اخطر من مأزق عملية التسوية الراهن والمزمن المأزق الذي تعيشه (سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني) ... فلقد وضعتها ملاحق اتفاقيات اوسلو ــ 1 واوسلو ــ 2 رهينة استحقاقات أمنية صهيونية, والوفاء بهذه الاستحقاقات ينزع عنها صفتها الوطنية, ويضعها في خانة العداء والمجابهة للشارع الوطني الفلسطيني, ويعتزمها ويجعلها مجرد احد الادوات الامنية لسلطات الاحتلال الاسرائيلي. ومأزق السلطة الفلسطينية على الصعيد الأمني مشحون بقنابل موقوتة تهدد بإشعال حرب أهلية فلسطينية, وملغوم بخيارات مستحيلة تكبل قدرة السلطة على اتخاذ موقف مستقل بعيدا عن املاءات سلطة الاحتلال الاسرائيلي وفي كل ازماتها العابرة تجلت ازمة (القرار الامني المستقل) للسلطة, فهي دائما امام خيارين كلاهما مر: اما ان تلتزم برغبات وارادة الاحتلال وشهادة لجنة التنسيق الأمني (الاسرائيلية الامريكية الفلسطينية) وتنفذ المطالب المعادية للشارع الفلسطيني, او ان تساير حسّها الوطني وتمارس دورها كمظلة لحماية شعبها. في الحالة الاولى ستخسر السلطة وفاقها الوطني وتدخل في مواجهة مع الشعب الفلسطيني ومنظماته الجماهيرية, وبالتالي يتحقق الهدف الصهيوني بتأجيج صراع فلسطيني ـ فلسطيني. وفي الحالة الثانية, ستواجه السلطة اتهامات امريكية اسرائيلية بانتهاك مقررات اوسلو, وربما تقدم قوات الاحتلال على دخول مناطق الحكم الذاتي. وليس غريبا ولا من باب المبالغة ما قاله بنيامين نتانياهو عقب انتخابه رئيسا للحكومة الاسرائيلية منذ عامين عندما سئل عن موعد لقاءه مع ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.. وجاء رده السافر: سأرسل احد افراد قوات حرس الحدود ليلتقيه..! لكن كيف تخلّق المأزق الامني للسلطة الوطنية الفلسطينية؟ وما هي امكانيات تجاوزه, وانعكاساته على مسيرة النضال الفلسطيني في ظل فشل عملية التسوية, ووصولها الى افق مسدود؟ درس الانتفاضة وصداع غزة استفادت سلطات الاحتلال الاسرائيلي من دروس الانتفاضة الفلسطينية البطولية في نهاية الثمانينات, وما جسدته قيادتها الوطنية الموحدة من نموذج واقعي لوحدة الشعب الفلسطيني وقدرته على مواجهة آليات الاحتلال العسكري وقهر الدبابة بالحجر الفلسطيني. وظل درس الانتفاضة تصب اعين قادة الكيان الصهيوني, وابتدعوا الصيغ والاتفاقيات الملغومة بكل ادوات طمس هذه القدرة الفلسطينية على التوحد والمقاومة الوطنية. وليس سرا او اكتشافا ان مبادرات السلام الاسرائيلي, ومفاوضات اوسلو, والاستعداد للانسحاب من غزة ولدت من رحم الانتفاضة, فقادة اسرائيل الذين كشفت عجزهم الانتفاضة, وأصابتهم بما اعتبروه (صداع غزة) ارادوا التخلص من هذا (الصداع الأمني) وتصدير عينة الى القيادة الفلسطينية, وإغراقها في المشاكل الداخلية للقطاع المكتظ بالسكان, والمشاكل الاقتصادية, والمفتقر للخدمات البسيطة, والذي يعيش على فوهة بركان المقاومة للاحتلال. ومن درس غزة ادرك قادة اسرائيل ان قيام سلطة حكم ذاتي فلسطين في هذا القطاع, سينال من القدرة الفلسطينية على المقاومة, ويضعف القدرة على الوحدة الوطنية, وربما تنقلب بفعل بعض الاتفاقيات الامنية الى مواجهات فلسطينية داخلية. ووضع قادة الاحتلال الاسرائيلي كل البنود الامنية التي تتيح لهم تكبيل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني, وجعلها رهينة مطالب اسرائيل الامنية. وحرصت اسرائيل منذ البداية على تدجين قوات الامن والشرطة