(طمى السيل حتى غاصت الركب) يحضرنى هذا البيت الشعرى وياسر عرفات يبدو أمام حكومات العالم والمجتمع الدولي نافذ الصبر رافع يد التهديد باقتراب نفاد صبر الشعب الفلسطيني الذي ظل يدافع عن قضيته وحقه اكثر من 50 عاما دون جدوى, وقد فسر كثيرون تصريحات ياسر عرفات الاعلامية الأخيرة بانها الضوء الأخضر لتزكية الانتفاضة وثورة الشعب الفلسطيني, غير ان آراء اخرى تحفظت على تلك الاشارات التي اوحت بها كلمات عرفات المقرر في 4 مايو العام المقبل, والذي ستنتهى في تاريخه المرحلة الانتقالية للسلطة الفلسطينية, ورغم ان هذا التاريخ يبدو قريبا, الا انه يحمل بين طياته صفحات طويلة ومعقدة امام السلطة الفلسطينية القائمة عليها ان تفك تعقيداتها وتتجاوز خلافاتها وتكدس قوتها وسلطاتها النوعية الثلاث (التشريعية التنفيذية والقضائية) للخروج بشكل الدولة القانوني المطلوب, والذي يؤهل لفلسطين ان تكون دولة حقيقية لا مجرد شبح لدولة او هيكل دون اساس حقيقي, وحتى لا تصبح الدولة المنتظرة دولة من ورق, تضيف حلم خائب جديد الى كم الاحلام الفلسطينية التي خابت خلال خمسة عقود من الزمان. وحول امكانية رفض اسرائيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية, والحلول المطروحة امام فلسطين لمواجهة هذا الرفض, يقول الدكتور محمد محمود مدير المركز الدولي لعلم القانون في هولندا: ان اسرائيل حاولت منذ البداية اعاقة قيام الدولة الفلسطينية, واستندت على المغالطات الدبلوماسية واللاقانونية والأكاذيب, واسلوب وضع اليد لاعاقة فلسطين من الوصول الى دولة لها كيان وحقوق وممارسات سياسية دولية وقانونية, وبعد ان ثبت بالدليل القاطع امام السلطة الفلسطينية المسؤولة عن المرحلة الانتقالية, ان جميع الابواب السلمية والودية والتفاوضية قد فشلت مع اسرائيل, فلم يبق امام فلسطين الا ان تخوض معركة قانونية دولية من الآن, واللجوء للقانون الدولي المعاصر والاستناد على القواعد واجبة التطبيق, لتحقيق حق تقرير المصير والسيادة الكاملة على كافة اراضيها, وذلك قبل ان تجد نفسها في مواجهة ما لا تحمد عقباه في مايو المقبل اثناء اعلانها الدولة. فلسطين دولة معاقة ويؤكد الدكتور (محمد علي محمود) ان لجوء فلسطين الى القانون الدولي القديم, لارساء قواعد الدولة ومحاولة فرضها للحصول على اعترافات دولية بها لن يفيد فلسطين كثيرا, خاصة وان القانون الدولي القديم يعتمد على عناصر ثلاثة مادية لوجود الدولة والاعتراف بها وهي (ارض وشعب وحكومة) , غير ان القانون الدولي المعاصر والذي بدأ بميثاق عصبة الامم المتحدة عام 1920 قد اضاف ركناً رابعاً للدولة, وهو ما اطلق عليه ركن المشروعية, ويعنى ان تكون الدولة ممثلة لممارسة الشعب الأصلي في حق تقرير المصير, وبناء على ما تقدم فان فلسطين دولة معاقة لان الشعب الفلسطيني اعيق من ممارسته لحق تقرير مصيره الدولة والمشاكل القائمة غير انه قبل ان تصل فلسطين الى المنهج القانوني, لانتزاع الاعتراف بها كدولة من الفم الصهيوني, فان امامها طريق طويل مليء بالأشواك, لتطهير الفساد الداخلي سواء الاجتماعي او الاقتصادي او الوظيفي (ذلك الذي يرفض ياسر عرفات تسميته بالفساد ويطلق عليه مخالفات واخطاء ادارية), كما يجب الاتفاق من الآن على بحث مسألة خلافة عرفات في المرحلة المقبلة, حيث ان السلطة الفلسطينية القائمة سوف ينتهى دورها في مايو المقبل, وبدون شك فان المشاكل الحالية وخلافات وجهات النظر بين القيادات الفلسطينية تنعكس على المسار الحالي للسلطة الفلسطينية, وسيكون لها تأثير مباشر في المستقبل