جوهر المشكلة هو انحياز واشنطن الهستيري لاسرائيل . قد تكون مساحة التفاؤل محدودة, ولكنها تستحق المحاولة. الاصوات والاموال اليهودية تشوه الانتماء الوطني في امريكا. كيف يستطيع العرب اقناع واشنطن بعدم الاستخفاف بردود فعلهم؟ هناك رغبة صادقة لدى العرب في التوصل الى صيغة معقولة تصلح الخلل الراهن في السياسة الامريكية ازاء الشرق الاوسط. ... ونتساءل كيف تغامر امريكا بمصداقيتها العالمية, فلا تجد في الجمعية العامة للامم المتحدة من يؤيد انحيازها لاسرائيل سوى دولتين صغيرتين جدا, لا وجود لهما تقريبا على الخريطة؟ الالتزام الاخلاقي بأمن اسرائيل يصبح غير اخلاقي بالمرة عندما يعنى مساعدة اسرائيل على العدوان والتوسع على حساب الاراضي العربية. بادئ ذي بدء ينبغي الاعتراف بان العلاقات العربية الامريكية تمر حاليا بمنعطف متزايد البرودة. واذا كان هذا البرود غير ظاهر على حقيقته على الصعيد الرسمي المحكوم باعتبارات عديدة دبلوماسية وغير دبلوماسية الا انه واضح جدا على المستوى الشعبي, حيث انهارت مصداقية الولايات المتحدة الامريكية في الشارع العربي الى الحقيقة, الامر الذي لابد ان يؤثر في النهاية بالسلب على الموقف الرسمي الذي لا يستطيع ان يتجاهل مشاعر الرأي العام الى اجل غير مسمى. ومثل هذا الوضع لا فلاح له الا بحوار صريح يشخّص الداء, ويلتمس السبيل الى الدواء. فباستثناء اللوبي الصهيوني في امريكا لن تجد مصلحة لأحد هنا او هناك في استفحال حالة العداء بين الشعوب العربية والادارة الامريكية. فالمصالح المشتركة بين الطرفين تحتم التوصل الى صيغة متفق عليها لاعادة بناء الثقة, ثم الانتقال بعد ذلك الى جهد مرسوم لتوسيع آفاق التفاهم والتعاون من اجل تهيئة الاجواء لمزيد من المنافع المتبادلة وحماية العلاقات العربية الامريكية من التعرض للاهتزاز وعدم الاستقرار على اسس واضحة من الاحترام والتكافؤ والرغبة المشتركة في تنمية الروابط والصلات بين شعوب هذه المنطقة, والولايات المتحدة باعتبارها القطب الأوحد المعترف به في العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط القطب السوفييتي المناهض, وخروجه المدوى من قائمة الحسابات. وبالرغم من ان السياسة الامريكية ازاء الشرق الاوسط تتسم بقدر غير معقول من الاستفزاز والعداء للعرب, الا اننا لازلنا نعتقد ان الحوار على نار هادئة قد يتيح فرصة اخيرة لإصلاح ما فسد, من اجل المصلحة المشتركة للطرفين. فمن وجهة نظر العرب, ورغم كل استيائهم بل غضبهم من سياسات الولايات المتحدة ازاءهم, فانهم لا يتجاهلون مصالحها الاستراتيجية في هذه المنطقة, وفي مقدمتها تأمين موارد النفط وطرق مواصلاته, وتوفير افضل الظروف لانسياب السلع والتبادل التجاري والاستثمارات والمنافع الاقتصادية عبر المنطقة ومنها وإليها.. باختصار, ليس لدى العرب موقف, اصيل معاد للمصالح الامريكية, طالما هذه المصالح لا تمس استقلالهم الوطني وامنهم القومي. وهنا بالذات بيت القصيد. فالهدف من الحوار العربي الامريكي ليس تصويب الموقف العربي من الولايات المتحدة لانه في الاصل لم ينبت من ارضية معادية للمصالح الامريكية.. وانما الهدف هو اعادة السياسة الامريكية الى جادة الصواب, وانقاذها من الخلل الضار بالمصالح العربية والامريكية على حد سواء. وما من شك في ان هناك قضايا عاجلة تستحق الحوار, مثل قضية الحصار الظالم ضد ليبيا بسبب مشكلة طائرة لوكيربي, وعجز الادارة الامريكية او بمعنى اصح امتناعها عن التمييز بين النظام العراقي المسؤول عن جريمة غزو الكويت, وبالتالي تهديد المصالح النفطية في صميمها, والشعب العراقي اطفاله وشيوخه ونساءه, الذين يعانون الامرين, من عنت النظام وجبروته من جانب, والعقوبات التي يتحمل نتائجها وحده من الجانب الآخر.. غير ان جذر المشاكل كلها بين العرب وامريكا انما يكمن في جوهره في عقدة واحدة, اذا تخلت استرخت كل خيوط التوتر, وانفتحت الابواب من اجل علاقات طبيعية مبشرة بين الطرفين. ذلك هو الانحياز الامريكي غير المنطقي بالمرة لاسرائيل.. ونقول غير المنطقي بالمرة لانه لا يوجد سبب كبير او صغير يبرر هذا الانحياز. ربما كان مفهوما لفترة ما, ان هذا الانحياز الصارخ لاسرائيل كان مرجعه ان صانعي السياسة الامريكية واعتبروا اسرائيل خطهم الامامي في مكافحتهم للاتحاد السوفييتي والزحف الشيوعي, او كما كانوا يصفونها حاملة الطائرات الثابتة في شرق البحر الابيض المتوسط, ولكن الاتحاد السوفييتي زال وتبدد مثل قبضة ريح, وخطى الزحف الشيوعي لم يعد له وجود. وحتى لو تصورنا جدلا ان بعض مبررات هذا الانحياز الفاضح لاسرائيل انما ترجع الى اعتبارها لدى الصقور الامريكية اداة القمع الكفيلة بتأديب اي تطرف عربي يشكل تهديدا لمصالحهم بالمنطقة, فان هذا المبرر سقط تماما اثناء حرب تحرير الكويت.. حيث كان واضحا ان الادارة الامريكية تدرك عن يقين ان مجرد تدخل اسرائيل ولو ردا على الصواريخ العراقية التي سقطت على بعض قراها كان كفيلا بإفساد الخطة الامريكية من اساسها, وتحويل الحرب الى غير غايتها. اذن فما هو المبرر لاستمرار الانحياز الامريكي الهستيري لاسرائيل. الحجة التي يرددها الامريكيون هي ان هناك التزاما موثقا من الادارة الامريكية منذ ايام الرئيس ترومان بالحفاظ على امن اسرائيل ضد اي تهديد عربي, وان هذا الالتزام تجدد في عهود ايزنهاور وجونسون ونيكسون كيسنجر, وكارتر وريجان.. الخ.. غير ان هذه الحجة مردودة, لاكثر من سبب. اولا لأن هناك التزامات امريكية كثيرة اخرى لم تحترمها امريكا, ومنها التزامها المشترك مع بريطانيا وفرنسا بالحفاظ على الوضع القائم عقب اتفاقيات الهدنة عام 1949 وعدم السماح بأي تغيير في اوضاع الاراضي المحتلة, وبالذات في مدينة القدس.. ثم ان الالتزام بأمن اسرائيل شتى, ومساعدتها على العدوان واستمرار احتلالها للارض التي اغتصبتها نتيجة العدوان شتى آخر.. ولقد سبق ان ادرك الرئيس الامريكي الاسبق ايزنهاور هذه الحقيقة عندما امتنع عن مساندة الاسرائيليين حينما احتلوا شبه جزيرة سيناء عام 1956, واجبرهم على الانسحاب.. لا يبقى اذن سوى سبب واحد, هو ان القرار الامريكي خاضع في النهاية لاملاء اللوبي الصهيوني الذي يستمد قوته من وزنه الانتخابي سواء في انتخابات الكونجرس او الرئاسة.. وهو وزن له ثقله, سواء من حيث مدى الاصوات, او حجم التبرعات لصالح هذا المرشح او ذاك. وهذا السبب شديد الخطورة ليس فقط بالنسبة لأثره على الحق العربي.. وانما ايضا بل هذا هو الاهم على المصالح الحقيقية للولايات المتحدة الامريكية حيث تصبح عملية صنع القرار السياسي في يد قوى تضع مصلحة اسرائيل اولا وقبل كل شيء من قبل مصلحة امريكا, وقبل اية اعتبارات اخرى.. ولنتأمل مثلا موقف امريكا بالجمعية العامة للأمم المتحدة عند التصويت على اقتراح رفع مستوى التمثيل الفلسطيني بالمنظمة الدولية.. وهنا ينبغي ملاحظة ان هذا الموقف اتخذ اثناء وجود مؤشرات تدل على تزايد مساحة الخلاف بين الادارة الامريكية وحكومة نتانياهو, وبعد ايام قليلة من تطاول رئيس الوزراء الاسرائيلي على الرئيس الامريكي كلينتون واعلانه على شاشة التليفزيون الامريكي ان سوف يقلب الدنيا على رأس الادارة الامريكية ما لم تتراجع عند اقتراحها الاخير بشأن الانسحاب من 13,1 بالمائة من الضفة الغربية.. فقد صوتت امريكا ضد قرار الامم المتحدة, ولم يصوت معها سوى اسرائيل وهذا طبيعي ودولتين هامشيتين لا وجود لهما تقريبا على الخريطة واحدة اسمها ميكرونيزيا. والثانية اسمها جزر مارشال.. واقرت الاغلبية الساحقة مستوى التمثيل الفلسطيني. ولاشك ان التصويت بهذا الشكل يعتبر ضربة قاسية لمكانة الولايات المتحدة وهيبتها على الصعيد الدولي.. وكان