منذ ان انطلقت الشرارة الفعلية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 كانت البداية مبشرة بمناخ ديمقراطي سرعان ما اخذ شكلا مختلفا عن الديمقراطية العملية رغم التعدد الحقيقي في التيارات الفلسطينية ونتج عن ذلك مجموعة من الانشقاقات والتنظيمات التي تختلف فيما بينها ايديولوجيا, ورغم هذا المشهد الا ان منظمة التحرير الفلسطينية بقيت تقوم بهدفها المبدئي وهو النضال من اجل تحرير فلسطين متناسية احيانا خلافتها الداخلية ومقدمة الهدف على الخلاف. ولكن وبعد الخروج من بيروت اصبح الشكل الحقيقي للتنظيمات الفلسطينية هو النضال السياسي ضمن دائرة الخلاف الايديولوجي الداخلي وتجلى ذلك بقيام المباحثات الثنائية مع اسرائيل لينتج اتفاق اوسلو وتترسخ السلطة الفلسطينية في شكلها المعروف الذي بشر بداية بمناخ ديمقراطي حر كون هذه السلطة لا يمكن ان تبدأ دون هذا الشكل الذي يضمن الحامل الاولي لقيام السلطة الفلسطينية ونجاحها كحد ادنى على الصعيد الشعبي في الداخل. وهنا بدأت المعارضة الفلسطينية تبرز ضد السلطة لا لتقيمها كجهاز اداري بل لترفض الاتفاقيات التي تناقض برامجها السياسية وبرامج المجالس الوطنية الفلسطينية واهداف منظمة التحرير, وبرزت بذلك مجموعة من اشكال المعارضة يمكن ان نوجزها بما يلي: برزت في الداخل بداية معارضة شعبية وتنظيمية رافضة لاتفاق اوسلو وبذلك تعارض السلطة الفلسطينية القائمة لانها تمثل ذلك الاتفاق وتجلى ذلك على المستوى الشعبي وبرزت على الساحة التنظيمات التي تعارض بشدة اوسلو والسلطة الفلسطينية وتتهمها بالبرجوازية القمعية العائمة وبإخماد الانتفاضة لخدمة اسرائيل وابرز هذه التيارات كانت اسلامية كالجهاد وحماس والآخر بحكم تواجده على الساحة الداخلية وبشكل خاص الجبهة الشعبية الممثلة بقيادتها المتواجدة في الشتات. اما المعارضة في الشتات فكانت ايضا متعددة الصيغ والاشكال وهي ما نريد الحديث عنه كونها تتسم بمجموعة من المتناقضات وتعدد الافكار والتوجهات اضافة الى انها تضم بحد ذاتها شكلا يجب الوقوف عليه لتتوضح بنائيتها واساليبها وفعاليتها في قطاعات واسعة وعريضة تقف باستمرار ضد السلطة الفلسطينية. بداية ومنذ ان اعلن اتفاق اوسلو بدأت القيادات الفلسطينية تتحرك باتجاه توحيد الكلمة وتوحيد المنهج في معارضتها ولا ننسى ان بعض التنظيمات الفلسطينية كانت تعيش حالة صراعية حول رفض اوسلو او القبول به ولكن حاولت الجبهتان الشعبية والديمقراطية ان تجعلا شكل المعارضة منظما فقدمتا ورقة عمل ودعتا الى اجتماع عقد في التاسع من اكتوبر عام 1993 حضره ممثلو قوى المعارضة وتم الاقرار لورقة العمل من قبل التنظيمات والقوى التالية: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, الجبهة الديمقراطية, الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة, الصاعقة, جبهة التحرير الفلسطينية, جبهة النضال الشعبي ـ الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري, اضافة الى (فتح الانتفاضة) وحركة حماس, والجهاد. هذه الفصائل العشر استطاعت بداية ان تدعو الى