بات الحديث العربي عن عدم تفهم الولايات المتحدة الدائم للمطالب العربية المشروعة جزئ ثابت من الخطاب العربي المعاصر الموجه للداخل والخارج معا . وقد اضافت الشكوى العربية الدائمة من انحياز الولايات المتحدة الكامل لاسرائيل وعدم قيامها بواجبات الشريك المحايد والنزيه في عملية التسوية المتعثرة في الشرق الاوسط مبررات اخرى عمقت من فقدان الثقة في السياسات الامريكية في المنطقة. وقد تعددت الاسباب التي رددها المثقفون والسياسيون العرب حول دوافع هذا الانحياز وتركزت في معظمها حول هيمنة اللوبي الصهيوني على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بجانب تأثيره الهائل على الاعلام المرئي والمكتوب على السواء. من ناحية اخرى فقد اعترف الجانب العربي بتقصيره في ايصال رسالته السياسية والاعلامية للمواطن الامريكي بقلم ــ عمرو الشوبكي،باحث مصري واعترف ببعض جوانب القصور في هذه الرسالة... ولكنه في نفس الوقت لم يتساءل عن الاسباب الحقيقية والعميقة وراء هذا القصور. (الحالة العربية) والاعلام الامريكي: من الصعب القول ان العرب نجحوا في فهم المجتمعات الغربية بشكل عام والمجتمع الامريكي بشكل خاص وبالتالي لم تنجح معظم محاولاتهم في ايصال رسالة مؤثرة ومستمرة الى داخل هذه المجتمعات. ورغم ان العرب في صراعهم مع اسرائيل طوال نصف قرن من الزمان لم يكونوا في اي مرحلة من مراحله هم الطرف المهاجم والمعتدي انما كانوا دائما ضحايا الاعتداء الصهيوني على الارض العربية. ومع ذلك عجزنا في اي مرحلة من مراحل هذا الصراع ان تنسج صورة صحيحة عن انفسنا, باعتبارنا اصحاب حق وضحايا واعتداءات وحشية علينا. بالمقابل فقد نجحت اسرائيل في قلب صورة الجرائم التي ارتكبتها في ارض الواقع العملي ونجحت في ترويج صورة مزيفة عن نفسها في الاعلام الامريكي فظهرت وكأنها ضحية الاعتداءات العربية, وانها واحة الديمقراطية في صحراء قاحلة ممتلئة بالعرب الراغبين في افتراسها. ورغم ان الواقع العملي كان مخالفا تماما لهذه الدعايات الا ان الغريب ان صورة العرب في الاعلام الامريكي ظلت اسوأ بكثير ــ وبصورة لا تقارن ــ من اسوأ صورة اعلامية عرفتها اسرائيل اي اثناء كل من القمع الصهيوني للانتفاضة والسياسات المتعصبة لنتانياهو ولم يظهر العرب في الاعلام الغربي بشكل عام والامريكي بشكل خاص بصورة ايجابية الا نادرا. ولعل مفارقة هذا الانحياز يأتي من كونه قد جاء في ظل صراع من الصعب ان نقول ان هناك مسؤولية مشتركة في اشتعاله او ان هناك اعتداءات متبادلة بين اطرافه تحتمل اختلاف وجهات النظر, انما نحن في الحقيقة امام شعب طرد من ارضه تحت حجج واساطير واهية, وامام مسلسل صهيوني من العنف والاجرام بدأ منذ الحرب العالمية الاولى ولم ينته بعد, ومع ذلك صور المعتدي في صورة المعتدي عليه وصور الاخير كأنه معتدي, وتلك في الحقيقة اخطر واسوأ ما في المعالجة الاعلامية الامريكية للصراع وايضا اسوأ ما في الموقف الرسمي الامريكي بالمعنى السياسي والاخلاقي معا. ومن هنا سنجد ان من الصعب علينا ان نقارن هذا الموقف الامريكي من العالم العربي بشكل عام ومن الصراع العربي الاسرائيلي بشكل خاص باي موقف يمكن ان يتخذه هذا الاعلام من اي صراع اخر شهده العالم طوال هذا النصف قرن, صحيح ان الصراع المسلح بين امريكا وفيتنام مثلا قد ادى الى خلق صور ومواقف عدائية عميقة من قبل الاعلام الامريكي تجاه الشعب الفيتنامي و(امبراطورية الشر) التي تدعمه الا ان هذا كان مفهوما بسبب الحرب الدائرة بين الجانبين وايضا بسبب اجواء الحرب الباردة التي دارت بين الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة اخرى. ومع انتهاء هذا الصراع تراجعت الى حد كبير تلك الصورة النمطية التي راجت في الاعلام الامريكي عن الشعب الفيتنامي. ولم ينسحب هذا المنطق ايضا على الحالة العربية التي لم تشهد في اي مرحلة من مراحلها صراعا مباشرا مع الولايات المتحدة ومع ذلك ظل هناك موقف امريكي (دفين) من العرب ومن القضايا العربية... فهل هذا ايضا يحتاج الى تفسير جديد اكثر عمقا من الحديث مما هو رائج وصحيح ايضا والمتمثل في غياب الدعاية العربية المضادة او هيمنة اللوبي الصهيوني؟؟ فهم أمريكا: من الصعب اذن ان نقصر ازمة العلاقات العربية الامريكية على مسألة الصورة السيئة التي يقدمها الاعلام الامريكي عن العرب. فهذه الصورة لا ترجع الى اختراع الامريكيين غالبا لأحداث لا علاقة لها بأرض الواقع بقدر ما ترجع الى وجود موقف ثقافي وتاريخي مسبق لدى الاعلام الغربي بشكل عام والاعلام الامريكي بشكل خاص من العرب والاسلام كحضارة وتاريخ مختلف عن النموذج الحضاري الغربي. فهناك اتجاه عام داخل الاعلام الامريكي الى النظر الى الاسلام باعتباره مرادف للعنف والتطرف لا عن طريق اختراع حوادث غير حقيقية انما بالتركيز على حوادث بعينها تجرى على ارض الواقع وتجاهل احداث اخرى. ومن هنا يمكن ان نتهم الاعلام الامريكي بانه اعلام منحاز لا يبذل اي جهد تقريبا من اجل تغيير ما في اذهان المواطن الغربي عن العرب او عن الاسلام, ولكننا من الصعب ان نعتبر انه اعلام قائم على التزوير والكذب. ولكن يظل السؤال الاساسي بلا اجابة: لماذا يركز الاعلام الغربي على المظاهر السلبية في الواقع والتاريخ العربي دون ادنى اشارة لاي ايجابيات؟؟ في الحقيقة فان مشكلة الخطاب الاعلامي والسياسي الامريكي المعاصر يرجع الى انه يأتي متسقا مع الموقف الثقافي السلبي للمجتمع الامريكي من العرب والمسلمين بل وباقي الثقافات الاخرى الواقعة خارج نطاق المنطقة الحضارية الغربية. فمنظومة قيم المواطن الامريكي تتشكل في البداية من محيطه العائلي والمدرسي وليس من الرسالة الايديولوجية لنخبته السياسية والاعلامية. فمثلا باستثناء كتاب التاريخ للصف الخامس الابتدائي في معظم الولايات المتحدة الكبرى في الولايات المتحدة والذي يحتوي على بعض الاشارات المتعلقة بالحضارات الاخرى ومنها الحضارة العربية الاسلامية فاننا لا نجد تقريبا طوال سنوات دراسة الطالب الامريكي من الحضانة الى الجامعة ما يفيد ان العرب قدموا للإنسانية فلاسفة كبار وعلماء رياضيات عظام, بجانب عدد لا يحصى من الشعراء والأدباء والمعماريين. ولعل هذه التنشئة الاجتماعية وهذا المحيط الثقافي هما اللذان يؤثران بشكل اساسي في تشكيل وعي المواطن الامريكي تجاه العرب وليس مجرد اذاعة خبر هنا او هناك, بمعنى اخر فان هذا (الوعاء الثقافي) هو الذي يفرق بين رد فعل المواطن الامريكي تجاه موت مواطن اسرائيلي, وموت عشرات المصلين العرب في الخليل, وهو ايضا الذي يفرق بين ثقته في قدرات حليفه البريطاني في (السيطرة العقلانية) على حوادث العنف المتفرقة التي تجري في ايرلندا, وعدم ثقته في قدرة المصري في السيطرة على بعض حوادث العنف التي تجري على ارض الكنانة. ومن هنا تصبح لكثير من القضايا السياسية الطافية على سطح العلاقات العربية ـ الامريكية جذر ثقافي, وهو ما تجاهلناه لفترة طويلة, او بالأحرى اكتفينا وفي احسن الاحوال بالاعتراف بوجوده, وعجزنا عن التعامل معه بوسائل عملية وعلمية جديدة تتجاوز خطاب الإدانة الشامل للتحيزات الثقافية والسياسية الموجودة على الساحة الامريكية. اللوبي العربي: بلا شك قد يكون فهمنا لوجود ازمة ثقافية بين العرب والمجتمع الامريكي مدخلا