امكانية انشاء اكثر من لوبي عربي للضغط في سبيل القضايا العربية امكانية واردة ومتاحة. موضوعية الطرح والاصرار عليه هي افضل مداخل التواصل الاعلامي مع الشعب الامريكي. العقل السياسي الامريكي عقل مفتوح يتعامل مع الاحتمالات والحقائق بأبعادها المتعددة, ولكنه يعطى الاعتبار الاكبر للحقائق القوية, اي تلك التي تسندها مجموعات ضغط تنافح عنها, وتصرّ على استصدار سياسات مصلحية بشأنها. فالعقل الامريكي قبل اي اعتبار آخر هو عقل (براجماتي) يفكر في المصالح اولا, وثانيا, واخيرا. واما عالم المثاليات والحقائق التي لا تسندها قوة, فهو آخر ما يرنو إليه العقل السياسي الامريكي. نما العقل السياسي الامريكي في ظل نظام سياسي يتسم بسمات التدافع والتصارع الذي كرس من اجل ان يصل بالنظام السياسي الى مرحلة التوازن. ولذلك يبدو نظام الضغط او مايسمى بــ (اللوبي) نظاما مشروعا بل هو الآلية التي عن طريقها تتحقق كافة مصالح المجتمع. وتعج أنحاء الكونجرس بكافة ممثلى جماعات المصالح والضغط التي ترنو الى التأثير على صنع القوانين والقرارات بما يحقق مصالح معينة لتلك المراكز, ويجتهد ممثلو تلك الجماعات في الاتصال بالنواب وايصال معلومات معينة بقلم: د. محمد وقيع الله اليهم, والإلحاح في طلب تقديم شهاداتهم في جلسات الاستماع التي يزمع عقدها بخصوص اتخاذ تلك القوانين والقرارات وعادة ما تكون جلسات الاستماع تلك جزءا تمهيديا من مراحل دراسة البدائل التي يتخذ منها القرار, ومجرد حضور ممثلى جماعات الضغط لتلك الجلسات يعطى اعتبارية خاصة لوجهات نظرهم. لاسيما ان تلك الجلسات تحظى عادة بتغطيات خبرية جيدة في وسائل الاعلام, الامر الذي يزيد من وقع الضغط على متخذى القرار. ويمكن الاتصال برجال الكونجرس ايضا عن طريق السجلات البرلمانية حيث يمكن لاي ممثل لجماعة ضغط ان يودع تلك السجلات تقارير ومعلومات وافية عن قضيته ووجهة نظره, وتقوم ادارة الكونجرس بطبع تلك المعلومات مجانا, واتاحته للنّواب ومساعديهم ليطلعوا عليها, وتقوم الصحف في امسيات كثيرة باستقاء معلوماتها من تلك السجلات, وبذلك تتوافر فرص نشر واسعة لوجهات نظر جماعات الضغط. ويسهل ايضا الوصول لرجال الكونجرس عن طريق مساعديهم وفي الكونجرس نحو سبعين الف موظف من هذا النوع, والوصول اليهم اسهل بكثير من الوصول لرجال الكونجرس مباشرة وفي بعض الاحيان ربما كان مساعدو النواب اكثر فاعلية من النواب انفسهم, لانهم هم المكلفون بانجاز العمل الخلفى الذي يأخذه النائب جاهزا منهم, ويذهب به الى اللجان, او الى قبة البرلمان. وهكذا فالاتصال بطريق مباشر او غير مباشر بالنواب ليس امرا مستحيلا, او ميؤوسا منه كما يتصور البعض, ولكنه يتطلب مهارات فكرية وسياسية عالية. اذ يتطلب ان يقوم مركز الضغط, بدراسة كافة جوانب الموضوع الذي يتصدى له, وان يتعرف بالتفصيل على وجهات النظر المناوئة, وقدرات اولئك المناوئين, والجماعات التي يمكن ان تعضد موقفهم في السجال والجدال كما يتعرف على الجماعات التي يمكن ان تقترب وجهات نظرها من وجهة نظره, ويخطط لكيفية التنسيق معها لنيل دعمها, ودعم مواقفها. واذا كان الدستور الامريكي قد اعطى الكونجرس السلطات الاكبر في مجال صنع السياسة الخارجية فانه اعطى السلطات التنفيذية حق اتخاذ السياسات التفصيلية, واقتراح مشروعات السياسات الكلية والرئيس الامريكي يكون في الغالب مشغولا بالسياسات الداخلية على حساب السياسات الخارجية, لان الأولى هي المرجوة لدعم موقفه امام الناخبين, ومالم تكن هناك أزمات دولية ملحة, فان الرئيس ونائبه يكونان منغمسين في شؤون الاقتصاد الداخلي, والخدمات العامة للمواطنين, ولكن ذلك لا يضعف من دور الاجهزة التنفيذية المتخصصة في صناعة وتنفيذ قرارات السياسة الخارجية, وعلى رأسها مجلس الامن القومي, ووزارة الخارجية, ووكالة المخابرات الامريكية (تابعة لمجلس الامن القومي ولكنها ذات نفوذ خاص ايضا) والقيادة العامة لأركان الجيش. ويصعب الوصول للرئيس الامريكي لانه فرد لا يمكن ان يقابل كل الناس, ولكن لا يصعب الوصول الى الاجهزة التنفيذية الاخرى المذكورة آنفا, ويمكن توصيل وجهات النظر اليها عن طريق النّواب, او عن طريق المذكرات المكتوبة, او عن طريق الكتابة الى الصحف, فهي ذات تأثير شديد على صنّاع القرار. وقد اعطى الدستور الامريكي للاعلام قدرات نافذة بل جعله جزء من النظام السياسي, يقوم بمهمة مراقبته وضبطه. وعلى عكس المفهوم السائد من ان الاعلام يتابع الاخبار, فان الاعلام الامريكي كثير ما يصنع الأحداث, ويوجه مسارها. فمجرد الالحاح على نشر خبر ما, وبطريقة معينة في وسائل الاعلام, كشبكات التلفاز الخمس الكبرى, او الصحف اليومية العملاقة, كثيرا ما يعطى الرأي العام وصنّاع القرار وجهة معينة ويحفّز الجميع لاتخاذ قرارات باتجاه معين, ولهذا تتجه بعض مراكز الضغط لإحداث تهيئة اعلامية تمهيدا لتيسير اتخاذ بعض القرارات. وما يقال عن سيطرة مراكز الضغط الصهيونية على الاعلام الامريكي هو صحيح في جملته, ولكنه لا يعنى ان اختراق تلك الاجهزة هو من قبيل المحال. وبشكل عام يجب الانتباه الى( ان الاعلام الامريكي اعلام متقدم جدا, ولذا فلابد من اعداد أهبة وتأهيل اكاديمي وثقافي وادبي وفني عال من اجل التعامل معه, وقبل ذلك فهم مداخله وأساليبه. ان الصحف ووسائل الاعلام الاخرى ترحب بنشر المادة المتقنة جيدا, وفي احيان كثيرة فهي ملزمة ادبيا بذلك, وفي احيان مخصوصة فهي ملزمة قانونيا. وفي الوضع العادي يجب ملاحظة ان قضايا العالم العربي والصراع العربي الاسرائيلي غير محبوبة للمواطن الامريكي بشكل عام. وبالتالي فهي غير مثيرة لشهية الاعلام, وافضل مدخل لتناولها هو ربطها بقضايا واحداث تهم الشعب الامريكي مثل ارتفاع اسعار البترول او انخفاضه والخ الخ وفيما يتصل بإعداد المادة وتصميمها فلابد من اعدادها بشكل متوازن يكتفى بإبراز الحقائق, ويتجنب العاطفة, واصدار احكام الادانة على الخصم. ويفضل دائما ان يتولى صياغتها خبراء اعلاميون متخصصون ذوو تجربة طويلة في مخاطبة الرأي العام. وعندما تكون المادة معدة جيدا, وحسب الاصول, وعندما تلاقي هوى الناشر, فانه يقوم بنشرها وهو سعيد بذلك, لانه يكون في حاجة الى مثل