الفلسطينية من حيث عدد افرادها ونوعية تسليحها, ونقاء ماضيها مما تعتبره تهما وتورطا في (الارهاب) اي الانخراط في عمليات المقاومة الفلسطينية, ولهذا ألزمت اسرائيل السلطة الوطنية الفلسطينية تقديم لوائح باسماء الفلسطينيين المرشحين للانضمام لقوات الامن والشرطة, وبوجه خاص اولئك المرشحين لتولي مهام قيادية وامنية. ومن جملة الاجراءات والشروط الاسرائيلية جاء تشكيلة قوات الامن الوقائي والشرطة الفلسطينية (هجينا) يلبي المطالب الامنية للاحتلال لحد بعيد, فمن ناحية استبعدت تلك العناصر ذات الماضي النضالي والخبرة الامنية التي تشكلت في سنوات المواجهة, وظهرت على السطح وتصدرت الواجهة عناصر تمازجت مع خبرة معايشة الاحتلال والاقتراب منه سواء قهرا داخل سجونه او طوعا. وكان الهدف الصهيوني منذ البداية ايجاد شرطة قوات امن فلسطينية عاجزة من حيث التسليح والكفاءة عن مواجهة اساليب الاختراق المعهودة للاسرائيليين, وفي نفس الوقت لديها القابلية للتطويع واستيعاب عملاء الامن الداخلي الاسرائيلي (الشين بيت) والموساد السابقين, الذين تم زرع خلاياهم في قطاع غزة والضفة الغربية. ومن المعروف ان اسرائيل نجحت خلال فترة الاحتلال منذ عام 1967 وحتى اندلاع الانتفاضة في زرع خلاياه عملاء داخل الاراضي الفلسطينية تجاوز عددهم بحسب مصادر امريكية اكثر من ستة الاف فلسطيني ما بين العميل المباشر او المتعاون, وقبيل نشوء السلطة الوطنية كانت عمليات ملاحقات العملاء وتصفيتهم او اعادة تنقيتهم وتطهيرهم من خطيئة العمالة قد وصلت حدودا باتت تضيق بها صدر اسرائيل وتشكل ازعاجا وتهديدا امنيا لها. الا ان طبيعة وتشكيل وتوعية مهام قوات الامن الفلسطينية كما شاءت لها اسرائيل, سهلت من مهام الاختراق واعادة تشغيل شبكة العملاء هذه, ودق اسفين دائم داخل السلطة والشارع الفلسطيني. ويكمن المثال الصارخ على قدرة اسرائيل تطويع الامن الفلسطيني لمطالبها واهدافها في كون احد قادة الاجهزة الأمنية الفلسطينية معتقل فلسطيني سابق داخل السجون الاسرائيلية وتحوم حوله شبهات التعاون مع الامن الاسرائيلي في تلك الغزة, ويقيم حاليا شبكة علاقات ومصالح اقتصادية تتيح له القفز الى الصف الاول للطامحين في وراثة سلطة عرفات شخصيا. وتوضح اتفاقيات اوسلو, وما صاحبها من ملاحق امنية مدى خطورة وتعقد المأزق الامني للسلطة الفلسطينية, فهي من ناحية عاجزة عن حماية شعبها ضد اي محاولة اعتداء او حتى حماية رموز السلطة الذين ماتوا عرضة الاحتجاز عند اي معبر بواسطة جندى اسرائيلي صغير, ومن ناحية اخرى ليس بمقدرونا ملاحقة او ضبط اي مستوطن متورط في العدوان على الفلسطينيين او ان رمز من رموز السلطة ذاتها. وهذا هو كعب أخيل الذي يجسد مأزق السلطة الفلسطينية, فهي سلطة فقط في مواجهة الشارع الفلسطيني و(شبح سلطة) في مواجهة سلطة الاحتلال الاعلى التي لها الكلمة العليا في اي شأن امني طبقا لأوسلو. ففي اتفاق القاهرة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل والذي وقعه ياسر عرفات واسحاق رابين وضعت خمسة بنود تكيل الامن الفلسطيني الذي يخضع في تنفيذه لصلاحياته لضابط ايصال اسرائيلي من قيادة اركان قوات الاحتلال والبنود الخمسة هي: تقتصر مهمة البوليس الفلسطيني على اخطار قوات الامن الاسرائيلي في حالة تورطه اي مستوطن اسرائيلي في عمل اجرامي. للجنود الاسرائيليين في الدوريات المشتركة مع الفلسطينيين حق مساءلة اي سيارة تحمل علامات اسرائيلية. لا