بوسع المندوب الامريكي الامتناع عن التصويت وهذا اضعف الايمان. ولعله يكون رسالة موجهة لاسرائيل وهي تصعد خلافاتها الظاهرية مع واشنطن, ولكنه لم يفعل, وكأنها تريد امريكا ان تبلغ العرب, والعالم كله, ان انحيازها الصارخ لاسرائيل مسألة مفروغ منها.. وان كل ما هو عدا ذلك قشور سائرة الى زوال.. وهذا صحيح.. يقول الكاتب الامريكي مايكل سابا في كتابه (شبكة ارماجيدون) ان القاعدة الاساسية التي تحكم سياسة الادارة الامريكية في الشرق الاوسط هي انه (ما في مصلحة اسرائيل, يحقق مصلحة اولية للولايات المتحدة) . وقد لا يكون هذا هو المجال المناسب لمناقشة مدى صحة هذه القاعدة ولكنه الامر الواقع يقول ان هذه القاعدة موجودة, وسائدة, وستظل لفترة طويلة او قصيرة هي الفيصل في اي قرار عملي تتخذه الادارة الامريكية ازاء تطورات الصراع العربي الاسرائيلي, حربا, او سلاما.. وهذه هي النقطة المركزية في الحوار العربي الامريكي, فلا يمكن تصور اية نتائج ايجابية لاي حوار من هذا النوع, الا اذا كان لدى ممثلى الادارة الامريكية استعداد صادق للتخلى عن تلك القاعدة الغريبة في مفاهيمها السياسة الامريكية وتدابيرها.. والمضادة في النهاية لمصالحها. ولكن كيف يمكن ان يقتنع اطراف الحوار الامريكيون بهذه الحقيقة.. الا وهي ان استمرار الانحياز الامريكي لاسرائيل على هذا النحو يمكن ان يشكل ضررا بينّا بمصالحها؟ هنا يتعين علينا ان ندرك بعدا آخر للموقف الامريكي.. ذلك ان سياستهم في الشرق الاوسط, اما تقوم في اساسها على استخفافهم برد الفعل العربي.. فما دام العرب في رأي واشنطن عاجزين عن اي رد فعل عملي, فما الداعي لاستفزاز ردود افعال اسرائيل وبالتالي اللوبي الصهيوني, بكل ما لديه من اموال, واصوات, واجهزة دعاية؟ وهنا نصل الى نتيجة منطقية صائبة.. تلك هي ان الحوار العربي الامريكي لن تكون له جدوى او محصلة مرضية ما لم يكن مصحوبا بارادة عربية حازمة تزيل الأوهام الامريكية ــ الاسرائيلية حول العجز العربي.. ان القضية التي يتناولها المحاور العربي عادلة ومستندة بشكل لا مريّة فيه ولا شبهة الى الشرعية الدولية, ومواثيق الامم المتحدة, واهم من كل ذلك اتفاقها مع المصالح الحقيقية للولايات المتحدة الامريكية, ومع ضرورة الحفاظ على الاستقرار, والامن والسلام.. ومع ذلك, فان مساحة التفاؤل بالنتائج التي يمكن ان يسفر عنها هذا الحوار المأمول ليست واسعة الا انها في نفس الوقت تستحق المحاولة.. انطلاقا من بديهية تقول انه لا يمكن لدولة عظمى تتصدى لقيادة العالم باعتبارها القطب الاقوى والاعظم والاوحد ان تتنازل عن سيادتها وارادتها الحرة في اتخاذ القرار الذي يوافق مصالحها لكي تمليه عليها جماعات او منظمات تضع ولاءها لدولة اخرى مهما كان شأنها قبل ولائها لبلدها. ومن الجانب الامريكي, قد يثير قضايا مفتعلة, مثل قضية الاقليات, وحقوق الانسان, وما الى ذلك وهي مفتعلة لانها غير حقيقية. وانما هي وسائل معروفة وقديمة للابتزاز والضغط السياسي وغنى عن البيان ان الحوار يصبح بلا معنى, اذا كان احد اطرافه يتعمد الاستفزاز والابتزاز.. ثم تبقى بعد ذلك حقيقة ان الحوار المطلوب بين العرب والولايات المتحدة ليس عملية مساومة بمعنى ماذا يأخذ هذا الطرف او ذاك وماذا يعطى في المقابل, وانما هدفه في النهاية تنقية الاجواء من اية شوائب كاذبة, والتركز على نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف الحقيقية دون تعصب او مجاملة تتوه معها الحقيقة وتتراكم تداعياتها حتى تنفجر. ان الهدف في النهاية هو تصحيح مسار السياسة الامريكية حتى لا تؤدي في النهاية الى مسار مسدود خاسر للطرفين.. وبحيث تساعد عمليا على فتح نوافذ للهواء الصحي من اجل وضع اسس اكثر متانة وصلابة لسلام دائم وعادل في الشرق الاوسط.. وهذا في مصلحة امريكا.. مثلما هو في مصلحة العرب..