اذا كانت اسرائيل هي رأس الرمح في الهجمة الضارية التي تستهدف العالم العربي كله, فان المقاومة الفلسطينية هي خط الدفاع الاول للامة العربية . جاء نيوت جينجريتش رئيس مجلس النواب الامريكي الى اسرائيل ليقدم اوراق اعتماده كمرشح للحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة. ان الامر في النهاية سيكون اشبه بمبارزة عض اصابع متعددة الاطراف وتتوقف نتيجتها على من يصرخ اولا فيفك انيابه عن اصابع الطرف الآخر. قال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات انه سوف يعلن قيام الدولة الفلسطينية في عام 1999, وهو الموعد المتفق عليه وفقا لبروتوكولات الخليل, سواء انتهت المرحلة الثانية من المفاوضات مع الاسرائيليين الى اتفاق, او ظلت مشلولة امام الجدار السميك العالي الذي اقامه ومازال يعززه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو.. وكانت بروتوكولات الخليل تنص على ان تشمل المرحلة الثانية انسحابا اسرائيليا من الضفة الغربية بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة من الاراضي المحتلة. ولكن حكومة نتانياهو تمسكت بألا يتجاوز الانسحاب نسبة 9 بالمائة.. وتدخلت الادارة الامريكية بحل وسط يقضى بتعديل نسبة الانسحاب الى 13,1 بالمائة.. وبالرغم من هذا الاجحاف الواضح في النسبة الامريكية المقترحة كحل وسط الا ان السلطة الوطنية الفلسطينية اعلنت قبولها بالحل الوسط الامريكي, مع انه ليس حلا وسطا, ولا شبه وسط.. وقد فسر كثير من المراقبين موافقة عرفات على الاقتراح الامريكي رغم جوره الواضح على الحقوق الفلسطينية بأنه كان مناورة بارعة من الزعيم الفلسطيني الذي بنى حساباته على اساس رفض نتانياهو للمبادرة الامريكية.. ومن ثم يضع ادارة الرئيس كلينتون في مواجهة مباشرة مع التعنت الاسرائيلي, الامر الذي لابد ان يؤثر بشكل او آخر على حجم الانحياز الامريكي للكيان الصهيوني, ويخلق وضعا جديدا يمكن ان ينعكس بالايجاب على القضية برمّتها.. وحتى الان يبدو ان حسابات عرفات كانت في مجملها سلمية. فقد رفض نتانياهو واصرّ على الرفض. بل حول المسألة الى معركة مباشرة مع الرئيس كلينتون وذهب بنفسه الى واشنطن ليعبئ القوى الصهيونية ضد الادارة الامريكية, مستندا الى تأييد 81 عضوا بمجلس الشيوخ (من اصل مائة هم كل اعضاء المجلس), ووسط حملة اعلامية واسعة ومنظمة, تتهم البيت الابيض بخيانة اسرائيل (!!) وتتهم وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت نفسها وهي الفخورة بأصلها اليهودي بالانحياز الظالم للارهابيين الفلسطينيين (هكذا !!). وفي نفس الوقت جاء رئيس مجلس النواب الامريكي نيوت جينجريتش الى اسرائيل ليقدم اوراق اعتماده كمرشح الجمهوريين لانتخابات الرئاسة المقبلة.. مغطيا شعر رأسه الابيض بقبعة المتطرفين الاسرائيليين وداعيا الى سرعة بناء السفارة الامريكية بالقدس على انقاض الحقوق العربية والاسلامية في المدينة المقدسة. ومن ناحية اخرى اجاب نتانياهو على وعد عرفات باعلان الدولة الفلسطينية في الموعد المقرر عام 1999 بأنه سيعتبر هذا الاعلان