القريب, فحتى الآن يعتبر رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية (فاروق القدومى) ان السلطة في غزة لا تمثل شعب فلسطين كافة بل جزء منه فقط, وان الدولة ينقصها اعلان حكومة منفى, فزمام الامور لا تملكه السلطة الفلسطينية, وهذا يجعلها غير قادرة على التحكم في اتخاذ القرارات اضافة الى ان الثروات لا تتوافر فيها اهم عناصرها القومية, لان اسرائيل تحاصرها من كل جانب, جغرافيا بيدها قوة المنع والمنح حينما تريد ذلك, وفي الوقت الذي تحدده سلطات الاحتلال, كما ان اسرائيل تقاوم كيان الدولة منذ ان بدأت التجربة التي ارادت بها السلطة الفلسطينية تحويل المرجعية السياسية الى (مجلس تشريعي), والادارات الى وزارات, لذلك فالاحتكاكات العملية التي تواجهها تجهض جهودها الرامية الى تكوين الدولة, وبنيامين نتانياهو يعلن في كل مناسبة مقاومة اسرائيل وجود دولة فلسطينية. في ظل هذا المناخ تعمل السلطة الفلسطينية, محاصرة من اسرائيل, تعانى الخلافات في وجهات النظر بين قادتها, تواجه تجربة مريرة في بناء جسد فعال كنواة لنظام دولة, تخبط اداري واخطاء جسيمة (سواء كانت فساداً ادارياً واختلاسات مالية من عدمه) الا ان النتيجة واحدة. خلافة عرفات من الصعوبة بمكان التكهن بمن سيخلف عرفات, ومن الصعب ايضا رسم توقعات لسيناريو محدد لما يمكن حدوثه بعد عرفات, فالرجل نفسه امام امتحان عسير, فهو يعيش حياة يومية ويواجه مواقف داخلية وخارجية لا يحسد عليها, وهو لديه من الخبرة وتجارب الماضي الكثير, ويعرف اسرارا يشيب لها الشعر وتهتز لها الأبدان, كل هذا يجعله اما خيار واحد هو التريث الذي له ايضا مخاطره للآتي: تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية مليء بالدماء, حيث ان قيادات منظمة التحرير ومختلف الفصائل والجبهات الاخرى دأبت في الماضي على اتخاذ القرارات الحاسمة بالسلاح, وهذا ليس ادانة لها بقدر ما هو رصد لتاريخ فرضته ظروف الثورة والكفاح المسلح على الفلسطينيين. المؤسسات الفلسطينية الموجودة في الداخل تعانى من ضعف وخلافات بين بعض قادتها. لا يوجد حتى الآن دستور به مواد قانونية تنظم عملية تبادل السلطة. القيادات الفلسطينية والفصائل الموجودة في الخارج لا يوجد لها رأى موحد حتى الآن, واهمها جورج حبش رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, واحمد جبريل رئيس الجبهة الديمقراطية. ياسر عرفات لا يريد ان يختتم تاريخه العسكري والسياسي الطويل بالتسبب في صراعات عسكرية على خليفته, ولا يريد تكرار ما كان يحدث في العاصمة اللبنانية بيروت والجنوب اللبناني الذي شهد تصفيات جسدية وحمامات دماء بسبب الصراعات على السلطة. يتردد في الاوساط الفلسطينية ان خلافة عرفات تنحصر بين (فاروق قدومى) و(محمود عباس ابو مازن) , ولا توجد كفة لاحدهما راجحة عن الأخرى, وعرفات لا يريد التطرق لهذا الموضوع تلاشيا لحدوث مزيدا من الانشقاقات في الصف الفلسطيني. بعض الدول العربية واهمها مصر والاردن (بالرغم من عدم تدخلهما المباشر) لهما وجهات نظر فيمن سيخلف عرفات, والذي تريده مصر غير الذي تفضله الأردن. علاقة حماس بالسلطة منذ ان جلست السلطة الفلسطينية على مائدة الحوار مع اسرائيل, وبدأت الجيوب الاسرائيلية تمتلئ بالمكاسب مرة تلو الأخرى عبر المماطلة والضغوط الامريكية والطرق الملتوية, ضمنت اسرائيل ورقة الانتفاضة الفلسطينية الى حد كبير, ولم يبق في حلقها الا شوكة المعارضة المتمثلة في فتح, والاسلامية التي تمثلها حركة حماس, وكانت تلك الحركة الاخيرة بأسلوبها الانتحاري تمثل