الوصول الى الرأي العام الامريكي خطوة بالغة التعقيد نحتاج قبلها الى خطوات اكثر أهمية . الأموال العربية محدودة ولننسى اسطورة الغنى والفوائض انتهت بالحروب وشراء الاسلحة والفساد المالي. قال الدكتور علي فخرو سفير دولة البحرين في فرنسا اننا يجب الا نعطي اهتماما فوق العادة لما يعتقده الرأي العام الامريكي بالنسبة لنا. ذلك انه في اعتقادي ان هذه الخطوة يجب ان تسبقها خطوات. أدل هذه الخطوات تتعلق بقوتنا وتضامننا وتوحيد مواقفنا ومعرفة ماذا نريد.. واغتنام الفرص, حتى الرأي العام الغربي ان كان معنا لن يفيدنا اذا لم نقم بواجبنا تجاه انفسنا, هذه حقيقة يجب ألاّ نغالط فيها, حيث نبقى متفرقين في الارض العربية, تقف دولنا ضد بعضها البعض وتعمل بعض دولنا وراء الدول الاخرى, ونتعامل مع القضية الفلسطينية دون ان يعرف احد. ثم تخرج بمفاجأة كبرى هي مفاجأة اوسلو او مفاجأة الاردن او مفاجأة كامب ديفيد او غيرها. ثم بعد ذلك نطلب من العالم ان تكون مواقفه تجاهنا غير المواقف التي يقفها. فهذا في اعتقادي مبدأ خاطئ. وقال د. فخرو الذي زار البلاد مؤخرا منتقدا المواقف العربية. بأن هذه الدول لا تجتمع على شيء وان القمة العربية التي يدعو البعض اليها لا تتحقق ولو انقلبت الدنيا او قعدت رغم تشابك الاحداث والقضايا البالغة الخطورة واذا ما اجتمعت لا تخرج بشيء. ثم بعد ذلك نعتقد ان الحل موجود في تغيير الرأي العام الامريكي فهذا خطأ ايضا. وذكر الدكتور فخرو في اطار اجابته حول قضية الحوار العربي ــ الامريكي وكيفية تطويره وفتح قنوات تتيح تغيير النظرة للعرب وتصحيح النظرة المغلوطة للرأي العام الامريكي تجاهنا بأن العلّة تكمن فينا نحن. حيث لا نتعاون اقتصاديا ثم نذهب الى موائد الغير نستجديهم مشيرا الى موقف المغرب العربي واستجدائه لاوروبا لكي تشتري البرتقال في حين ان الخليج العربي يشتري البرتقال من كاليفورنيا او استراليا. وقال: هذه القضايا قد تبدو بديهية ولكن المرض يكمن هنا في داخلنا قبل اي شيء اخر. وجدير بالملاحظة ان الدول المستقلة القوية قادرة على ان تحل مشاكلها بنفسها والاقاليم القادرة على حل مشاكلها بنفسها لا تستطيع قوى اخرى ان تتدخل فيها. فمثلا عندما تفشل كتلة ضخمة وبالغة الاهمية مثل الكتلة الاوروبية في حل مشكلة يوغسلافيا في البوسنة والهرسك وفي حل مشكلة كوسوفو. تترك فراغا لدولة مثل الولايات المتحدة لكي تأتي وتتدخل في شؤون اوروبا وتقوم بحّل المشكلة, اذن حتى الكتل القوية اذا كانت لا تعرف كيف تتعامل مع قضاياها ستتيح المجال لتدخل قوة اخرى وهي الولايات المتحدة الامريكية وعند ذلك سيقرر ما الذي سيحدث في البوسنة والهرسك او في كوسوفو هو الرأي العام الامريكي. اما اذا اردنا ألاّ يكون الرأي العام الامريكي هو المقرر لحياتنا. فيجب اولا ان نبدأ بأنفسنا ثم بعد ذلك نتوجه الى رصد الرأي العام الامريكي واحترامه لنا وعندما يحترمنا سيستمع الينا لنقولها بصراحة لا يوجد احترام عند الرأي العام الامريكي لما يسمى بالعالم العربي, فهو يرى ان اغلب الصدامات والصراعات والمشاكل والاغتيالات والذبح والسفك ينبع من منطقتنا فهذا الانسان الذي يسمع يوميا عن كل ذلك ولا يستطيع ان يعطي من وقته وقتا كافيا لكي يستمع الى ما نقوله وسيتجه احترامه الى الجهات الاخرى التي تعيش في هدوء وليست لديها مشاكل او عندما توجد لديها مشاكل لا تتجه الى حلها بالصراع الدموي والاضطرابات.. اذن نحن مطالبون بالانتباه لقضايانا قبل ان نتوجه للآخرين, وقبل ان نتحدث عن تغيير الرأي العام الامريكي علينا ان نغير الرأي العام العربي ـ الامريكي والعرب المسلمين المتواجدين في امريكا وعددهم كبير ومع ذلك فهم منقسمون ويتصرفون وكأنهم في صراعات بلادهم فاللبناني في عالمه والسوري كذلك والمصري في واد آخر. وبدلا من ان يتوحدوا ويتفقوا ويتصرفوا كتلة واحدة فهم متفرقين لا وزن لهم تجاه قضايا الامة العربية ولا حتى تجاه قضايا امريكا نفسها. ففي الانتخابات مثلا لا قيمة لأصواتهم ولا ينتبه لها المرشحون لأنهم ليسوا كتلة واحدة. فعلينا قبل ان نتوجه الى الامريكي نفسه ان نتوجه الى الامريكي العربي قبل كل شيء نشدّ به أزرنا ونستعين به. تماما كما فعل اليهود في اسرائيل عندما استعانوا الى ابعد الحدود باليهود في امريكا الذين اعانوهم من اجل السيطرة واختراق الرأي العام وتقديم وجهة نظرهم. اذن فالنقطة الهامة والبارزة هو مدى تعاون الامريكي العربي معنا. نحن بلاده الاصلية لكي يساعدنا في ذلك اما الوصول الى الرأي العام الامريكي نفسه فهو خطوة بالغة التعقيد خاصة وان الاعلام الامريكي كما نعلم واقع تحت سيطرة قوى معروفة ومحدودة لديها مالها وقوتها المادية وسطوتها الكبيرة وقدرتها على اختراق الاعلام اختراقا كبيرا جدا من قبل المؤسسات الصهيونية والافراد اليهود الامريكيين, فالاعلام هو المكوّن للرأي العام الامريكي واذا كان هذا الاعلام ليس بالحرية التي نتصورها. وانما بين يدي قوى صهيونية امريكية في الاساس. لذا فانه من اجل تغيير الرأي العام الامريكي لابد لنا من اعلام خاص بنا, وانا اشك بأننا نستطيع ان نخلق اعلاما كبيرا ومؤثرا من قبلنا وذو تأثير بالغ وملموس على الرأي العام. واذا لم يحصل ذلك فاننا سنظل محصورين في نطاق مقابلة هنا او هناك واعلان هنا او هناك وفي نظري ان كل هذه الامور لا تفيد. فإذا كنا نريد فعلا جهدا مؤثرا كما يفعل اليهود الامريكيون لندعم العرب هناك ومؤسساتهم بحيث تكون قادرة على ان تعمل في الولايات المتحدة نفسها, اما ان تقوم السفارات العربية بوضع اعلانات هنا او هناك وعمل افلام بالغة السطحية والبلادة وتعتقد انها مؤثرة في الرأي العام الامريكي.. فهذا يعني خطأ جسيم. ماذا عن الاموال العربية وهل يمكن ان تلعب دورا ايجابيا؟ ** لنكن صريحين مع انفسنا فالاموال العربية هي اموال محدودة. واموال الامة العربية بكاملها لا تساوي دولة غنية في اوروبا. لندع تلك الاسطورة التي تقول بأننا عالم غني. قد يكون لدينا مجموعة صغيرة من الدول الغنية بسبب وجود البترول ولكن هذا الغنى قد انتهى فكل الفوائض انتهت في الحروب وشراء الاسلحة التي لا تستعمل وانتهى بالفساد المالي المستشري في منطقتنا. اذن نحن ليس لدينا اموال طائلة. وهناك شركات اغنى بكثير من عدة دول عربية فليس هناك مال نستعمله كقوة مؤثرة وواقع الحال يشير الى ان المال القليل الذي لدينا اذا كنّا نريد ان نستخدمه في تعزيز صلاتنا بالواقع الامريكي فعلينا ان نساند المؤسسات العربية الامريكية لكي تقوم بواجبها وهي بحاجة الى الدعم المالي بحيث تستطيع ان تحسن من ادائها الشئ نفسه بالنسبة للمؤسسات المالية الاسلامية حيث تقف مواقف معقولة في الكثير من قضايانا وتحتاج الى الدعم والمساندة. حتى ولو كانت هذه المؤسسات العربية او الاسلامية الامريكية لا تعمل من اجل السياسة وانما تكافح من اجل ابقاء ثقافتها فهذا كاف للاستثمار من خلالها للمستقبل عندما تقوى ويصبح لها دور بحيث تؤثر على الرأي العام الامريكي مستقبلا ويكون لها وزن في الحياة الامريكية وهذا يعني المستقبل البعيد وليس سنتين او ثلاث.. في اعتقادي ان الحوار العربي ـ الامريكي قضية هامشية, الاساس هو قوتنا ومتانتنا واتفاقنا مع بعضنا البعض فالقضية الفلسطينية ووصولها الى ما وصلت اليه من دمّرها غير العرب انفسهم, فعندما تعقد اتفاقيات بعد اجتماع مدريد منفردة بالرغم من اتفاق العرب في مدريد على الاتفاق الشامل يكون العرب هم المسؤولون. وعندما تستفرد اسرائيل بكل منهم فالذنب ليس ذنبها وانما ذنبنا نحن الذين استجبنا اولا. اما الامر الثاني فهو تخلي العرب عن فلسطين جاء ايضا بالتخلي عن الالتزام المادي والدائم تجاهها كما كان الحال قبل 30 ـ 40 عاما مضت. فاذا كان العرب يريدون ان يؤثروا في القضية الفلسطينية فيجب الا يتصوروا ان ذلك سيتم من خلال الرأي العام الامريكي. ولننظر الى انفسنا اليوم فلو اشترطنا انه لا سلام مع اسرائيل على الاطلاق الا لو كان سلاما شاملا وعادلا وعلى كل المستويات, ولو اشترطنا عدم وجود اي نوع من التطبيع والعلاقة الاقتصادية الا كحل شامل لوجدنا ان الطريق يأخذ منحى مغايرا حتى في حالة عدم استجابة اسرائيل فالقضية تختلف. اما ما يحدث الان بحيث نجد دولة لديها سفارة اسرائيلية ودولة لديها مكتب تمثيل اسرائيلي واخرى لديها قنصلية ودولة لها علاقة مباشرة ومشاريع مشتركة واتصالات على صعيد الزعماء وغير ذلك الكثير, ثم نقول لماذا تتصرف اسرائيل هكذا؟ واتساءل مع نفسي ولماذا لا تتصرف هكذا؟ فهي تجد نفسها امام جبهة متفرقة ومنقسمة على نفسها واهنة وضعيفة وغير متناسقة ولا متناغمة كل منها يفتش عن مصلحته القطرية فاذا تماشت مع القضية تماشى معها والعكس صحيح. واصبحت كل دولة عربية بامكانها ان تتصرف كما تشاء في القضية الفلسطينية حسب مصالحها هي وليس حسب المصلحة القومية العليا, بمعنى اخر ان النظرة الى القضية الفلسطينية كقضية قومية قد انتهى ولعل الاخوة في فلسطين يتحملون جزءا كبيرا فيما آل إليه الوضع عندما يقررون بأن يذهبوا بأنفسهم دون الآخرين مما عزز شعور كثير من الزعماء العرب بالتصرف المنفرد. فاذا كان الفلسطينيون انفسهم يقبلون بكذا.. وكذا, فماذا نرفض نحن.. وهكذا تدهورت الاوضاع ووجد الفلسطينيون انفسهم محاصرين ومنهكين بعد ان اعتقدوا ان حل المشكلة دون الامة العربية أمر ممكن..