عندما تتأزم الامور بين الفلسطينيين والاسرائيليين في المفاوضات, وحينما لايبدو في الآفاق اي امل في احراز تقدم, لابد من البدء في البحث عن طرق واساليب جديدة وفعالة تؤدي في نهاية المطاف الى احداث تقدم وان كان ضئيلا على الساحة التفاوضية, وبما ان الهدف في النهاية هو تحقيق طموحات واهداف الشعب الفلسطيني وتلبية احتياجاته والحفاظ على مصالحه, لذا فان اي تقدم يحرز بغض النظر عن مقداره سيشكل خطوة الى الامام نحو الهدف. وقد اجمع العديد من المحللين السياسيين على ان المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية قد وصلت الى طريق مسدود وان اي ضغوطات على الحكومة الاسرائيلية الحالية لابد وان تفشل في تحقيق اي تقدم, وقد نتج عن هذا الوضع البائس اليائس ان اصبح على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومستشاريه البحث عن خطوات واجراءات جديدة تبقى للفلسطينيين الثقة بالعملية السلمية وبقدرات السلطة الفلسطينية الاخرى بعيدا عن فشلها في احراز تغيير في مواقف نتانياهو المتصلبة نحو الفلسطينيين, لذا فانه من المرجح ان يقوم الرئيس الفلسطيني بتحويل اهتمامه وتركيزه على الامور والنواحي الداخلية في المناطق الفلسطينية بعدما انشغل عنها لفترات طويلة وهو يجوب العالم بحثا عن حلول للغز الاسرائيلي, وسيجد الرئيس الفلسطيني امامه عدة مواضيع عالقة وساخنة ليتخذ بشأنها التدابير اللازمة. فهناك القضية الاكثر خطورة وتأثيرا على مصداقية السلطة الفلسطينية الخارجية والتي يتابعها العالم باهتمام بالغ الا وهي التعديل الوزاري المرتقب والذي وعد به عرفات قبل عدة اشهر ارضاء لاعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الذي قدم تقريرا مفصلا عن التجاوزات واهدار المال العام الذي اتهم فيه عددا كبير من اعضاء الحكومة الفلسطينية الحالية, وحيث انه لم يصدر حتى الآن اي امر سواء من المدعي العام او من الرئيس الفلسطيني بالتحقيق مع المشتبه بتورطهم, وعدم ثبوت أية ادلة على ما تناقلته وكالات الانباء عن تفشي الفساد في عدة وزارات فلسطينية لذا فانه من الطبيعي ان لايتم اتخاذ اي اجراءات او تدابير في حق المشتبه بهم. ومن المعروف ان من بين اعضاء المجلس التشريعي الذين تبنوا تقرير الفساد وزراء سابقين من الحكومة الفلسطينية الاولى وعلى رأسهم عزمي الشعيبي (من حزب فدا) الذي كان يشغل منصب وزير الشباب والرياضة والذي عملت معه شخصيا عن قرب عندما كنت رئيسا لقسم العلاقات الدولية بالوزارة في غزة, وللحقيقة فان التجاوزات والاهدار والفساد الذي تحدث عنه التقرير (وهي تصرفات اعلم جيدا انها لاتبدر من السيد الشعيبي ابدا) كان من بينها تصرفات تعتبر طبيعية في معظم بلاد العالم الاخرى (كترتيب نظام تدفئة في منزل الوزير) او اخرى تقتضيها مصلحة العمل (كفواتير المكالمات الدولية الباهظة, اذ ان جميع العاملين في الوزارة الذين يضطرون لاجراء مكالمات عمل خارجية كان يتوجب عليهم اجراءها من خلال تليفون الوزير المباشر). وستكون مهمة الرئيس الفلسطيني شاقة كونه يعمل ضد مهلة الوقت التي حددها له المجلس التشريعي والتي تنتهي بعد تمديدها هذا الاسبوع, اضافة الى كون اعضاء عديدين في الحكومة الحالية ممن يعتمد الرئيس عليهم في تسيير الامور الداخلية والخارجية والذين سيكون من الصعب استبدالهم بخبرات ادارية وسياسية مساوية, وعلى عكس ما تروج له المعارضة الفلسطينية من ان عرفات قد يغير المسميات الوظيفية فقط دون تغيير المضمون اي انه سيعتمد على اجراء انتقالات وزارية من وزارة الى اخرى بدلا من اقالتهم كلية فان التعديلات القادمة ستضخ دما جديدا في الحكومة الفلسطينية وستعطي دعما قويا لمواقف الفلسطينيين التفاوضية وستعيد ثقة الرأي العام بمواقف السلطة الوطنية الفلسطينية وسياساتها. كما انه يتوجب على الرئيس الفلسطيني اتخاذ قرارات هامة اخرى عديدة فيما يخص التشريعات والقوانين التي تم وضعها