حاول ان يقنع الحزبين الرئيسيين في الانتخابات ان يرفعان من سياستهما قوة الاصوات اليهودية والاّ يزجا باصوات اليهود في سياسة امريكا الخارجية وفي ظل هذا الواقع يمكن القول ان اي رسالة اعلامية عربية في الولايات المتحدة يجب ان تضع في حسابها اولا وقبل كل شيء انها لابد ان تكون تصادمية مع الاعلام الصهيوني الذي يرى في امريكا ساحة رئيسية له محظورة على الآخر. ولكن قبل التوجه لمخاطبة العقل الامريكي وهي مخاطبة ضرورية وهامة لما للولايات المتحدة من ثقل عالمي لابد اولا من اعداد وسائل اعلام عربية تتماشى وروح العصر وتخلص من عقلية الجزر الاعلامية النائمة حاليا في البلاد العربية والتي فشلت في كثير من الاحيان باقناع مواطنيها بالكثير من القضايا بسبب افتقادها لبرامج عمل مدروسة بشكل جيد تعتمد الاساليب العلمية ونظريات الاعلام الحديثة. ولعل من المفارقات التي يمكن ذكرها هنا انه عندما تأسست الجامعة العربية في 22 مارس عام 1945 لم يتطرق الميثاق بأي شكل من الاشكال الى دائرة اعلامية او اي نشاط ممكن في هذا الشأن وأحد اسباب ذلك هو ان الدول العربية نفسها لم يكن لديها وزراء اعلام ولم تكن تعرف الكثير من اهمية الاعلام زد على ذلك انها اسست اصلا لتنسيق التعاون بين الدول العربية في مجالات غير سياسية وغير حساسة على ان الصورة تغيرت فيما بعد وادركت الدول العربية اهمية دور الاعلام الذي بدى جليا في نكبة فلسطين اذ ادى الهجوم الاعلامي الصهيوني المنظم الى حشد رأي عام قوي جانبه فيما ادى تبعثر الاعلام العربي وهشاشته واعتماده على الديماغوجيا الى هزيمة العرب واندحارهم في حرب عام 1948 وكذلك في عام 1967. وبالعودة الى موضوع البحث وهو الخطاب الاعلامي العربي الذي يجب توجيهه الى الرأي العام الامريكي لابد من التأكيد على ان اية رسالة اعلامية الى الامريكيين ستنتهي الى الفشل ما لم تأخذ بعين الاعتبار وقوع الامريكيين تحت تأثير التخدير الصهيوني وبالتالي فان رسالة من هذا النوع يجب ان يكون عنوانها اولا انعاش الوعي الامريكي وتجسيد الصورة الحقيقية للانسان العربي وقضاياها في العقل الامريكي الذي ومع الاسف مايزال يتعامل مع العرب من خلال ما توحيه له الصورة الصهيونية المشوهة عنهم باعتبارهم ارهابيون وكسولون وغير ذلك من الصفات والبراهين على ان الآراء الامريكية عن العرب هي اراء سلبية كثيرة ومتعددة فمثلا قد تجد في الشارع الامريكي نسبة كبيرة باتت تؤمن بضرورة قيام دولة فلسطينية ولكن هؤلاء مايزالون يعارضون منظمة التحرير الفلسطينية بحجة انها (منظمة ارهابية) كما اوحت لهم بذلك اجهزة الاعلام الصهيونية ولذلك فان الخطاب الاعلامي العربي عليه ان يضع نصب عينيه اولا واخيرا غسل صورة العرب بالتوازي مع فضح الفكر الصهيوني العنصري ليس في الولايات المتحدة فقط وانما في العالم كله.