منذ نشأته بالانتخابات العامة في الضفة وغزة لــ 20 يناير 1996, وقع المجلس التشريعي الفلسطيني بين يدى مدرستين للتحليل فيما يتعلق بدوره في الحياة السياسية الفلسطينية في اطار مرحلة الحكم الذاتي : المدرسة الاولى, قومت هذا الدور بالنظر الى النصوص المنشئة. وبذلك ظهر المجلس كأحد منتجات الاتفاقات الفلسطينية الاسرائيلية, التي حددت تكوينه وأهدافه ونطاق ولايته الجغرافية وصلاحياته ومدته القانونية. وقد انتهت هذه المدرسة الى أن هذه النصوص, بعد تنفيذها, لا تبشر بقيام مؤسسة نيابية طبيعية, وانها لا تستهدف ذلك من الاصل. بل ان المجلس المنتخب ليست له صفة التشريعي الا جدلا فليس في الاتفاقات ما يشير صراحة الى هذه الصفة على الاطلاق. وعليه, ذهبت هذه المدرسة الى ان العيوب الهيكلية التي تأسس عليها المجلس لن تسمح له بدور فارق غير شكلى على كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة الصعيدين الداخلى (التطور الديمقراطي عموما وتجلياته) والخارجي (في غمرة المفاوضات على المسار الفلسطيني بخاصة). اما المدرسة الثانية, فانطلقت من افتراض نظرى, هو أن وجود مؤسسة لها بعض سلطات وملامح المؤسسات البرلمانية, وتعمل في محيطها السياسي الطبيعي مدعومة بمساندة شعبية ظاهرة, يمكنها بالفعل تجاوز قيود النصوص والمحددات الصارمة للواقع المفروض, نحو تحقيق الأهداف الوطنية داخليا وخارجيا. غير ان هذا الافتراض يحتاج الى تآزر شديد من السلطة التنفيذية من جهة والتحام مع نبض الشارع الفلسطيني العام من جهة اخرى. لنفهم من هذا الموجز, ان كلا المدرستين ادركتا السقف المنخفض الذي قدمته وثائق انشاء المجلس, بما يتعارض واداء دور مميز لوظائفه المتوقعة. لكنهما اختلفتا حول تأثير الممارسة في اختراق هذا السقف اما المدرسة الاولى اكدت استحالة الانتقال الى سقف اعلى, والثانية عولت على عامل الزمن وآثرت الانتظار وذلك اقتداء بمبدأ خذ وطالب, قياسا على تجارب اخرى. الذي حدث بعد اكثر من عامين ونصف هو احباط كبير ان لم يكن كاملا لاصحاب المدرسة الثانية. فقد تحرك المجلس ليس فقط على صراط النصوص المستقيم, وانما في هامش أضيق من ذلك. وما يبعث على الأسى, ان فريق الذين دعوا لاقتحام التجربة وروجوا لفضائلها عمليا, انقلبوا عليها, وساهموا هم انفسهم في الانصياع للنصوص والاحتماء بها كحجب تطورها وفق نظريتهم عند البداية. وبينما يصح توقع سندات الوثائق المانعة لتقوية دور المجلس, بحكم ورودها تحت وطأة شروط المفاوض الاسرائيلي, فانه يصعب تبرير غلو مطرقة القيادة الفلسطينية التنفيذية في الاتجاه نفسه. فهذه القيادة قولت التقيد حرفيا بهذه الوثائق, في الوقت الذي يفترض انها مدعوة لتفسيرها بما يخدم السياسة الفلسطينية. لقد قيل مثلا ان وجود ممثلين منتخبين عن الشعب الفلسطيني سوف يمكن المجلس من اسماع صوته (كلمة فلسطين) لكل من يعنيه الامر على مسار التفاوض الفلسطيني, ويقدم مظهرا للاهلية الوطنية في تقرير المصير, وذلك بغض النظر عن صلاحية المجلس في وثائق اوسلو وتوابعها. ولكن التقييم الحقيقي لهذه المقولة ابرز غيابها تماما عن ذهن المفاوض (السلطة التنفيذية). عرفنا ذلك من استقالة شيخ الوطنية (حيدر عبدالشافي) صاحب اعلى الاصوات في الانتخابات, وكذا عرفناها على لسان رئيس المجلس نفسه (احمد قريع) المفاوض الاول في اوسلو الذي قال في مناسبات مختلفة: السلطة التنفيذية تبالغ في دورها, تعلمنا من اسرائيل استلاب حق الآخرين وهذه كارثة السلطة, هنا محاولات مستمرة من جانب السلطة التنفيذية لتحجيم دور المجلس رقابيا وتشريعيا, السلطة تعتمد اسلوب خنق المجلس والتغطية على أخباره, نحن