تلك المادة الجديدة, واذا لم تصادف هوى ناشر معين, فانها لا محالة ستصادف هوى ناشر آخر, فدور النشر الاعلامي اكثر من ان تستعصى كلها على الاختراق, ولذلك فلا مجال لليأس اذا ما رفضت المادة في دار نشر اعلامية معينة, او في عدد من دور النشر. وبجانب الاعداد الجيد فلابد من مراعاة ناحية اخرى هامة وهى ناحية ضرورة الاحتراس والتحرز, وعدم توريط دار نشر في نشر اخطاء يحاسبها عليها القانون, او يفقدها ثقة الناس. فهذا من اشد ما يفسد القضايا المطروحة, وفضلا عن ذلك فانه يحجب فرص النشر في المستقبل. ان الجو الاعلامي الامريكي ملّوث بتحاملات كثيرة ضد العرب, ولكن هذه التحاملات يمكن ان تنقشع تتبدد اذا ما اتصلت جهود اعلامية عربية حثيثة ضدها. فالعقل الامريكي كما اسلفنا عقل منفتح يتجاوب مع الحقائق متى ابرزت اليه بقوة, ويقوم اللوبي العربي في واشنطن بقيادة د. جيمس زغبي بجهود اعلامية جيدة في هذا المجال, كما يقوم اللوبي الاسلامي بقيادة عبدالرحمن العمودي بجهود مماثلة, ويطرقان ابواب الاعلام بانتظام, ويخاطبان الرأي العام الامريكي من خلال التلفزة العامة (C- span) الحكومية, ويمارسان بعض الضغط على صناع القرار وهو ضغط ضعيف حاليا, وثماره قليلة ومعدودة, وفي اكثر الاحوال يتم تجاوز ضغوطها, ويكتفي كلينتون بالحديث اليهما بالتليفون للابلاغ عن القرارات التي اتخذها قبل ساعات من اذاعتها للجمهور, ولكن جهود هذين المركزين تشكل البداية الصحيحة للتحرك السياسي لعرب ومسلمي امريكا لمناصرة قضاياهم المحلية, ومساندة قضايا العالم العربي والاسلامي وقد برهنت جهودها عمليا على امكانية اختراق الاعلام الامريكي, ومصداقا لذلك فقد ذكر جيمس زغبي في لقاء اعلامي اجرى معه مؤخرا انه لم يفشل مرة واحدة في الحصول على فرصة للحديث عبر التلفاز. وطبعا فقد كان السبب في ذلك هو اعتدال في الطرح, ومراعاته لقواعد العمل الاعلامي. ان تكوين مراكز الضغط هي طبيعية العمل السياسي في امريكا, وفي هذا الصعيد تتكاثر تلك المراكز بعشرات الآلاف, وفيها مراكز لا يتخيل انسان عاقل وجودها على الاطلاق فمن ذا الذي يصدق ان بامريكا التي تخترق الكواكب, وتبث اقمارها الصناعية بكل مكان, لوبي قوى له فروع في 26 ولاية بالاضافة الى مقاطعة كولمبيا (D.C) اسمه جمعية الارض المسطحة وهو لوبي مسلح بأفكار دينية, ويناضل في الكونجرس لمنع تمويل المدارس الحكومية التي تعلّم طلابها فكرة كروية الارض! وهناك مراكز ضغط لدول اجنبية كثيرة تعمل في سبيل التأثير على قرارات السياسة الخارجية الامريكية التي تتصل بها, اقواها على الاطلاق هو لوبي ايمباك يليه لوبي تايوان, والصين, واليابان, واليونان والأرمن الخ الخ وفي حالة تلك المراكز فلابد من تسجيلها والتعريف بانتماءاتها الخارجية, وضبط ممارساتها حسب القانون الامريكي.. .. وفي النهاية فيمكن القول بانه متى ما توفرت الارادة العربية, وتحدّدت سياسات بعينها يتفق عليها كحد ادنى, فيمكن للعرب ان يضغطوا بقوة, وبشكل مشروع, في سبيل التأثير على قرارات السياسة الخارجية الامريكية نحو العالم العربي...