يحق للامن الفلسطيني مساءلة او اتخاذ اي اجراء مع حامل الهوية الاسرائيلية منذ المعابر ونقاط المرور. لا يحق للامن الفلسطيني احتجاز او اعتقال اي اسرائيلي تحت اي ظروف. لا يحق للامن الفلسطيني ايقاف اي سيارة تحمل علامات اسرائيلية, او طلب ابراز هويات ركابها. اذن فماذا يبقى للسلطة من مهام يمكنها ان تضطلع به, وتمارس به ادنى رموز السيادة والاستقلال. الحاصل ان خبرة وحصار الفترة القليلة الماضية كشفت عن عجز مزمن للسلطة في مواجهة اعتداءات المستوطنين على الشعب الفلسطيني ومقدساته, وفضحت حالة يرثى لها من الاختراق الصهيوني لأجهزة أمن السلطة, وتحقق الهدف الاسرائيلي باغراق السلطة في صراعات على تسارعها الفلسطيني. الفخ الامريكي الاسرائيلي لم يكتف الاسرائيليون بالقيود الامنية التي فرضها اتفاق اوسلو على السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية, وسعت كل الحكومات المتعاقبة منذ حكومة ائتلاف العمل برئاسة اسحاق رابين وخلفه شيمون بيريز الى حكومة بنيامين نتانياهو الى انتزاع المزيد من الصلاحيات لاحكام القبضة على السلطة ومحاصرتها, ووضعها في قلب الرؤية الامنية الصهيونية, واجبارها على تبني المفهوم الاسرائيلي الامريكي المشترك لــ (الارهاب) . والعربي لا يفرق بين الارهاب بوصفه عملا عنيفا لا انسانيا يستهدف حياة ابرياء, وعمليات المقاومة المشروعة للاحتلال الاجنبي الغاصب. وهكذا مع كل خطوة جديدة او تعثر في طريق تنفيذ مراحل اعادة انتشار القوات الاسرائيلية في الضفة سارعت اسرائيل الى اضافة المزيد من المطالب الامنية التي تكبل السلطة الفلسطينية. فمع مجئ نتانياهو وتعطل تنفيذ استحقاقات اوسلو, ورفضه الانسحاب من الخليل, ومماطلته بعد تدخل الوسيط الامريكي دنيس روس وحضور الموفد الاوروبي موراتنيوس لاول مرة, تم توقيع اتفاق جديد لاعادة الانتشار في الخليل, انتزع فيه نتانياهو مكاسب ابقاء المستوطنين داخل المدينة, والسيطرة على الطرق الرئيسية, ومحاصرة الاحياء العربية بشبكة طرق ونقاط امنية اسرائيلية, والحق بالاتفاق جملة مطالب امنية جديدة لمزيد من تكبيل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني. وطرح نتانياهو على واشنطن مهمة ارغام السلطة الفلسطينية على مقاومة ما يعتبره ارهابا فلسطينيا واجتثاث البنى التحتية لحركات حماس والجهاد وحتى شبيبة فتح الذين يشاركون تحت ضغط شعبي في دعم المقاومة. وتلبية لرغبة نتانياهو اوفدت واشنطن فريقا امنيا رفيعا من وكالة المخابرات المركزية الامريكية (السي. اي. ايه) ليظل مقيما في المناطق الفلسطينية لوصفه مكتب ارتباط وفريق تدريبي للامن الفلسطيني. وتنحصر مهام فريق السي. اي. ايه في نقل المعلومات والتنسيق الامني بين الفلسطينيين والاسرائيليين وتدريب اعضاء اجهزة امن السلطة على مقاومة الارهابيين الفلسطينيين, وملاحقتهم, وكيفية انتزاع المعلومات, وغسل ادمغتهم, دون اللجوء لاساليب العنف الوحشي والتعذيب التقليدية. وعن طريق فريق السي. اي. ايه, امكن للشين بيت الاسرائيلي والموساد تجديد وتقوية سبل ووسائل اختراقهم للحركات الفلسطينية, وتحقيق نجاحات ملموسة ومشهودة في ضرب حركة حماس والجهاد, فضلا عن تطويع بعض عناصر الامن الفلسطيني. والشاهد ان مأزق السلطة الفلسطينية الامني لا حل له الا بالخلاص من قيود اوسلو واستحقاقات اسرائيل, والارتباط بمطالب ومتطلبات الشارع الفلسطيني, وإلاّ فلا افق مفتوح للسلطة على المستقبل.