تهديدا دائما ومخاوف لاسرائيل, ولقد مرت حركة حماس بالعديد من المراحل المتوترة مع السلطة الفلسطينية خاصة في بداية المفاوضات السلمية, عندما اعتبرت السلطة ان استمرار الكفاح المسلح ضد اسرائيل عبر حماس من شأنه تقويض الجهود الرسمية الرامية الى الحل السلمى, وان في استمرار حماس بذات القوة اضعافا لشأن منظمة التحرير الفلسطينية, واظهارها بمظهر عدم القدرة للسيطرة على مقاليد الامور, ولقد ساهمت السلطة الى حد كبير في القضاء على العديد من رؤوس حركة المقاومة في حماس سواء بالسجن او الاعتقال, بل ان الاتهامات العديدة وجهت للسلطة الفلسطينية في المساهمة لاعتقال اعضاء الحركة من قبل الجانب الاسرائيلي عن طريق تسليمهم او تيسير القبض عليهم, حتى ان اسرائيل اجبرت ياسر عرفات على الاعتراف بإدانة اعمال الكفاح التي تصفها بالارهاب ضد اسرائيل في اكثر من موقف, وهي اعترافات لم تغفرها حماس لعرفات, غير ان هذا التوتر والصراع الخفى الذي اخذ جوانب معلنة بين الحركة والسلطة الفلسطينية بدأت تهدأ حدته بعد ان تأكد الامر لدى السلطة الفلسطينية ان وعود طاولة المفاوضات السلمية مع اسرائيل ليست الا حبر على ورق, وانه لابد من وجود الكفاح المسلح ضد اسرائيل كورقة ضغط تلوح بها السلطة الفلسطينية على امل خضوع اسرائيل وتنفيذها لاتفاقيات السلام, وفي الاشهر الاخيرة التي شهدت وصول السلام الى طريق مسدود, او دخوله غرفة الانعاش, بدأت السلطة الفلسطينية انتهاج موقف متخبط تجاه حركة حماس, وهو موقف منقسم على نفسه ما بين تأييد وتشجيع, وجهود رامية لاطلاق المعتقلين منهم, سواء داخل فلسطين او السجون الاسرائيلية, وبين مخاوف معلنة من صعود نجم حماس على حساب قوة وهيبة السلطة الفلسطينية, وتزايد هذا الاسلوب المتخبط بعد الوساطة الاردنية في اطلاق سراح الشيخ ياسين الزعيم الروحى لحركة حماس, والذي اعلن في وضوح ان حركة حماس ستواصل جهادها ضد قوات الاحتلال, وانها بالنسبة لهم مسألة حياة او موت, وجولة الشيخ ياسين التي انتهت منذ ايام قليلة في عدد من البلدان العربية واستغرقت اربعة اشهر, قد اثارت معها مخاوف مجددة من جانب السلطة الفلسطينية, بجانب المخاوف البديهية من الحكومة الاسرائيلية, حتى ان (خليل الشقاقى) مدير مركز الدراسات والأبحاث الفلسطيني قد حذر صراحة من ان عودة الشيخ ياسين الى غزة من شأنه تشكيل الخطر على السلطة الفلسطينية وكذلك اسرائيل معا, ويكمن الخطر في تبني حركة حماس داخل الأراضي الفلسطينية سياسة مشابهة للسياسة التي انتهجتها خارج فلسطين, مما سيؤدي معه الى صعود نجم الحركة على حساب السلطة, بينما حاول المسؤولون بالسلطة تبني جانب التوازن والحيادية من عودة ياسين الى غزة, فجاءت التصريحات الرسمية لتؤكد ان عرفات غير متوجس من عودة الشيخ ياسين الى غزة, وان هناك لقاءات مرتقبة بين الشيخ والرئيس عرفات, وأياً كان نوع الخوف او الترقب الذي تتعامل به السلطة مع حركة حماس خشية تأثير ذلك على مكانتها, فان الامر الواقع والمتردى الذي بلغته عملية السلام, يؤكد بمالا يدعو مجالا للشك ان الخيار السلمى والاستمرار في مراقبة المهزلة التهويدية حتى وعد جديد للجلوس على مائدة المفاوضات مع اسرائيل لهو ضرب من الجنون وعدم الادراك بحقائق المخططات التوسعية الاسرائيلية, وان الكفاح المسلح هو اللغة الوحيدة التي تخشاها اسرائيل. المعارضة واتفاق الأمن حتى عام 1988 كانت جميع فصائل المعارضة الفلسطينية تؤيد الكفاح المسلح والمقاومة الفلسطينية ضد المغتصب الاسرائيلي, تزكى مبادرات الانتفاضة وعمليات التفجير الانتحارية, غير ان ياسر عرفات بذل جهودا دعمته فيها حركة فتح التي كانت لها القوة والغلبة في ذلك الحين لاقناع جميع فصائل وقوى المعارضة سواء داخل فلسطين او خارجها بتنحية صفحة العنف والمقاومة, وتقديم صورة بديلة لفلسطين دوليا تعتمد على الاسلوب الحضاري العصري في طرح المطالب والاشكالات, وقد تم التوصل الى هذا التوافق في اجتماع الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني, والتي انعقدت في الجزائر في ذلك الحين, وتم هذا بصورة توفيقية وبتوفير الحد الادنى من المطالب المشروعة لجميع فصائل المعارضة, غير ان السنوات اللاحقة لهذا التفاهم قد كشفت عن صعوبة استمرار هذا التوافق في وقت رأت فيه السلطة الفلسطينية ان قبول بعض التنازلات هو الطريق الامثل للوصول لبداية الحق المغتصب, واسترداده بسياسة الخطوة خطوة, بينما الواقع الاسرائيلي يفرض حقيقة مغايرة مؤداها ان التنازل الفلسطيني الجزئي بداية للتنازل الكلى, وسلب جميع الحقوق المشروعة الفلسطينية, وادركت فصائل المعارضة الحقيقية فعادت الخلافات القديمة بينها وبين السلطة على اسلوب الاداء, واتهمت فصائل المعارضة الاسلامية السلطة الفلسطينية بالتهاون والتنازل, ورأت السلطة ان في التوجه والتوجيه المعارض نوعا من التدخل في سلطتها ومحاولة للانتقاص من تلك السلطة, وفي نفس الوقت شعرت بضرورة واهمية هذا الاسلوب المعارض وبقاءه على الساحة الفلسطينية, ولإخافة الجانب الاسرائيلي من ناحية, وللضغط عليه وتوضيح ان عرفات ليس وحده المتحكم في مسيرة الحوار الفلسطيني, وانه يواجه ضغوطا طاحنة لكنه يحتملها لاجل استمرار حوار السلام, ولقد استثمرت اسرائيل هذا الخلاف الوطني بين السلطة والمعارضة, خاصة حركتي فتح وحماس, وطرحت مسألة الامن الاسرائيلي من خلال امريكا, كورقة اختبار للقدرة الفلسطينية في التحكم في المسيرة الوطنية واحكام قبضتها على مقاليد الامور داخل فلسطين, ولقد ادرك عرفات حقيقة الشرك المنصوب له, وان اسرائيل تعول على هذا الشرك نجاحات جديدة ومكاسب لها في التملص من اتفاقات السلام والعودة الى نقطة البداية متجاوزة النتائج السابقة, وجاءت محاولة عرفات للامساك بالعصا من النصف, عن طريق فتح الحوار الداخلي مع فصائل المعارضة, ووضع الحكومة الاسرائيلية واسرائيل امام الامر الواقع باثبات حسن النوايا الفلسطينية, ومن هذا المنطلق كان عقد مؤتمر الحوار الفلسطيني في 20 اغسطس من العام الماضي, والذي كشف وبصورة ملحة ضرورة التقارب الوطني الفلسطيني بين فصائل المعارضة والسلطة الفلسطينية, حتى وان كان هذا التقارب مجرد ضرورة مرحلية لمواجهة التعنت الاسرائيلي ومخططات التوسع وتهويد القدس, وقد توصل الحوار الوطني الى طرح جديد وهو فتح المجال لكل البدائل الفلسطينية, وهذا ما وافق عليه ايضا عرفات, مما يدل على امكانية فتح المجال للكفاح المسلح بما في ذلك الانتفاضة, وقد كان عرفات قبل هذا المؤتمر يرفض فتح المجال امام اي بديل آخر سوى السلام, وهو الخيار الذي من اجله قبلت مبادرة السلام ومؤتمر مدريد, واتفاق اوسلو, ولقد كان في موافقة عرفات على ترك الباب مفتوحا على جميع الخيارات او البدائل الفلسطينية نوعا اخر من الذكاء الذي يشهد به لياسر عرفات, فقد كسب من زاوية رضا الشعب الذي نادى دائما بضرورة التفاهم الوطني, وكسب رضا المعارضة, كما اثبت امام اسرائيل وامريكا قدرته على جمع الخيوط داخل بوتقة المسيرة الفلسطينية الواحدة, كما ابقى في ذات الوقت عصا التهديد باللجوء لخيار العنف والنضال المسلح قائما في مواجهة التملص والتعنت الاسرائيلي.