الدكتور الشفيع خضر سعيد ممثل الحزب الشيوعي السوداني في تحالف المعارضة (التجمع الوطني الديمقراطي)ونائب الأمين العام للتجمع, عمل ومنذ انتفاضة ابريل, وبحكم موقعه الحزبي المتقدم داخل اطار العمل القومي المتوحد بدءاً من التجمع الوطني لانقاذ البلاد والتجمع الوطني الديمقراطي بعد الانقلاب وبعد خروجه من السودان واقامته (المؤقتة)في القاهرة صار من قادة العمل المعارض في الخارج البارزين . قصدته (البيان)لاجراء حوار (معمق)حول الأزمة السودانية المستفحلة بعد مرور تسع سنوات على نظام (الانقاذ). وشدد الدكتور الشفيع في مدخل حديثه على ان الازمة السودانية (بكل عمقها وحلقاتها المتعددة لن تحل الا اذا نهض الشعب بأسره دون وصاية من احد بهذه المهمة التاريخية الجليلة). ويضيف (ان ازمة بهذا العمق لا يمكن ان يحلها حزب واحد او ائتلاف احزاب او نظام عسكري خصوصاً في ظل انهيار لا مثيل له طرأ في السنين الأخيرة. لكن كيف وأين تجسد هذا الانهيار الذي قلت عنه انه لا مثيل له؟ ــ تجسد في الحرب الاهلية التي اتسعت رقعتها لتشمل كل البلاد ولم تعد المسألة الآن في السودان مجرد المطالبة والتظلم, او تطلعات قومية بسبب التهميش ولكنها اصبحت حقاً حرباً أهلية تدور رحاها وتدمر كل شيء الانسان والطبيعة, ورغم صحة القول ان جذور الحرب تاريخية في نظام الحكم الاستعماري وورثها الحكم الوطني, لكن اضيف العامل الديني بعد اعلان نميري للقوانين الاسلامية في اغسطس 1983, وتفاقم بعد سعي الحكم الحالي منذ 30 يونيو لتكريس الدولة الدينية في السودان.. وتداعت الحلقات ليعيش السودان الارهاب والطغيان بشكل لم تشهده بلادنا من قبل.. وانعدمت المقومات الأساسية للحياة.. المجاعة واستجداء قوت الطعام.. واتسع التسول ليشمل شرائح من الطبقة الوسطى لأول مرة.. والطفولة المشردة وتحطم الاسر والنسيج الاجتماعي والخوف والقلق من المستقبل, واللجوء والنزوح ونزيف العقول والكفاءات والمهارات وسواعد الشباب.. وذيوع القسوة وثقافة القتل.. والتجنيد القسري للطلاب وشباب المناطق المهمشة (الشماشة).. وبروز شرائح الطفيلية الجديدة واثرياء الحرب وسماسرة المجاعة وناهبي المال العام. ويضيف مستطرداً: وحصيلة هذا الواقع المأساوي كانت: شكلاً جديداً من الاغتراب ليس عن جهاز الدولة او القطاع العام بل عن الكيان السوداني ذاته وهنا مكمن الخطورة.. اعاقة نمو واتساع القوى الحديثة في المجتمع.. قوى بناء المستقبل.. تزييف المدنية التي خبا بريقها كمركز إنهاك مؤسسات الدولة والمجتمع بل وامكانية تصدع الدولة. توفر امكانية فقدان الثقة في المؤسسة الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني, وتراجع المواطن الى رحاب القبيلة والعشيرة بحثا عن الامن والامان, وما يترتب على ذلك من امكانية علو نبرة التعصب العرقي والتي يمكن استخدامها من قبل السلطة لبسط سيطرتها ونهب الثروة الوطنية. ما هي الخطوة العملية المطلوبة لتجسيد كل ذلك؟ ــ عبقرية الشعب السوداني تفتقت عن الماعون المناسب لحل الازمة والمتمثل في المؤتمر القومي الدستوري.. والمؤتمر القومي الدستوري ــ كما اراه ــ ليس مجرد جلسات حوار عادية تختتم بتوصيات وقرارات, وانما هو عملية مركبة تستوجب مشاركة كافة الاحزاب والنقابات والمنظمات والشخصيات ورجالات القبائل وممثلي القوميات الخ الخ, ويشارك في أعماله اوسع الجماهير عبر الاعلام والندوات والاجتماعات في جو من الحرية والديمقراطية والحوار الحر الواسع.. والمؤتمر الدستوري سيؤدي مهاماً ووظائف ذات طابع تأسيسي متصلة ومتراكمة اسقطتها القوى الاجتماعية السياسية التي اعتلت القيادة فلم تركز الا على مسألة السلطة وبقائها فيها, لذلك فإن القضايا التي سيخاطبها المؤتمر تشمل كعناوين.. علاقة الدين بالدولةــ شكل الحكم الملائم الذي يحقق اقتساماً عادلاً للسلطة ــ التوزيع العادل للثروة ــ مسألة هوية السودان ــ واصلاح النظام السياسي الديمقراطي. وهذا الحديث يجب الا يفهم منه تأجيل البحث عن حلول للأزمة الى حين توفر جو الحرية والديمقراطية, وانما ونحن نسعى لتوفير هذا الجو عبر الاطاحة بالدكتاتورية, نتلمس حلول الازمة في ادراك العلاقة الجدلية بين اتفاق الاطراف حول مقدمات هذه الحلول ــ المواثيق ــ وتفصيل الادوات والآليات الضرورية للعمل لاستعادة الديمقراطية... وفي تقديري انه لعل اكبر انجاز للتجمع الوطني الديمقراطي كان عقد مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرة ــ يونيو 1995 ــ والذي يعتبر شكلا مصغرا للمؤتمر الدستوري حيث تم الاتفاق على كل القضايا الرئيسية. بعد تسع سنوات على سدة الحكم, ما هو الدور الذي لعبه نظام الانقاذ سلبا او ايجابا حيال هذه الازمة؟ ــ الازمة في السودان لم تبدأ بانقلاب الجبهة الاسلامية القومية في يونيو ,1989 وانما كان الانقلاب احد قممها واقول احد قممها وليس (قمتها)لأنه حتى بعد ازالة هذا النظام يمكن ان تتأزم الاوضاع وتصل الى القمة مرة اخرى, اذا لم ننجح في التصدي للازمة الشاملة التي تمسك بخناق بلادنا منذ فجر الاستقلال. لقد شهد السودان تجليات هذه الازمة عبر محن تمثلت في الحرب الاهلية, سيطرة الانظمة الدكتاتورية على معظم عمر السودان المستقل وفشل النظام الديمقراطي وان كان قصير العمر في استكمال مهامه وبالتالي التصدي لفض حلقات هذه الازمة, وذلك مأزق صحيح بدأ عقب الاستقلال عبر تراكم الاخطاء لكنه استفحل بدرجة انهيارية لا مثيل لها في ظل حكم الجبهة الاسلامية الحالي في السودان. * ولكن الجبهة الاسلامية ايضا اعترفت بحق تقرير المصير لجنوب السودان؟ ــ ولكن الجبهة الاسلامية تطرح شعار تقرير المصير من باب المناورة وكسب الوقت وكوسيلة للبقاء في الحكم, واكثر من اعترافهم بحق تقرير المصير. انهم يتحدثون عن امكانية تخليهم عن الجنوب, لكن لماذا اذن يستثمرون بالملايين في اكتشافات البترول في الجنوب ولماذا يحرسونها بالمرتزقة الاجانب في ثياب العمال. اما بالنسبة للتجمع فان تقرير المصير يعكس مفهوم الوحدة الطوعية على اسس جديدة بعد الاتفاق على اعادة صياغة السودان في مؤتمر اسمرة, وليس نتيجة لعدم الاتفاق كما حدث في محادثات نيروبي الاخيرة بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم. هذا هو الحاضر فماذا عن السودان في المستقبل؟ ــ في دوامة هذه الصراعات والتناقضات تتقاطع نقاط تماس ازمة السياسة السودانية مع اكثر من بؤرة في متغيرات الوضع الدولي الجديد.. صراعات القرن الافريقي.. المواجهة بين الاصولية الاسلامية والديمقراطية السياسية في المنطقة.. الصراع العربي الاسرائيلي... نزوع العالم نحو التعددية وحكم حقوق الانسان... الاتجاهات نحو التكامل الاقليمي... الخ الخ. يبدو اذن ان الازمة ستصحب شعبنا ليس حاضرا فقط بل مستقبلا ايضا.. فما هي في رأيكم الخطوات المطلوبة للخروج منها؟ ــ أزمة بهذا العمق لا يمكن ان يحلها حزب واحد او ائتلاف احزاب او نظام عسكري وفي ظل الوضع الراهن لا يمكن ان تحل عبر التفاوض بين حكومة الخرطوم وأحد الاطراف في الجنوب, فلا الحكومة هي كل الشمال, ولا الطرف الاخر هو كل الجنوب. ولا حاصل جمعهما يساوي كل السودان.. حل الازمة ــ في نظري ــ اي فض كل حلقاتها, يعني اعادة صياغة السودان, واعادة بناء الدولة الحديثة, وهذه مهمة شعب بأسره.. وهي مهمة لا تنجز الا في ظل الحرية ودون وصاية من احد وبالتالي فان تهيئة المناخ المناسب لحلها يتطلب ازالة الدكتاتورية الجاثمة الآن على صدر السودان.. ونقطة البداية تبدأ بالوعي بضرورة الانطلاق من حقيقة ان السودان وطن متعدد بالمعنى الواسع للكلمة. وتواجه بلادنا دون شك تحديات خارجية كثيرة.. العولمة والنظام العالمي الجديد.. الديون الخارجية.. المطامع الدولية في البحر الاحمر والخليج العربي ومنطقة البحيرات في افريقيا, المنابع الجديدة للبترول.. تدويل رأس المال.. وسيطرة وتنافس الاحتكارات المتعددة الجنسية على السوق العالمية.. الخ الخ. وفي تقديري ان هذه المتغيرات والتحديات تشكل في مجموعها وتفاعلها ملامح النظام العالمي الجديد, فهل من الممكن لمنطقتنا والسودان في قلبها ان يكون لها دور في صياغة هذا (النظام العالمي الجديد)بعد انهيار اسس النظام القديم وبعد ان تخطى تاريخ البشرية الكيانات ذات المحور الواحد؟ وهذا هو السؤال.