بمثابة اعلان حرب, وانه بدوره يعلن ان اسرائيل سوف تتخذ التدابير اللازمة في حينها, بما في ذلك استخدام القوة لالغاء كافة الاتفاقيات السابقة مع الفلسطينيين او أية جهة عربية اخرى... اذا لزم الامر! وفي مقابل ذلك تعددت النصائح الامريكية (للعرب طبعا) بالتزام ضبط النفس, وعدم التسرع, مع اشارات واضحة بتجنب انعقاد قمة عربية في هذا الوقت بالذات خشية ان تتورط القمة في تأييد اعلان الدولة الفلسطينية دون مراعاة ما يمكن ان يترتب على ذلك من تداعيات اولى بالعرب ان يتجنبوها!! وهذا الموقف الامريكي لابد وان يقودنا الى استنتاج منطقى الا وهو انه مهما بدا على السطح من خلافات بين وجهتى النظر الامريكية والاسرائيلية الا انها تظل خلافات محدودة, ولا تؤثر بحال من الاحوال في عمق التحالف الاستراتيجي القائم بين الدولتين.. وهو التحالف الذي يعتبره العرب بحق معاديا لهم وموجها ضدهم اولا واخيرا.. والنقطة المركزية في تباين وجهات النظر بين حكومة نتانياهو والادارة الامريكية, هي ان هذه الاخيرة تفضل الابقاء على شعرة معاوية في علاقاتها مع العرب, حتى لا تتأثر مصالحها على المدى القريب او البعيد بردود الفعل العربية, بينما نتانياهو وامثاله مقتنعون تماما بالعجز العربي عن اي رد فعل غير مواتٍ الان.. او بعد عشر سنين.. وانه اذا كانت واشنطن مهتمة جدا بالاستقرار في منطقة الشرق الاوسط, فان الضمان الوحيد للاستقرار هو ان يظل العرب جميعا فلسطينيون وسوريون ولبنانيون وكل من عداهم من جيران اسرائيل مرعوبين خائفين تحت وطأة الابتزاز النووي الاسرائيلي.. المدعوم بالطبع من اقوى واغنى دولة في العالم, والتي تنفرد الان بدور القطب الواحد الاوحد الذي لا راد لمشيئته! وهو خلاف كما نرى حول الوسائل, وليس حول الغايات. ومع ذلك, فان الخلاف مع وجهة النظر الامريكية يمثل قيدا على حرية الشطط الاسرائيلي.. وحتى لو كان قيدا محدودا, فانه قيد على اية حال. واذا كان غرور نتانياهو يغريه بان يتحداه, فانه قد يدفع قطاعات وقوى اخرى في اسرائيل, وفي داخل اللوبي الصهيوني بواشنطن, الى ان تمارس اشكالا من الضغط حتى يخفف رئيس وزرائهم المتطرف من بعض غلوائه, ويختار جانب الوفاق مع الحل الامريكي بدلا من الصدام.. هل يمكن ان يساعد ذلك على رؤية قبس من النور في نهاية النفق المظلم الذي تتخبط فيه عملية السلام؟ ربما, وربما يؤيد ذلك ايضا موقف الاتحاد الاوروبي الذي يزداد اقترابا من العدل والانصاف.. والذي يكتسب أهميته من حقيقة ان نسبة 70 بالمائة من الاقتصاد الاسرائيلي تعتمد بالكامل على التعاون مع اوروبا.. الامر الذي لا يمكن لاية حكومة اسرائيلية ان تتجاهله حتى ولو كان يسيطر عليها همجي من امثال بنيامين نتانياهو.. غير ان هذه العوامل الداعية الى موقف اقل تشددا من جانب نتانياهو يقابلها من الناحية الاخرى ان اي تراجع منه عن سياسته الراهنة سيؤدي به الى صدام مباشر مع الاحزاب الدينية المتطرفة المتحالفة معه, والتي بدونها ستسقط حكومته في اول اقتراع على الثقة.. وهكذا, نجد انفسنا مرة اخرى في مواجهة السدود التي تغلق الباب دون اي