تضخمت أزمة البنى في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني, وتجلت ــ أكثر ما تجلت ــ في مجال السلطات الثلاث (التشريعية, والتنفيذية, والقضائية), حتي غدت تلك المناطق تصلح وسيلة إيضاح في هذا الصدد. هذا المقال يعني بأمر ازمة السلطة الثالثة فحسب, برغم صعوبة فصل ازمة السلطات الثلاث عن بعضها البعض, اكاديميا وواقعيا . نظام هش لقد جرى في تلك المناطق على مدى السنوات الاربع الماضية, هي كل عمر الحكم الاداري الذاتي المحدود ــ مايشي بوهن النظام القضائي, على نحو استثنائي. الامر الذي أومى اليه قاضي القضاة, رئيس المحكمة العليا هناك, قصي العبادلة, غير مرة, عشية اقصائه عن منصبه, منتصف فبراير الماضي, فضلا عن التعبيرات المختلفة لذلك الوهن, المتمثلة في حملات المداهمة والاعتقال الواسعة الاعتباطية, وابقاء مواطنين رهن الاعتقال, مدداً طويلة, دون ما تهمة محددة, أو امر توقيف من النيابة العامة ــ كما تقضي البديهيات القانونية ــ بل على ذمة هذا الجهاز الامني أو ذاك, بدون علم القضاء, او النيابة العامة. لم تمر هذه الانتهاكات دون محاولات هنا واخرى هناك, من اجل كبح جماح هذه الانتهاكات, بلا جدوى. وفي هذا الصدد من الغبن تجاهل جهود (هيئة الرقابة العامة) في القاء الضوء على مظاهر الفساد, وماتبع هذه الجهود من الحاح المجلس التشريعي في الاتجاه نفسه, عدا جهود المجلس في مجال سن تشريعات, وضعها رئىس سلطة الحكم الذاتي على الرف, رافضا اعتمادها. وحين اعترض هذا الرئىس على سن دستور لمناطق الحكم الذاتي, متذرعاً بمخالفة ذلك لاتفاق اوسلو, بادر المجلس التشريعي الى سن نظام اساسي, يقوم مقام الدستور الغائب, لكن رف الرئيس كان مآله. الامر الذي أكده مجددا, مدى هشاشة المؤسسات في الحكم الذاتي, مقابل استفحال الفساد, والاستبداد, والامن لعل ماله دلالة في هذا الصدد, ان اول نائب عام في مناطق الحكم الذاتي انخرط في الرشوة والفساد, فأحلوا مكانه نائبا عاماً عصيا على الفساد, لكنه لم يحتمل سوى ثمانية أشهر, فر بعدها بجلده, مطلع ابريل الماضي ولا يزال موقعه شاغراً. القضاء (القضاء أساس الفضائل الاجتماعية كافة) , حسب الفيلسوف الفرنسي بول جولباخ (1723 ـ 1789) فالقضاء من يحمل ميزان العدل, بينما يعصب القضاء عينه عما دون ذلك. وحتى يترجم ذلك القول الفرنسي المأثور الى واقع, فلامفر من نظام قضاء يعتد به. بداية, لابديل عن اجراء المحاكمات علانية, ولاتستنثى هنا الا حالات المحافظة على اسرار الدولة, او القضايا المتضمنة معلومات تمس حياة الناس الخاصة. القضاة بصدد القضاة, لاسلطان عليهم لغير القانون. ولا تتحقق استقلالية القضاء تلك, بغير الضمانات القانونية, واولها الاصرار على اخلاء غرفة القضاة من الغرباء, اثناء المداولات, وثانيها مساواة المواطنين امام القانون, فضلا عن تجنيب القضاة التعرض لضغوط السلطة التنفيذية, او التدخل الفظ من قبل الاخيرة في عمل القضاة. القوانين مادامت سلطة الحكم الذاتي قد حلت محل احتلال مديد, فقد تحتم عل تلك السلطة توحيد القوانين المتنافرة, المتراكمة منذ العهد العثماني (1517 ــ 1918) فعهد الانتداب البريطاني (1918 ــ 1948) , واخيرا الاحتلال الاسرائىلي الصريح المباشر للضفة الغربية وقطاع غزة, لسبعة وعشرين عاما متصلة (1967 ــ 1994) , ناهيك عن وقوع القطاع ــ ما بين انتهاء الانتداب البريطاني وبين الاحتلال الاسرائىلي ــ تحت الادارة العسكرية المصرية (1948 ــ 1967) , والحاق الضفة بالمملكة الاردنية الهاشمية, طوال المدة نفسها, تقريبا (1950 ــ 1967) . بنية جديدة يتحتم على سلطة الحكم الذاتي تجديد النظام القضائي, بما يتلاءم والنظام الجديد (الحكم الذاتي) بحيث تستحدث تراتبية قضائية, تعلوها محكمة عليا, تتمتع بحق المبادرة التشريعية, في مجال قضايا الخلاف حول القوانين, هنا يصبح لفتاوى هذه المحكمة قوة القانون. الى ذلك تشرف المحكمة العليا على النشاط القضائي برمته, فيما تترك مهمة الاشراف الاداري على القضاء لوزارة العدل. بل يفضل ان تلغى هذه الوزارة, اخذا بالنظام البريطاني, حتى يوكل امر الاشراف الاداري على النشاط القضائي لقاضي القضاة, الذي عادة مايكون رئيس المحكمة العليا نفسه. في حالة الابقاء على وزارة العدل, لايبقى لها حق التدخل في عمل القضاة, ذلك ان تلك الوزارة جزء من السلطة التنفيذية, المستقلة عن السلطتين التشريعية والقضائية. بدون ذلك تتقلص الضمانات الديمقراطية للمحاكمات, وتأخذ هيبة المحاكم والقضاة في الانحسار. وبدون توحيد القوانين يظل سيف الاستثناءات مصلتا على رقاب المتهمين مما يبقي باب التعسف مفتوحا على مصراعيه, ويحول دون توطيد القانون في مناطق الحكم الذاتي. غني عن القول بان توطيد عمل القضاة, وتعزيز مصداقيتهم من شأنه ان يدفع الى الوراء نظام القضاء العشائري, المتكىء على العرف دون القانون, وعلى سلطة القبيلة على حساب سلطة الدولة. وقد تمدد القضاء العشائري, منذ بدء العمل بالحكم الذاتي المحدود, في الضفة والقطاع, حتى همش قضاء الحكم الذاتي ودفعه الى الخلف. ولاغنى في القضاء عن المحاكم الادارية, التي يلجأ اليها الموظف الحكومي المتظلم من رئيسة في العمل, أو من المستوى الاعلى. التباس دور النائب العام لاجريمة بدون عقاب.. ومن هنا فلا مفر من ادانة أي تصرف ينتهك القانون. مما يعرض منتهك القانون للعقاب. في هذا الصدد, ليست النيابة جهازا للإدانة فحسب, بل ايضا, لمراقبة مدى الالتزام بالقانون والنيابة العامة ثمرة للضرورة, حيث لاغنى للمرافعة أمام المحاكم عن شكل تنظيمي. ان القانون لايطلب الى النائب العام دعم الاتهام, بغض النظر عن اية ملابسات, او ظروف, بمعنى آخر, حين يكون النائب العام, أو وكيله, مقتنعاً ببراءة المتهم, هنا يصبح من واجب النائب العام, او وكيله, العدول عن توجيه الاتهام الى المواطن المعني بالتهمة. فوظيفة النائب العام حماية مصالح الدولة, وحقوق المواطنين, على حد سواء. اما في حالة اقتناع النائب العام بوقوع الجريمة, فانه يتحتم عليه اتخاذ كل مايلزم لحماية المجتمع من المجرم. الى ذلك, فان على النائب العام مراقبة تنفيذ القانون, من قبل اجهزة التحقيق, ومتابعة سلامة اجراءات رفع القضايا الجنائىة, والمراقبة هنا لحماية المواطن من التعرض للمساءلة, حين يغيب الاساس, أو يجىء الاشتباه من خارج دائرة المعقول. لذا فمن حق النائب العام الغاء اي قرار للمحقق, والتدخل في التحقيق. غني عن القول بان للنيابة العامة نصيب في اجراء التحقيق, يلي تحقيق الشرطة, من حيث حدوثه, وللنيابة العامة حق سد الثغرات في تحقيق الشرطة المبدئي. بعد استكمال التحقيق, يعتمد النائب العام قرار الاتهام, ويقدمه الى المحكمة. واليها, وحدها, يعود أمر الفصل في التهمة. واذا رأى النائب العام بأن الحكم الصادر يناقض