تمثل الدولة الفلسطينية املا كبيرا ليس فقط للشعب الفلسطيني وانما ايضا لبقية الشعوب العربية . وهناك اكثر من عامل يجعل من اقامة الدولة الفلسطينية امرا مشروعا وممكنا حسبما قررت القيادة الفلسطينية ان تعلنها في الرابع من مايو من العام المقبل. العامل الاول هو: المشروعية الدولية, فالقرار رقم 181 الصادر في عام 1947 عن الامم المتحدة بتقسيم فلسطين الى دولتين احداهما يهودية اختير لها اسم (اسرائيل) والاخرى عربية وهي الجزء الذي بقي من فلسطين بعد التقسيم هذا القرار يعطى الشرعية للفلسطينيين بقطاع غزة والضفة الغربية باعلان قيام دولة فلسطين. وفي سنة 1988 اشار المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه بالجزائر الى ان قرار التقسيم يحمل في طياته اساسا لاعلان الدولة واعلن ياسر عرفات دولة فلسطين واعترفت: لــ 90 دولة افريقية واسيوية وتعاملت بعض الدول الاوروبية مع الفكرة بأدنى حد مقبول مثل الاعتراف بوجود ممثل للمنظمة. العامل الثاني: هو انه رغم التحفظات الكثيرة التي ترد على اتفاقات اوسلو لاسباب منها صيغة الحكم الذاتي وضآلة مساحة الارض الا انها سند دولي جديد ليس من الحكمة إلغاؤه بل التمسك بنصوصه رغم قصورها الى ما بعد الموعد المحدد لانهاء المفاوضات الخاصة بالمرحلة الانتقالية بعد خمس سنوات اي في الرابع من مايو عام 1999 حينما يصبح اعلان دولة فلسطين شرعيا ومشروعا. العامل الثالث هو: ان الشعب الفلسطيني قد اثبت من خلال كفاحه الطويل والمستمر من اجل التخلص من الاحتلال الاسرائيلي وتحقيق الاستقلال تصميمه على تحقيق حلم الدولة الفلسطينية كما اثبت من خلال التفافه حول قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في كفاحها السلمى بعد اقامة الحكم الذاتي من أجل تحقيق الآمال فبالاضافة الى المساندة العربية الكاملة للفلسطينيين في هذا الشأن فان الدول الاعضاء في منظمة الوحدة الافريقية وفي منظمة المؤتمر الاسلامي وفي الاتحاد الاوروبي قد اعلنوا تأييدهم للمطالب المشروعة للشعب الفلسطيني وحتى الولايات المتحدة الامريكية فانها لم تعلن اعتراضها على فكرة اقامة دولة فلسطينية. التحدى الاسرائيلي الا ان مشروع اقامة الدولة الفلسطينية يواجه عددا من التحديات اهمها التحدى الاسرائيلي حيث تتفق الحكومة الاسرائيلية الحالية مع حزب العمل المعارض في رفض منح الفلسطينيين حق اقامة دولة مستقلة ذات سيادة في غزة والضفة الغربية, ونشير هنا الى الوثيقة التي وقعها (يوسي بيلين) عن حزب العمل (وميخائيل ايتان) عن الليكود والتي تتضمن بعض المبادئ العامة التي يتفق عليها الحزبان فيما يتعلق بأسس التسوية النهائية مع الفلسطينيين ويأتي على رأسها: عدم العودة لحدود عام 1967. ان حدود اسرائيل الامنية هي نهر الاردن مما يعنى بقاء قوات اسرائيل على طول النهر بصفة لم تقرر طبيعتها بعد. وان القدس هي العاصمة الأبدية لاسرائيل... ورفض حق العودة او التعويض. وعدم تفكيك اي مستوطنات مع التأكيد على حق الاسرائيليين في الاستيطان في (ارض اسرائيل) وهكذا يتضح ان التسوية النهائية كما يراها حزب الليكود والعمل تقوم على ان كيان فلسطين سيقوم في قطاع غزة والضفة الغربية وسيكون منقوص السيادة حيث سيظل لاسرائيل حق التفتيش والمراقبة وحق الغاء الاتفاقيات او اعادة النظر فيها لو خالفتها السلطة الفلسطينية. ولعل هذا يثير تساؤلا هاما يتعلق بمساحة الاتفاق والاختلاف في المواقف بين الليكود والعمل تجاه القضية الفلسطينية وما اذا كانت هذه المواقف تمثل وجهين لعملة واحدة ام ان هناك اختلافات جوهرية بينهما. ويشير الواقع الى ان هناك حداً ادنى من التصور المشترك لكل من الليكود والعمل تجاه القضايا الاساسية الخاصة بالتسوية النهائية للقضية الفلسطينية مع التسليم بعدم وجود تطابق الرؤى بينهما في هذا الشأن. وان الاختلافات بينهما لا تتعلق في جوهرها بمبدأ اقامة دولة فلسطينية وانما في الشروط المرتبطة بإقامتها ونطاقها الجغرافي وسلطاتها العملية وبما تتمتع به من رموز السيادة. ويكفي ان نشير في هذا الصدد الى موقف الحزبين تجاه قضايا الحل النهائي بالمسار الفلسطيني المستوطنات, القدس, مستقبل الكيان الفلسطيني, الحدود... الخ والتي تشير الى وجود نقاط للاتفاق اكثر من نقاط الاختلاف. ففيما يتعلق بمسألة الاستيطان يلاحظ اتفاق الحزبين من حيث المبدأ على هذه المسألة مع الاختلاف بينهما من حيث الاسلوب والهدف. فمثلا فترة حكومة حزب العمل (1992 ــ 1996) استمر دعم وتنشيط الاستيطان في الضفة الغربية, وان كان ذلك قد تم بهدوء شديد ودون ضجيج وبعيدا عن الاضواء وفي مناطق محددة تتسم بالحساسية الامنية في الضفة الغربية او بالمناطق المحيطة بالقدس تمهيدا لضم هذه المناطق لاسرائيل في اطار التسوية النهائية. وفي الوقت الذي يلتقي فيه الليكود مع حزب العمل حول مبدأ تنشيط ودعم الاستيطان وتقديم حوافز مادية للمستوطنين فان الاختلاف يتعلق بالاسلوب حيث يجرى تنشيط الاستيطان في عهد الليكود بإسلوب استفزازي ووسط ضجيج اعلامي وفي جميع المناطق المأهولة وغير المأهولة في الضفة الغربية بهدف تقطيع اوصالها من ناحية وضمان عدم امكانية قيام كيان فلسطيني مستقل بحكم الواقع, ولاجبار الفلسطينيين على القبول بما هو مطروح عليهم من ناحية اخرى. اما فيما يتعلق بموقف الحزبين من مسائل التسوية النهائية (الحدود ــ الدولة المستقلة ـ القدس ـ مستقبل المستوطنات ـ اللاجئون.... الخ) يشير (جوزيف الفير) المدير السابق لمركز جافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب الذي يرأس حاليا مكتب الشرق الاوسط للجنة الامريكية اليهودية بالقدس الى ان الفارق بين حزبي العمل والليكود فيما يتعلق بتصور وجود دولة فلسطينية في الضفة والقطاع لا يعدو ان يكون مجرد فارق لفظى فحزب العمل اذا قبل بوجود دولة فلسطينية فلن يقبل الا ان تكون منزوعة السلاح من دون اي سيطرة على المجال الجوى او البحرى او على حدود اسرائيل لاسيما غرب نهر الاردن والا تحتكر مصادر المياه في الضفة الغربية. والا تسمح بعودة ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني. وان كل ذلك لا يعنى دولة بالمعنى الحقيقي. ولقد اعلن بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية اكثر من مرة انه اذا اعلن الفلسطينيون قيام دولة في غزة والضفة الغربية فإنه سيأمر القوات الاسرائيلية بإعادة احتلالها, وهكذا فإن التحدى الاسرائيلي يمثل عاملا معوقا لتحقيق الحلم الفلسطيني في اقامة الدولة المستقلة الا ان النظرة التاريخية الى حركة التحرر من الاستعمار في افريقيا واسيا توضح ان التحدى الاستعماري لكفاح الشعوب الافريقية والآسيوية لم يحل دون تحقيق اهدافها في الاستقلال وإقامة الدولة المستقلة كما ان النظرة التاريخية الى القضية الفلسطينية توضح ان ما حصل عليه الشعب الفلسطيني حاليا في ظل اتفاقيات اوسلو كان امرا بعيد المنال ولم يكن متوقع الحدوث قبل ذلك واذا اضيف الى هذه العوامل السابق ذكرها التي ترجح امكانية قيام الدولة الفلسطينية والمتمثلة في الشرعية الدولية وقوة ارادة الشعب الفلسطيني وتماسكه والمساندة العربية والدولية للمطلب الفلسطيني المشروع, كل ذلك يدفع بنا الى القول بأن التحدى الاسرائيلي لن يصمد امام هذه العوامل التي تقف وراء الحق الفلسطيني في اقامة الدولة المستقلة, وان كان هذا التحدى قد يؤدي الى الانتقاص من بعض حقوق السيادة للدولة الفلسطينية الا ان هذا لن يعوق تحقيق الدولة الفلسطينية من حيث المبدأ. وقد اظهر استطلاع للرأى اجري في اسرائيل مؤخرا ان غالبية الاسرائيليين يتوقعون اعلان قيام دولة فلسطينية في النهاية وذكر 72% ممن شملهم الاستطلاع انهم يعتقدون بامكانية اقامة دولة فلسطينية عند انتهاء عملية السلام بينما رأى 22% منهم عكس ذلك وامتنع 6% عن ابداء آرائهم كما اظهر الاستطلاع ان 50% من الاسرائيليين يعتقدون ان اسرائيل ستقبل في النهاية بقيام هذه الدولة بينما يرى 48% منهم عكس ذلك.