من الواضح ان الولايات المتحدة اصبحت جزءا من الصراع العربي الاسرائيلي, وانها ليست الوسيط النزيه المحايد كما كنا نأمل, بل هي حليف رئيسي لاسرائيل ضد العرب في تطلعهم لاسترداد حقوقهم المغتصبة, واراضيهم المحتلة , وانها بمساندتها المطلقة لاسرائيل تشجع الكيان الصهيوني على عرقلة اقامة سلام عادل وشامل في منطقتنا. منذ قيام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين عام 1948 والولايات المتحدة تقدم لاسرائيل كافة اشكال الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي. وفي نفس الوقت تتجاهل واشنطن تشريد شعب فلسطين, والجرائم التي ترتكبها اسرائيل ضد هذا الشعب وضد الشعوب العربية الأخرى. لكن يمكن القول ان الدعم الامريكي لاسرائيل, لم يصل في ظل اية ادارة من الادارات الامريكية السابقة, الى المستوى الذي وصل إليه في ظل الادارة الحالية برئاسة الرئيس بيل كلينتون. لقد تطابقت السياستان الامريكية والاسرائيلية الى الحد الذي يمكن معه الحديث عن سياسة واحدة وليس عن سياستين لدولتين مختلفتين, واصبحت كل القرارات المتعلقة بالشرق الاوسط تتخذ في اسرائيل, وتتبناها واشنطن دون مناقشة اي اننا بصدد جبهة امريكية اسرائيلية واحدة تواجه العرب في ازمة الشرق الاوسط! تؤكد هذه الحقيقة مجموعة من الخطوات والتصرفات الامريكية والاسرائيلية التي شهدناها منذ دخول كلينتون البيت الابيض عام 1992. ويمكن ان نشير الى بعض هذه الخطوات والتصرفات فيما يلي: ابرمت الولايات المتحدة واسرائيل عام 1996 اتفاق التعاون الاستراتيجي الذي يفتح الباب واسعا امام التعاون والتنسيق بين البلدين في مختلف المجالات العسكرية. وحين يتم ابرام هذا الاتفاق في الوقت الذي تستمر في اسرائيل في احتلال الاراضي العربية, وإنكار حقوق شعب فلسطين, فلا يمكن الا ان يكون هذا الاتفاق موجها ضد العرب. قيام تعاون بين الولايات المتحدة واسرائيل في مجال ابحاث الاسلحة المتطورة مثل الصواريخ. وهذا التعاون يدخل ضمن سياسة امريكية مستقرة منذ فترة طويلة, وان كانت تطبيقاتها قد توسعت في ظل ادارة كلينتون. هذه السياسة هي ضمان تفوق اسرائيل العسكري على الدول العربية مجتمعة, رغم ان اسرائيل تستغل هذا التفوق في اعتداءاتها الاجرامية ضد العرب. ممارسة ضغوط امريكية قوية على الدول العربية لتوقيع معاهدة حظر الاسلحة الكيماوية, رغم ان اسرائيل تملك مخزونا كبيرا من هذه الاسلحة. وقد أدت هذه الضغوط الامريكية الى إقدام بعض الدول العربية على توقيع هذه المعاهدة, مع ان وزراء الخارجية العرب كانوا قد اتخذوا عام 1992 قرارا بعدم التوقيع على هذه المعاهدة. ممارسة ضغوط قوية من جانب واشنطن على الدول العربية لتوقيع اتفاق التمديد اللانهائي لمعاهدة منع انتشار الاسلحة النووية. وقد كان هذا الموقف الامريكي شاذا وغريبا, لان الولايات المتحدة تعلم ان اسرائيل تمتلك قنابل نووية, يقدرها خبراء امريكيون بما يتراوح بين 100 و200 قنبلة نووية وقد استخدم المسؤولون الامريكيون منطقا فجّا في ضغوطهم على العرب, اذ قالوا ان عدم توقيع المعاهدة يتعارض مع المصالح الامريكية. ودعوا الدول العربية الى توقيع المعاهدة دون ربط ذلك بتوقيع اسرائيل. الى هذا الحد تحرص امريكا على قوة اسرائيل, وتتجاهل أمن الدول العربية وحياة شعوبها! الضغط على الدول العربية لحضور مؤتمر الدوحة الاقتصادي بحضور اسرائيل رغم العراقيل التي تضعها اسرائيل في طريق السلام. ولسنا في حاجة الى القول بأن المؤتمرات متعددة الاطراف التي تعقد على هامش عملية السلام هدفها الاول تحقيق اندماج اسرائيل في المنطقة, وتمكينها من التسلل الى الاقتصاديات العربية, حتى وهي تمثل الاراضي العربية, وترفض الإقرار بحقوق شعب فلسطين. تلك نماذج من التصرفات والخطوات الامريكية التي اتخذتها وتتخذها الولايات المتحدة في اطار دعمها المتعاظم لاسرائيل. والسؤال الهام هنا هو: لماذا عجزت الدول العربية عن التأثير في السياسة الامريكية, رغم ان مصالح امريكا في الشرق الاوسط كلها لدى العرب؟ لماذا فشلت الدول العربية في حمل الولايات المتحدة على اتخاذ موقف محايد وعادل تجاه الصراع العربي الاسرائيلي؟ السبب في هذا الفشل ان الدول العربية لم تستطع ان تدير علاقاتها مع امريكا بمرونة وذكاء بحيث يمكنها التأثير على صنّاع القرار في واشنطن فدول المواجهة العربية مثلا ركزت على وسيلة واحدة في مواجهتها للموقف الامريكي المساند لاسرائيل, على الرغم من وجود وسائل متعددة كان يتعين اللجوء اليها معا في نفس الوقت. فقي فترة من الفترات كانت دول المواجهة الهامة تركز على اسلوب الصدام مع امريكا, كان ذلك أبّان الحرب الباردة التي كانت تتيح للدول العربية هامشا واسعا للمناورة, وتقيد في نفس الوقت حرية امريكا في الحركة على المسرح الدولي. ثم جاءت فترة اخرى حتى قبل انتهاء الحرب الباردة سلمت فيها الدول العربية كل اوراق اللعبة للولايات المتحدة, على امل ان يؤدي ذلك الى تعديل موقف واشنطن من الصراع العربي الاسرائيلي. وفي هذه الحقبة التي انحسر فيها المد القومي العربي, تخلت الدول العربية عن اسلوب الصدام مع الولايات المتحدة, وركزت فقط على مجاملتها والانصياع لمطالبها. وكان ان استغلت الولايات المتحدة هذا التهافت العربي, في الضغط على الدول العربية وابتزازها لصالح اسرائيل. والواقع ان الدول العربية كانت تستطيع ان تدير مواجهتها مع الولايات المتحدة بطريقة اكثر ذكاء, وان تستخدم مجموعة وسائل في وقت واحد, بما يكفل التأثير في السياسة الامريكية. ويمكن ان نشير الى بعض هذه الوسائل فيما يلي: اولا: التعامل مع الولايات المتحدة بلغة المصالح فالمعروف ان مصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط مع العرب. العرب لديهم البترول. والدول العربية تمثل سوقا واسعة للسلع الامريكية, كما ان مشاريع التنمية العربية هي كعكة غنية بالنسبة للشركات الامريكية الكبرى, انها مصالح على جانب كبير من الاهمية, ويمكن ان يكون لها تأثير قوي لو أحسنا استخدامها ولكن العرب لم تحاول استخدام هذه المصالح للتأثير في السياسة الامريكية الا مرة واحدة عندما استخدمت سلاح الضغط اثناء حرب اكتوبر. ونبادر فنقول ان استخدام سلاح النفط قد يكون صعبا او مستحيلا في الوقت الحالي. ولكننا نستطيع ان نقاطع السلع الامريكية كلها او بعضها, كما نستطيع ان نحرم الشركات الامريكية من المشاركة في مشاريع التنمية العربية. وهاتان الخطوتان يمكن ان ترفعا الشركات الامريكية الكبرى التي ستتأثر مصالحها الى الضغط على الادارة الامريكية لتغيير سياستها. ومن الممكن اتخاذ مبادرات في اطار هاتين الخطوتين من جانب الحكومات او من الجمعيات الاهلية. ثانيا: توثيق العلاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية مع قوى اخرى على الساحة العالمية, مثل الاتحاد الاوروبي واليابان وروسيا. مثل هذه الخطوة ستوضح للولايات المتحدة اننا ليس محكوما علينا نحن ان نتعامل معها وحدها, او حتى ان تكون اغلبية معاملاتنا معها, واننا نستطيع ان نتعامل مع قوى اخرى تحترم مصالحنا, مادامت امريكا تتجاهل هذه المصالح. ثالثا: الاهتمام بالرأي العام الامريكي من خلال عدة اساليب: مساندة ودعم منظمات الامريكيين من اصل عربي التي بدأت تنشط وسط الشعب الامريكي. إرسال برقيات تأييد لأية شخصية امريكية تؤيد الحقوق العربية, وبرقيات استنكار لأنصار اسرائيل والمعادين للعرب ان تقوم احدى الجهات العربية (الجامعة العربية مثلا) بإصدار ملفات مدعمة بالصور عن جرائم اسرائيل, مثل جرائمها اثناء غزوها للبنان ومذبحة قانا, وقيام الجنود الاسرائيليين بتكسير عظام الاطفال الفلسطينيين. هذه الملفات يتم ارسالها الى اعضاء البرلمانات في الدول الغربية, بما في ذلك امريكا, والى اعضاء النقابات والاتحادات والى الجامعات, قد يكون مصير هذه الملفات الاهمال مرة او مرتين. ولكن تكرار ارسالها في مناسبات معينة مثلا سيجعلها بالتأكيد موضع اهتمام. وسيحدث التأثير المطلوب. وليكن شعارنا هنا هو اننا لا ينبغي ان تترك الرأي العام الامريكي ساحة مباحة لجماعات الضغط الصهيونية وحدها, بل يجب ان نسعى بكل الوسائل الى كسب تعاطف الشعب الامريكي, او على الاقل تحييده. لو اننا استخدمنا هذه الاساليب معا في وقت واحد, فمن المؤكد اننا سنصل الى التأثير على صناع القرار في واشنطن, خاصة وان كتّابا امريكيين لهم وزنهم بدأوا يغيرون مواقفهم تجاه صراع الشرق الاوسط بسبب سياسة اسرائيل المعادية للسلام.