سلطة بلا قوانين. ليس للمجلس (التشريعي جدلا) وفق شهادات أعضائه اي دور في امور التفاوض, لا من قريب ولا من بعيد, وفي ذلك يرى (حسن خريشة) العضو المستقل بالمجلس: (.. ان السلطة التنفيذية كرست مع اسرائيل هذه المسألة. ومن ذلك انها عندما وقعت اتفاق الخليل (يناير 1997) جاء الرئيس عرفات الى المجلس, وبدأ يتحدث عن الاتفاق محاولا الحصول على مباركة المجلس عليه, فرفضنا الاسلوب, وقلنا ان المجلس لن يكون له موقف الا بعد الاطلاع على النص الكامل ومناقشته تفصيلا.. لكن الرئيس لم يقبل) . ذهبت السلطة بعيدا في اهمالها لدور المجلس في غمرة معركتها التفاوضية وفي بعض الاحيان, سخرت من هذا الدور بملء الفاه, ومع ذلك فانها من زاوية اخرى اوقعت نفسها فريسة الوهن في هذه المعركة. اذ ما الذي ينتظر من جانب اسرائيل في مواجهة مفاوض يجرد ذاته من اقوى الاوراق, المساندة الشعبية الداخلية؟ اصدر المجلس اكثر من 130 توصية وقرارا, لم تجد فيها السلطة التنفيذية ما يستحق التنفيذ!. وقد طالت هذه التوصيات والقرارات كل المجالات المسموح للمجلس بالتعامل معها: القضاء, الاصلاح المالي, محاربة الفساد والعبث بالموارد العامة, اشاعة الحياة القانونية, مواجهة تجاوزات جهات الامن متعددة الاسماء والتخصصات.. وبناء عليه لا يمكن الزعم بأن المجلس قد أفاد التطور السياسي الفلسطيني حتى في تلك المساحة الضيقة التي يمكنه التحرك عليها. وهذا ما دفع الى فقدان الثقة في دور هذه المؤسسة, حتى بين الذين تحمسوا لها عند البداية. نقول ان هذه الظاهرة اضافت الى وهن المفاوض الفلسطيني.. فمن شأن الفجوة المتنامية بين الظهير الشعبي المنظم (المجلس فرضا) والمفاوض, ان تنفى قدرة الاخير على المناورة في وجه الضغوط الاسرائيلية. ومن دواعى الاسى, ان نستدعى لاثبات صحة هذه الملاحظة النموذج الاسرائيلي نفسه, نموذج العدو. فالمفاوض الاسرائيلي كثيرا ما يتذرع بالضغوط الداخلية, التي تطرحها قوى المعارضة النيابية, وذلك كمخرج (مهرب) من التزامات تفاوضية معينة او كوسيلة لابتزاز المفاوض الفلسطيني. في الوقت الراهن, اوشكت فترة عمل المجلس, المحددة بالمرحلة الانتقالية على الانتهاء من دون ان تظهر معالم لاصلاح الاحوال المعيبة للعلاقة بين المجلس والسلطة التنفيذية. وهذا يحتم تجديد النداء الممل بضرورة هذا الاصلاح ذلك النداء الذي علا بقوة منذ منتصف عام 1997. فقد تصاعد الاتجاه الى تحصين البيت الفلسطيني من الداخل, كأحد متطلبات دعم المفاوض: داخليا بالتفاف الناس من حوله, وخارجيا باثبات صدقية تمثيله للحس الشعبي. ومع ذلك, فان هناك شكوكا حقيقية تحف باحتمال مضي هذا الاتجاه قدما وبلوغه غايته, لاسباب ليس من السهل تجاوزها, منها: استعداد القيادة الفلسطينية لمراجعة نمط ادائها السلطوى الذي اعتادت عليه, خلال فترة ممتدة.. ومن المعلوم ان هذا الاداء قد انتقل من رحاب منظمة التحرير الى رحاب السلطة, ولم تستشعر هذه القيادة الفارق بين العهدين, ولا كانت لديها فترة على تقدير متطلبات كل مرحلة من مراحل العمل الوطني. العيوب العضوية الهيكلية في صيغة السلطة ذاتها, المبنية على عيوب اكثر جذرية في صيغة التسوية التي انشأتها. فالاداء الديمقراطي والشفافية والمساءلة والاستجواب, وغير هذه من الاجراءات التي يقتضيها عمل السلطة التشريعية لتحقيق اهدافها, لا تتسق ومساحة السيادة الممنوحة للسياسة الفلسطينية في وثائق التسوية. ولذلك قد لا يمكن التصدى لنقائص الاداء التشريعي للمجلس المنتخب واشكالية علاقة المجلس بالقيادة التنفيذية, إلا خارج اطار هذه الوثائق. الامر الذي يعنى اننا نحتاج لنقطة بداية اخرى غير القائمة.