تحريك دور المعارضة ومحاولة ايجاد سياسة مشتركة تتوجه نحو جبهة وطنية فلسطينية تضم مجمل اشكال المعارضة من خلال تفعيل دور الجماهير والتنظيمات والاتحاد والنقابات المهنية والدعوة الى انتخاب مباشر للهيئات الشعبية في الداخل والشتات. ويتضح ان الهدف الرئيسي لقوى التحالف المعارض كان يهتم بشكل مباشر بالقطاعات الجماهيرية الواسعة وخاصة احياء الاتحادات والنقابات التي بدأت تتداعى وتنهار مما اصابها الشلل. واذا كانت قوى التحالف تضم بين منظريها مجمل الاتجاهات الفكرية المتعارضة داخليا من خلال تيارتها الماركسية والقومية والوطنية والدينية فان ذلك لم يمنعها مبدئيا ان تقف ضد السلطة الفلسطينية محاولة الامتداد على القطاعين الداخلي والخارجي ورغم ذلك الاتفاق تتساءل ما الذي دعا هذه القوى لان تتكاسل في دورها الذي انيط بها وهل استطاعت ان تقدم ورقة عملها النظرية لتتفاعل مع الواقع. حقيقة لم تستطع قوى المعارضة ان تقوم بأي واجب تجاه ما حملته من افكار ونستثني هنا الجهاد وحماس نتيجة الظروف الجيوسياسية كحد ادنى فهما تعيشان ذروة عملها في الداخل اضافة الى ان منهجية معارضتهما تختلف عن منهجية التنظيمات الاخرى وهنا لنترك حماس والجهاد كونهما تحتاجان لبحث خاص وله خصوصية, ولنرى الان كيف تعاملت باقي القوى وخاصة في الشتات مع ما طرحته من نظريات. تداخلت المعارضة بمعارضة اخرى تنبع من ذاتها وكيانها في حين ان القوى مجتمعة كانت تتوجه ضد السلطة الفلسطينية وما تصيغه على ارض الواقع وبالطبع هذا نتيجة امرين الاول اختلاف الايديولوجيات التي فرضت سابقا على النضال الفلسطيني العيش تحت مظلة كبيرة من التناقضات والتركيبات المختلفة داخليا وفي اطار بعدها الآخر المرتبط بالفكر الخارجي. والامر الثاني هو انقسام المعارضة الى مجموعة اخرى من التوجهات ضمن فئتين رئيسيتين الاولى ترفض كل الاتفاقيات مع اسرائيل وتطالب بفلسطين كاملة وبذلك فهي تعارض السلطة الفلسطينية قبل قيامها والثانية تعتبر اتفاق اوسلو نقطة انطلاق استراتيجية نحو تحقيق الاهداف المتشعبة في تفكيرها من خلال المطالبة مثلا بأراضي ما قبل النكسة مع حل قضية اللاجئين وكحد ادنى تنفيذ القرار 194 الذي تخطته السلطة الفلسطينية والملاحظ ان الفئتين قد دعتا علنا الى مقاومة التطبيع ومقاومة السلطة رغم المصالحات الصغيرة التي رأيناها مع المعارضة نفسها ومن قبل الطرفين وعبر ذلك كانت تلوح في الأفق دعوات متعددة جوهرها التحالف الشامل لقوى المعارضة. وتنظيم لجان الدفاع عن الارض ضمن مؤتمر وطني وتعبئة الجماهير من جديد وتنظيمها وتشكيل لجان شعبية تدافع عن الحقوق الفلسطينية مع احياء الاتحادات ولكن ذلك بحد ذاته وامام هذا الشكل المتداخل يعتبر ضربا من ضروب التنظير الاجوف كون الواقع اختلف اشد الاختلاف قبل ان يبدأ, فالجبهة الشعبية ومعها الديمقراطية اللتان دعتا الى تآلف قوى المعارضة سرعان ما انفصلتا عن هذه القوى ولاشك ان هاتين الجبهتين تتمتعان بثقل كبير في الساحة الفلسطينية داخليا وفي الشتات كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق.