اذا اعلن رئيس وزراء اسرائيل يوما ان الارض مسطحة فسيصدر الكونجرس الامريكي خلال 24 ساعة بيانا يهنئه فيه على هذا الاكتشاف. هذه عبارة يتندر بها البعض في وزارة الخارجية الامريكية على مدى تبعية الكونجرس لاسرائيل . واذا كان الحديث عن التحيز الامريكي لاسرائيل قديم قدم الدولة العبرية ذاتها, وملأ مجلدات, ولا يمكن تقديم الجديد بشأن في هذا الحيز الضيق فان السؤال ينصرف الى ابعاد العجز العربي في تحييد الولايات المتحدة ان لم يكن كسبها, باعتبار ان هذا المطلب الاخير خيالي ويعبر عن عدم فهم للعلاقة الاستراتيجية التي تربط واشنطن وتل ابيب. فمنذ ان بدأت الولايات المتحدة تحوذ ارث الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة عقب الحرب العالمية الثانية, وهي تتمتع بعلاقات جيدة في شكلها العام مع اغلب الدول الغربية باستثناء مصر التي توترت علاقاتهما معا بسبب توجهات السياسة المصرية عقب ثورة يوليو. وكان العنصر الحاكم ومازال لمسيرة العلاقات العربية الامريكية هو النفط. وعلى هذا تمثلت اهداف السياسة الامريكية التقليدية في المنطقة على مدى الحقب الاربعة الماضية منذ الخمسينات حتى نهاية الثمانينات في ثلاث هي: الحفاظ على امن اسرائيل الحفاظ على تدفق النفط العربي حماية المنطقة من الوقوع فيما سمى بــ (براثن) الخطر الشيوعي. ومع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق في بداية التسعينات انحصرت اهداف السياسة الامريكية في الهدفين الاولين محققة نجاحا منقطع النظير.. فلم يعد امن اسرائيل مهددا بل على العكس اصبح لاسرائيل اليد الطولي في المنطقة وتملك القدرة على تهديد كل جيرانها, اما النفط فلم يعد سلاحا كما كان التصور عنه في الماضي, حيث ان الفائض منه يغرق الاسواق ما ادى الى هبوط سعره بشكل ماتزال الاوبك غير قادرة على تحقيق هدف رفعه. هل يفسر هذا جانبا من الاخفاق العربي في التأثير على مجريات السياسة الامريكية خاصة اذا اضعنا غياب تأثير الاتحاد السوفييتي الذي تحلل, والذي كان يمثل عنصر توازن في السياسة الدولية؟ من المؤكد ان قدرا كبيرا من الاخفاق يعود الى هذه العوامل, غير انه لا يصح ان نركن الى ذلك في تبرير تلك الحالة من العجز والتي وصلت الى مدى غير مقبول. وهو امر تشير اليه نظرة الى تطورات المفاوضات العبرية مع اسرائيل. لقد وصلت المفاوضات الى طريق لا يكفي في وصفه تعبير (مسدود) .. في ظل حالة من الاحساس بالعدمية العربية, وتعليق كل الآمال على ضغط امريكي على حكومة الليكود... وهو ما قوضته الادارة الامريكية بالاعلان عن توجهها للتخلى عن تدخلها او ينفض يديها من عملية السلام. والسؤال المنطقى الذي من الطبيعي ان يفرض نفسه: وماذا بعد؟ الآمال المعلقة على واشنطن انتهت.. فما هي الخطوة المقبلة؟ دون تفصيل وفي عبارات عامة نشير الى ان اقتصاد التأثير العربي على السياسة الامريكية هو مظهر من مظاهر ازمة العمل العربي المشترك, وتعبير عن غياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة للتعامل مع الآخر بغض النظر عن طبيعة هذا الآخر. وفي تحديد اسباب غياب هذه الرؤية قد تتعدد الاجتهادات غير أنه يأتي على رأسها تغليب المصلحة القطرية, بمعنى ان اغلب الاقطار العبرية تكون حريصة على مصلحتها بشكل اساسي حتى لو اقتضى ذلك اغفال او الاضرار بمصلحة طرف عربي اخر, الى جانب شخصية الحكم وهو ما ينعكس في غياب الطابع المواساتي عن سياسة الدولة بما يستقبله من تأثيرات على السياسة الخارجية فضلا عن انحسار مظاهر الديمقراطية, وهو ما يعزز في النهاية سياسات يغيب عنها الحرص على المصلحة القومية. هذه محاولة لوضع العلاقات العربية مع الولايات المتحدة في اطارها الأشمل وهي تعتمد اسبابا عامة لاشك ان هناك تفصيلات كثيرة يمكن ان تقدم من خلالها, غير أنه يبقى ان اي مسعى لتفعيل العمل العربي في الواقع الدولي انما يتطلب البدء بعلاج مظاهر الخلل في بنية النظام العربي ذاته... دون ذلك لا يمكن ان تأمل في علاقات خارجية ناجحة.. او اوضاع داخلية مستقرة.