امل في تسوية سلمية في المنظور القريب.. وبالتالي, لم يعد امام السلطة الوطنية الفلسطينية سوى مخرج واحد.. سواء رحبت به ام لم ترحب, ذلك هو استئناف المقاومة.. والمقاومة في هذه الحالة لن تقتصر على انتفاضة حجارة, وانما يفترض ان تتسع لتشمل كافة اشكالها, بالسلاح وبغير السلاح.. وما من شك في ان هذا سيكلف الفلسطينيين تضحيات هائلة في الارواح والممتلكات والحريات, وقد تنتهزها اسرائيل فرصة لاحتلال الاراضي التي انسحبت منها. ولكنه ايضا سوف يكلف اسرائيل ما لا تطيق, وسيعيد المنطقة كلها الى حالة من الالتهاب لا تسمح للسياسة الامريكية والاوروبية بالاحساس بنعمة الاستقرار.. اي ان الامر في النهاية سيكون اشبه بمبارزة عض اصابع متعددة الاطراف, وتتوقف نتيجتها على من يصرخ اولا, فيفك انيابه عن اصابع الطرف الآخر.. غير ان هذا هو البديل الوحيد لفشل عملية السلام, لان الطريق الآخر هو الاستسلام.. وهو ما لا نعتقد ان السلطة الوطنية الفلسطينية مستعدة له, او قادرة عليه, مهما كان حجم التنازلات التي قدمتها قسرا او طواعية حتى الآن.. ولكننا هنا يجب ان نؤكد حقيقة يبدو انها تغيب عن البعض احيانا.. تلك هي ان الفلسطينيين لن يكونوا وحدهم في مواجهة العدو الاسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة الامريكية.. او هذا على الاقل ما يجب ان يكون.. ذلك لان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي سواء انتهى بتسوية سلمية او ازداد اشتعالا بالقتال ليس الا جزءا من صراع اكبر بين العرب جميعا والقوى الطامعة في احتوائهم والهيمنة على مقدراتهم والتي تتخذ من اسرائيل رأس الرمح في غزوتها المدبرة للسيطرة على هذه المنطقة من العالم. ومن هذا المنطلق فإن وقوف الامة العربية بأكملها, وبكل قواها واساليبها الى جانب المقاومة الفلسطينية في صراعها الباسل ضد الشطط الاسرائيلي انما هو في حقيقته دفاع عن الوجود العربي كله بل هو خط الدفاع الاول ضد الهجمة الضارية التي يمثلها, ويوثقها, اتفاق التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية. ان اكبر خطأ تتورط فيه الولايات المتحدة الامريكية, ومعها اسرائيل هو الظن بان فشل عملية السلام سوف يؤدي تلقائيا الى عودة حالة اللاسلم واللاحرب الى المنطقة. وبالتالي سيكون من الممكن ان تطول هذه الحالة الى ما شاء الله حتى يستبد اليأس بالعرب فيرضوا بما يفرض عليهم من حلول تتفق مع أطماع اكثر العناصر الاسرائيلية جشعا وتطرفا. وقد يشجع على هذا الظن تصورهم ان التناقضات العربية الراهنة مازالت تمثل عقبة حقيقية تحول دون مساندة عربية مؤثرة للمقاومة الفلسطينية التي لن تلبث ان يفت اليأس في عضدها, فتذبل مع الوقت, وتحت حملات القمع الوحشى من جانب السلطة الاسرائيلية, حتى لا تجد اخيرا مفرا من الاستسلام.. هذا هو السيناريو كما يتصورونه, على اساس تقييمهم الخاطئ لرد الفعل العربي.. ولكن هناك سيناريو آخر اقرب الى الواقع والمنطق المعقول. فاليأس من امكانية احراز اي تقدم في الجهود المبذولة من اجل انقاذ عملية السلام سيعني مباشرة سقوط مقولة ان السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لدى العرب.. ويطرح على الفور حتمية السعي من اجل خيارات بديلة.. واول هذه الخيارات بالطبع هو تنشيط المقاومة الفلسطينية, ونقطة البداية في ذلك هي ازالة الخلاف بين حركة حماس المستمرة في المقاومة. والسلطة الوطنية الفلسطينية التي كانت حتى هذه اللحظة تعارض عمليات حركة حماس باعتبارها عوائق تعرقل سير المفاوضات من اجل تسوية سلمية.. ومع اشتعال المقاومة نتيجة توحيد الصف الفلسطيني باتجاهها, لن يقتصر الامر على مجرد تصعيد الانتفاضة, وانما من الطبيعي ان تلجأ الانتفاضة الى اسلحة اكثر ايلاما وحرارة من قذف العدو بالحجارة.. وفي نفس الوقت فإن الجماعات الاكثر تطرفا ستجد الباب مفتوحا لاستئناف العمل المسلح في داخل المسرح الاسرائيلي, الامر الذي ستواجهه الحكومة الاسرائيلية بالطبع بتدابير ارهابية مبالغ فيها من حيث حجم البطش والقمع الوحشي.. وهو امر سيساعد على فضح حقيقة الجوهر الفاشستي للدولة الصهيونية وبالتالي سيؤدي الى تزايد عزلتها على صعيد المجتمع الدولي.. وهذا لا يعني فقط العودة الى ما قبل مدريد, وانما يعنى اكثر من ذلك دخول المنطقة في سلسلة من الانفجارات التي لا يمكن لاحد ان يتنبأ بمدى عنف تداعياتها.. وانما الامر المؤكد ان كل هذه التداعيات تمثل تهديدا لا حد له لمصالح الولايات المتحدة الامريكية, بما في ذلك تأمين مصادر الوقود وطرق مواصلاته وكفالة المناخ المناسب لتدفق الاستثمارات والتجارة الغربية والامريكية بنوع خاص.. ولما كان هذا الضرب من الفوضى لا يمكن ان يستمر طويلا, فالمفروض ان ينتهى هذا السيناريو بمدريد اخرى.. مع ضمانات دولية تحول دون ظهور النزعات المعادية للسلام التي اسفرت عنها ظاهرة نتانياهو.. وهذا يعنى في التطبيق العملي سقوط حكومة الليكود, ليكون ذلك بمثابة التمهيد العملي لنجاح عملية السلام الجديدة.. وبما ان هذه هي النتيجة الواضحة لهذا السيناريو الاقرب الى الاتفاق مع الواقع, فانها تطرح على كل القوى صاحبة المصلحة في انجاز عملية السلام واستقرار الاوضاع في الشرق الاوسط سيناريو ثالثا.. يبدأ بالضغط من اجل الاطاحة بحكومة نتانياهو حتى يمكن اعفاء المنطقة واعفاء المصالح الامريكية من العواقب الوخيمة التي يمكن ان يسببها مسلسل الانفجارات والفوضى في الشرق الاوسط والذي يمكن ان يستمر طويلا قبل ان يصل الى وضع يسمح باستئناف عملية السلام بشروط جديدة ومناخ جديد.. اي هذه السيناريوهات سيتاح له الوجود على ارض الواقع.. ان السيناريو الاول مرفوض, لانه يقوم على افتراض غير صحيح, وهو العجز العربي.. والسيناريو الثاني مكلف لكل الاطراف, وان كان هو النتيجة المنطقية الوحيدة لفشل عملية السلام.. والسيناريو الاخير الذي يبدأ بإزاحة نتانياهو هو المخرج الوحيد المفيد لكل الاطراف.. وليس صحيحا القول بأن ازاحة نتانياهو انما هي امر داخلي يخص الناخبين الاسرائيليين وحدهم.. وانما هي شأن يخص السلام العالمي بأسره.. وفي وسع الولايات المتحدة ان تنجز ذلك.. لأن خسارتها بدونه لا تعوض.. ولا تحتمل.. ولننتظر.. حتى نرى.