منذ فترة طويلة وكان يتم تأجيل البت فيها بسبب الظروف التفاوضية الصعبة, ومن بين هذه القوانين والقرارات اقرار الدستور العام وتعديلاته والتي سوف تضع الملامح المستقبلية للخارطة السياسية الفلسطينية وعلى كافة مستوياتها وبكافة فئاتها وتؤمن للشعب الفلسطيني بيئة اكثر امانا واستقرارا, فالدستور الفلسطيني المقترح يضع هيكلية تنظيم السلطات والصلاحيات في السلطة الفلسطينية مثله مثل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وسيحكم الدستور الجديد والذي ينتظر من الرئيس الفلسطيني اعتماد تعديلات طفيفة عليه من سيحل مكان عرفات في حال عدم تمكنه من الاستمرار في منصبه لأي سبب من الاسباب. ومن ناحية اخرى فقد بدأ عرفات بالفعل حملة دبلوماسية قوية بهدف لم الشمل الفلسطيني ولم يتم استثناء اي احزاب او تنظيمات فلسطينية نهائيا وقد تم الاتفاق مع حماس على التنسيق لعقد اجتماعات في احدى العواصم العربية بهدف تطويق الخلافات القائمة بينهما حاليا والتي تستفيد منها الحكومة الاسرائيلية لدرجات قصوى, وربما يكون من الطبيعي هذا النظر في امكانية حصول السلطة الفلسطينية على تنسيق متكامل من حماس, اذ ان نتانياهو يطالب الفلسطينيين بمزيد من اعمال التصدي لنشاطات حماس السياسية والعسكرية وهو المطلب الذي يرى العديد من السياسيين انه مسمار جحا الذي يستخدمه نتانياهو لتبرير عدم التزامه بتنفيذ الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين. وبالتالي فانه يمكن القول ان التعديلات الداخلية الفلسطينية والتي تثير قلق الحكومة الاسرائيلية التي تتوقع تواجدا اقوى المقبلة للتنظيمات والاحزاب الفلسطينية المناهضة لاتفاقات السلام والتواجد الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة في الحكومة الفلسطينية, هي الورقة الرابحة التي يمتلكها الفلسطينيون والتي قد تدفع بالحكومة الاسرائيلية نحو اعادة بلورة سياساتها بقالب اكثر اعتدالا, الا انه يمكن التنبؤ ايضا بأن التنظيمات الاسلامية والتي تزداد شوكتها صلابة اصبحت هي الوسيلة التي تضغط فيها اسرائيل على السلطة الفلسطينية لاحراز اي تقدم في عملية السلام وهي ايضا الوسيلة التي تضغط فيها السلطة الفلسطينية على الحكومة الاسرائيلية لابداء مرونة اكثر في الانسحاب من الضفة الغربية. وعلى ما يبدو فان السلطة قد نجحت في اجبار نتانياهو على الخضوع للضغوطات الدولية (من جانب الولايات المتحدة والسوق الاوروبية) والداخلية (والتي تتمثل في التقارب بين السلطة والمعارضة وفي اعطاء الفلسطينيين الحافز في اجراء اصلاحات داخلية) وذلك باعلانه عن تنظيم استفتاء شعبي بين الاسرائيليين حول الانسحاب المقترح من قبل الولايات المتحدة الامريكية مع علمه المسبق بنتائج استطلاعات الرأي المشيرة الى رغبة معظم الاسرائيليين في اتمام الانسحاب المطلوب. ولعلنا نتسائل عن مدى مصداقية تصريحات نتانياهو والتي يدعي فيها انه هو الوحيد الذي يستطيع وقف اعمال العنف الفلسطينية ضد الاسرائيليين والتصدي للفلسطينيين بقبضة حديدية, اذ انه فعلا لم تعد التنظيمات الاسلامية تقوم بعمليات فدائية ضد الاحتلال الاسرائيلي حيث ان القيام بمثل هذه العمليات من شأنه بالتأكيد ان يضعف موقف نتانياهو ويقلل من شعبيته وقاعدته السياسية الداخلية وبالتالي يهدد بسقوط حكومته وربما يعود بحزب العمال الاقل تشددا الى سدة الحكم وهو ما تخشاه المعارضة الفلسطينية وتعمل لمنعه كونه ليس لصالحها اذ انه سيقوي من مواقف السلطة الفلسطينية التفاوضية ويرفع من شعبيتها في الداخل والخارج وسيدفع بعملية السلام نحو الامام. ان المطلوب في المرحلة الحالية هو تكثيف الجهود الفلسطينية على المستويين الداخلي والدولي والتنسيق المشترك لاعطاء نتانياهو اشارة واضحة وقوية ان مواقفه المعادية للعرب سينتج عنها تدهور امني واقتصادي لبلاده وان الشعب الاسرائيلي سيخسر الكثير من جراء تأييده لتلك المواقف.