لادارة معركة طويلة المدى مع هذا المجتمع بنخبته السياسية والاعلامية من اجل محاولة تصحيح تلك الصورة السلبية والنمطية التي يحملها المواطن الامريكي منذ صغره عن (الآخر) بشكل عام و(الآخر) العربي بشكل خاص. هذه المعركة لا يجب ان تقتصر على (الناتج النهائي) لتلك التحيزات الثقافية المتمثلة في المعالجات الاعلامية او في التحيزات السياسية كما نفعل الآن حين يقتصر رد فعلنا على الهجوم على تلك التحيزات الامريكية وصراخنا بشكل يومي من انحياز امريكا وسيطرة اللوبي الصهيوني على معظم دوائر صنع القرار هناك. وفي الحقيقة فان مواجهة التربة الثقافية والاجتماعية التي انتجت هذا التحيز ستعني في الحقيقة الاعتماد على (وسائط) تتقاطع في تكوينها ولو جزئيا مع هذه التربة. هذه الوسائط تتمثل اساسا في العرب الامريكيين الذين لازال معظمهم على ولائه لجذوره العربية القديمة, وفي نفس الوقت يحمل بعض جوانب الثقافة الامريكية وقادر على التفاعل معها وايضا على التأثير فيها.. فمهما انفق العرب من مليارات الدولارات على نشاطهم الاعلامي والاقتصادي في الولايات المتحدة فسيظل هناك عائق كبير امام العرب الذين لا يعرفون المجتمع الامريكي ثقافيا وحضاريا على التأثير السياسي فيه مهما بلغ حجم نشاطهم الاقتصادي والتجاري هناك. ومن هنا يصبح هناك دور كبير للعرب الامريكيين في التأثير داخل المجتمع الامريكي وهذا لن يتم الا اذا بدأنا اولا في تجسير الفجوة الموجودة بيننا وبين هؤلاء وخلقنا علاقة متينة معهم, وهذا لن يحدث ايضا الا اذا اعترفنا ثانيا بأنهم ليسوا نسخة كربونية منا وان نجاح هذه العلاقة المتينة سيتطلب اساسا احترام الخلاف واحترام خصوصية كل طرف هذا المدخل سيعني في الحقيقة اننا لسنا فقط امام بدايات تشكيل لوبي عربي جديد انما ايضا فهم جديد للمجتمع الامريكي قائم اساسا على محاولة التأثير فيه من داخله ومن قلب تناقضاته وليس من خارجه وبلغة مختلفة عن منطقه وبالتالي او بالنتيجة عاجزة عن التأثير فيه. فالاعتماد في الحقيقة على العرب الامريكيين بشكل اساسي وليس بالطبع وحيد في التأثير على صنع القرار في الولايات المتحدة هو بالطبع عملية طويلة ومعقدة. فلكي نصل الى هذا الهدف علينا اولا ان نبدأ بمواجهة تلك الصورة النمطية السائدة عن العرب والراجعة في جزء اساسي منها الى عملية التنشئة الثقافية والسياسية المعادية من الاساس للعرب. وهنا يأتي دور اللوبي العربي (قيد الإنشاء) في مواجهة هذه الصورة وذلك بخلق اخرى اكثر ايجابية تعتمد على وجود عرب هم بحكم الواقع والطبيعة جزء من المجتمع الامريكي. من ناحية اخرى فاننا من الصعب ان نتصور ان هذا اللوبي قادر على حل جميع المشكلات العالقة بيننا وبين الولايات المتحدة بقدر ما انه قادر على خلق تربة ثقافية وسياسية جديدة ومواتية للتفاعل السياسي العربي الامريكي. وهنا ايضا يأتي دور النخب العربية في ادارة علاقة سياسية جديدة مع الولايات المتحدة تسعى لاستثمار كل اوراق الضغط الممكنة للتأثير في صانع القرار الامريكي وايضا تستفيد من البيئة الجديدة التي يمكن ان يخلقها وجود لوبي عربي فعال في الحياة السياسية والاجتماعية الامريكية. ومن هنا فنحن في الحقيقة نحتاج لجهد طويل المدى يهتم بالكليات وسيكون قادر على جني ثماره بعد فترة طويلة, وهنا يكمن اساسا دور اللوبي العربي ــ الامريكي. كما اننا ايضا بحاجة الى جهد آخر هو جهد النخبة العربية من أجل أن تعيد النظر في طريقة ادارتها للمعارك الآتية والتفصيلية مع النخبة الأمريكية وذلك بالاهتمام ببدائل استراتيجية طويلة المدى لن ينجح في القيام بها إلا (تحالف) بين عرب الداخل والخارج.