القانون, فان عليه استئناف هذا الحكم, امام محاكم الدرجة الاعلى. وتمتد صلاحية النائب العام الى السجون لمراقبة مدى تمتع المرقوفين بحقوقهم. كما تراقب النيابة العامة مدى مراعاة القانون, في الوزارات, والمؤسسات والاجهزة الحكومية, فضلاً عن المواطنين. ويقود النائب العام وحدات النيابة العامة, ويتم تعيين النائب العام من قبل المجلس التشريعي, بما يجنبه الخضوع لتأثير السلطة التنفيذية, وضغوطها ومن صلاحيات النائب العام, وقف التدابير غير المشروعة, والزام المسؤولين بتنفيذ التعليمات الخاصة بوضع حد فوري لانتهاكات القانون. مثلث القضاء بعد القاضي والنائب العام, ثمة الضلع الثالث: المحامي فالطريق الى الحقيقة والعدل وعر, وشائك, والقاضي والنائب العام ليسا معصومين من الخطأ. من هنا نشأت الحاجة الملحة الى المحامي المحنّك, الذي يعجز المواطن العادي عن اداء مهامه, برغم ان القانون منح المتهم حق الدفاع عن نفسه. ومن حق المحامي حضور التحقيق المبدئي, والاستجواب, وتوجيه الاتهام. كما ان من حق هذا المحامي الحصول لى المعلومات من النيابة العامة, والاطلاع على مختلف مواد القضية وتقديم الادلة, وعرض دواعي تخفيف الحكم. فضلا عن حقه في الاستئناف والنقض, اي ان المحامي المتهم حقاً مساويا للنيابة, في نظر القضية امام المحكمة. لعل من فضول القول بأن للمحامي حق الاحتفاظ باسرار المهنة, والموضوعية, وانتفاء المنفعة الشخصية, ويؤثم القانون تحايل المحامي على القانون, او انتهاكه له. كما يحرم القانون المحامي من الامتناع عن اداء واجبه في الدفاع عن متهم, او متهمين عدة, بمن في ذلك من تعارضت مصالحهم من بين هؤلاء المتهمين مع مصالح نظرائهم. وللمتهم الواحد الحق في توكيل اكثر من محام واحد. وفي حالة عجز المتهم عن توكيل محام, فان على النيابة واجب توكيل محام له, بمعرفتها. اما المحامي نفسه, فبسبب حساسية دوره, لايكتفي بنيله ليسانس الحقوق, بل لابد من مروره بسنتين من التدريب في مكتب محام تعتمد, بما يوفر لخريج الحقوق الحد الادنى من الخبرة الضرورية في مجال التعامل مع المحاكم. الهوى الانساني من البديهي ان الظلم امر وارد, خاصة اذا ما احس القاضي بالميل لادانة المتهم. مايجعل هذا القاضي يسلم بصحة التحقيق المبدئي. الامر الذي يضع على عاتق هذا القاضي مهمة مراجعة نتائج هذا التحقيق. وقد تحدث ملابسات توحي بادانة متهم برىء. من جهة اخرى قد ينتزع اعتراف من برىء. كما ان ميل القاضي لادانة المتهم قد يحدث, بسبب الرهان على قسوة العقوبة, مع الاقرار بعدالتها, احيانا, فضلاً عن تساهل المحاكمة او الاستخفاف بقانون المحاكمات, ودقة اجراءات المحكمة والمراعاة المبالغ فيها لحقوق المتهم ناهيك عن تأثير عامل انتهاك استقلال القضاة. على ان مايجد من اخطاء المحاكم, العمل على تعزيز الضمانات القانونية للحريات العامة وحقوق الانسان وردع اجهزة الامن عن التطفل على الحياة الشخصية للمواطن, او انتهاك حرمة مسكنه, او موقع عمله, او اعتقاله بدون تهمة واضحة محددة, تقنع المحكمة, ويصدر قرار التوقيف هنا من النائب العام, او وكيله, اي انه يجب تحصين كل المواطنين ضد الاعتقال. ولايجوز توقيف متهم بارتكاب مخالفة, بل يفرج عنه, بضمان بطاقته او محل اقامته, او وظيفته. ولاترقى الى مصاف القرائن, ومن باب اولى الى مرتبة الادلة, المعلومات المتوفرة عن طريق المراقبة غير المشروعة للرسائل, او المكالمات التليفونية, او المحادثات الشفوية. ثمة ضمان آخر لتصويب اخطاء المحاكم, يكمن في مراقبة المحاكم الاعلى للمحاكم الادنى, وتفتيش الاولى على اعمال الثانية, والتقييم المستمر لاعمالها. ومن بين شروط الديمقراطية للنقض والابرام, عدم جواز التدهور الى الاسوأ. والاهم ان تتحرك هذه الضمانات دون عوائق, واذا ما انتصبت هذه العوائق, غدا الزاما على الضمانات ان تجتاحها, وتقتلعها من طريقها. الضمانات لاتقوم وفرة السجون والمشانق دليلاً على عدالة القضاء, بل ان الديمقراطية والشفافية الدليل الاقوى في هذا الصدد. يبقى السؤال: ماالذي حال دون توفر نظام قضاء في مناطق الحكم الذاتي حتى اليوم؟ وهل ثمة امل في نظام يعتد به هناك, في المدى القريب؟ وما الشروط الضرورية لضمان تطبيق كل ما سبقت الاشارة اليه, وعدم بقائه حبراً على ورق في حال توفره؟ للاجابة على هذه الاسئلة, لا مفر من التأكيد على ان النظام القضائي لايهبط بالمظلة من السماء, كما لاينبت شيطانيا من الارض, ناهيك عن ان لا نظام قضائي معتبر, بدون الشرط الوطني, والاساس الاقتصادي, الاجتماعي المتين, فضلا عن الحاضنة الديمقراطية سالفة الذكر, ومؤسسات قوية. *فثمة عقبات كاداء امام امكانية قيام دولة فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي, ذلك ان الشرط الاهم لقيام مثل هذه الدولة نعتقد وهو الارض الموحدة, حيث مناطق الحكم الذاتي فسيفساء مبعثرة فسلطة الحكم الذاتي لم تقم الا فوق 3% فقط من مجموعة مساحة الضفة الغربية, تفرقت في خمسة وتسعين جزيرة, تحيط بها المستوطنات اليهودية, وتقطع الطريق فيما بينها الطرق الالتفافية, التي سبق للاحتلال الاسرائىلي ان مدها, اما قطاع غزة, فلا يخضع سوى قرابة نصفه للحكم الذاتي, وقد قسم الى بضعة اجزاء, برغم صغر مساحته (اقل قليلاً من 350 كم2) . * الى ذلك, فأين الاستقلال السياسي لمناطق الحكم الذاتي؟ * بل أين هي البنية الاقتصادية ــ الاجتماعية المؤهلة لافراز نظام قضائي قوي, وحمايته, وضمان استمراره وتطوره, بنية تستند الى الانتاج السلعي الوفير, وتنتج طبقات اجتماعية صاحبة مصلحة اكيدة في سيادة القانون, وقيام المؤسسات, واستتباب الامن والاستقرار, وتكافؤ الفرص, واشاعة الحريات الديمقراطية, وفي مقدمة تلك الطبقات الرأسمالية المنتجة, والطبقة العاملة, وبينما الاولى لاتزال في علم الغيب, فان الطبقة العاملة, (تناضل) من اجل اقتناص فرص عمل في سوق عدوها الوطني وتقف سلطة الحكم الذاتي عاجزة, تماما, عن تقديم بديل الى تلك الطبقة متمثلا في فرص عمل محلية. ان مجتمعا متسولا ليس اهلا لتأسيس نظام قضاء معتبر, او لتخصيب الارض للفصل بين السلطات الثلاث فيه (التشريعية, والتنفيذية, والقضائية) فهذا المجتمع غير المسبوق في درجة تشوهه, عاجز الا عن انتاج قيم, وتشريعات, ومؤسسات شديدة التشوه. ان المدى المتوسط لايبشر بخير في هذا الصدد, اساسا لان اتفاق باريس (الاقتصادي, بين اسرائيل والحكم الذاتي يحرم على هذا الحكم اقامة اية صناعات في مناطقه, حتى ان هذه المناطق تحرم ــ بمجرد ضرب الحصار الاسرائيلي من حولها ــ من اللبن الزبادي, الذي تحظر اتفاقية باريس (اياها صنعه في مناطق الحكم الذاتي! وبعد, فإن القضاء في امس الحاجة الى ثورة في العقول, بداية, اما ضمانات الاحكام العادلة فتكمن, اساسا, في اشاعة الديمقراطية, في شتى جنبات حياتنا.