كي نقترب موضوعياً من تقديم قراءة استخلاصية واضحة المعالم والخطوط لسيناريوهات وآفاق لمستقبل ...مستقبل "عملية السلام" ومستقبل العلاقات العربية -الاسرائيلية ... ومستقبل المنطقة الشرق اوسطية ..والاهم من كل ذلك مستقبل القضية الفلسطينية واحتمالية الاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة فاننا بالضرورة ينبغي علينا ان نتوقف عند ابرز المحطات والاحداث والتطورات وبالتالي الافكار والمواقف والخرائط والاهداف الاساسية للاطراف الاساسية وعلى وجه التحديد والتخصيص في العلاقة الثنائية او الثلاثية للمسار الفلسطيني. ورغم ما تمخضت عنه عملية المفاوضات السياسية التسووية من اتفاقات ومعاهدات الا ان الرياح لم تجر وفق التمنيات و الطموحات السياسية وخاصة الفلسطينية العربية وبالتالي لم ينجز من العملية والبرنامج السياسي الا الجزء اليسير اليتيم الذي نعيش واقعه منذ اوسلو وحتى اليوم. أسس مدريد -1- ولا نبالغ اذا قلنا بان عملية المفاوضات السلامية قد تعرضت منذ ان تولي نتنياهو زمام الحكم في دولة الاحتلال الاسرائىلي الى عملية خنق وقتل واجهاض مخططة مبيتة مع سبق النوايا والاصرار والجاهزية من جانب حكومة اليمين الاسرائيلي. عكف نتنياهو وحكومته على تنفيذ عملية الخنق والقتل والانهاء بصورة مستشرية ومحمومة ومتعجرفة عبر جملة من الخطوط والبرامج وعبر مجموعة من المفاهيم واللاءات والاملاءات والاجراءات التي قادت وما تزال حتماً الى قتل احتمالات وآمال عملية السلام. الخيارات.. . نتوقف في هذه الايام العصيبة الصعبة امام معادلة "الحرب والسلام" مع دولة الاحتلال الاسرائيلي فنجد انفسنا كأمة امام مأزق كبير مربك وخطير ..فالانظمة والسياسات الرسمية العربية في معظمها تبنت خيار السلام والتسوية مع "دولة اسرائيل" كخيار استراتيجي في حين تخلت تماماً عن الخيارات الاخرى قبل الأوان. الواقع الملموس اليوم ان عملية السلام انهارت.. وان الضربات الاسرائيلية القاسية للعملية ولخيار السلام مستمرة وهي تبرهن لنا يوماً عن يوم تلك الخطيئة الاستراتيجية التي اقترفتها السياسيات الرسمية العربية باسقاط الخيارات الاخرى. ان دولة الاحتلال الاسرائيلي لم تتخل عن خيار الاحتلال والاغتصاب والتهويد والقوة.. بل هي تواصل هذا الخيار بصورة منفلتة ..محمومة .. متعجرفة.. متمادية.. مخططة.. مبنية مع سبق التخطيط والنوايا والاصرار. فالذي يجري في الارض المحتلة ضد الشعب العربي الفلسطيني من حصارات واطواق واجراءات ومصادرات واستيطان وتهويد.. ومن حملات قمع وتنكيل واعتقالات وعقوبات جماعية هو عمل حربي بكل معنى الكلمة. ونحن نشاهد ونتابع يومياً ذروة التطبيق الاسرائيلي المحموم لخيار ومنطق الاحتلال و التهويد والقوة.. والخلاصة المفيدة في ضوء كل ذلك اننا نقف ونواجه عملياً برنامجاً سياسياً استعمارياً اغتصابياً استيطانياً غاشماً تعمل الحكومة الاسرائيلية على تطبيقه ليل نهار وبلا توقف . موظفة في ذلك كل طاقاتها وامكاناتها وادواتها العسكرية /الأمنية/الاقتصادية /السياسية/الاعلامية على الصعيدين المحلي والدولي. والخلاصة كذلك اننا امام سياسة متعجرفة منفلتة بلا كوابح مستهترة مستخفة بصورة مذهلة بالمشاعر والمواقف والمطالب والحقوق الفلسطينية العربية. وبالقرارات والقوانين الدولية على حد سواء. والخلاصة ايضاً ان هذه الحقائق الملموسة تعيد الاوضاع من جهة اولى الى دائرة المربع الاول في الصراع العربي ــ الاسرائيلي وتفتح من جهة ثانية افق الخيارات والبدائل والسيناريوهات المختلفة من جديد. -9- لحظة الحقيقة : الدولة الفلسطينية ولا شك ان اهم السيناريوهات القائمة بقوة حتى في ظل مراوحة "عملية السلام" في مكانها هو ذلك السيناريو المتعلق بالاعلان الفلسطيني عن قيام الدولة الفلسطينية. ذلك ان الجدل حول هذا السيناريو /الخيار يتصاعد يوماً عن يوم , حتى في ظل عبثية وعقم الجدل الفلسطيني - الاسرائيلي, او الفلسطيني/ العربي ــ الامريكي او الاسرائيلي ــ الامريكي حول نسب وخرائط النبضات والتسوية. والواضح ان سؤال الدولة الفلسطينية هو السؤال الاكثر تفجراً في العلاقة الفلسطينية-الاسرائيلية والجدل بين الجانبين حوله جدل حربي ملغم بالتهديدات المبطنة او الصريحة في ظل حرب اعلامية/نفسية/معنوية/تحريضية متفاقمة. فان كان الهدف الفلسطيني الكبير والعريض من وراء كل قصة عملية السلام والمفاوضات هو في نهاية المطاف حق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بحدودها الدنيا فوق كامل مساحة الضفة والقطاع فان الهدف الاسرائيلي الكبير والعريض ومتعدد الغايات من وراء كل قصة عملية السلام هو تكريس دولة اسرائيل كحقيقة قائمة اولاً والحصول على الشرعية الفلسطينية /العربية /الدولية الكاملة ثانياً ثم تكريس الامر الواقع الاحتلالي للاراضي العربية ثالثاً او ضم نسبة كبيرة منها لا تقل عن 50% من مساحتها رابعاً ثم اجهاض او تقويض مقومات الاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية خامساً وضمان التفوق والهيمنة الاسرائيلية على المنطقة سادساً. اذن الهدفان الكبيران العريضان الفلسطيني والاسرائيلي يتعارضان تعارضاً جوهرياً لا مجال للتوافق فيه وعلى هذه الارضية تحديداً نتابع الجدل الفلسطيني والاسرائيلي المحتدم والساخن دائماً حينما يمس سؤال الدولة الفلسطينية. والتسوية الجارية الان ضمن المعادلات والخرائط والصيغ والاشتراكات الاسرائيلية لن تؤدى في اعتقادي الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة ولا مؤشرات حتى الان على نوايا اسرائيلية حقيقية للقبول بالدولة الفلسطينية بينما كل المؤشرات توضح النوايا الاخرى لدى دولة الاحتلال: نوايا تكريس الاحتلال والاستيطان والتهويد والضم والقمع والتنكيل والردع. وبالتالي يسير الطرفان الان بقوة دفع هائلة نحو لحظة الحقيقة التاريخية الحاسمة الآتية لا ريب فيها: لحظة الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وهي الخطوة التي تتوعد الحكومة الاسرائيلية ليل نهار بالويل والثبور اذا ما اعلن الفلسطينيون عنها. فلحظة الحقيقة التاريخية آتية بكل ما تحمل معها من مفجرات ومتفجرات مرعبة ان شاء نتنياهو ام لم يشأ.. وبكل ما تحمله معها من سيناريوهات واحتمالات مفزعة... فهذه اللحظة التاريخية آتية سواء اكان ذلك في الرابع من مايو /1999 كما يصرح الرئيس الفلسطيني عرفات او كان بعد هذا التاريخ... فليعد وليوطد الفلسطينيون والعرب انفسهم لاستقبال هذه اللحظة التاريخية.. وحسناً تفعل السلطة الفلسطينية بتصريحاتها المتكررة حول نيتها الاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في مايو /1999. غير ان هذه المسألة المتفجرة تفرض على السلطة اجندة اولويات واستحقاقات ملحة في هذا الاطار في مقدمتها الحوار الوطني الجاد والتفاهم مع كافة القوى الوطنية الاخرى بغية اعداد وتقوية وتصليب جدران الجبهة الداخلية الفلسطينية... وفي مقدمتها كذلك العودة الى الحضن العربي وانعاش العمق والبعد العربي بصورة اكثر فعالية وتأثيراً... وثم الى جانب كل ذلك العودة الى قرارات الشرعية الدولية التي تشكل رصيداً بالغ الاهمية بالنسبة للحقوق الفلسطينية العربية. فلحظة الحقيقة التاريخية الآتية لاريب فيها تستدعي جاهزية فلسطينية /عربية ترتقي الى مستوى الحدث وخطورته ومضاعفاته..؟! -10- الخلاصة المكثفة ولعل الخلاصة المكثفة المستشفة من جملة المعطيات والحقائق المشار اليها وفي ضوء الاحداث الجارية المتراكمة: ان الحكومة الإسرائيلية لا مصداقية ولا صدقية لها في مسألة السلام والمصالحة التاريخية. وانها ليست حكومة سلام لا بالمعنى العربي الرسمي ولا بالمعنى الامريكي الاقرب لها. وان ما يجري هناك على الارض ينفي كل ذلك تماماً ويكرس حقيقة الصراع الازلية بانه صراع وجود وليس صراع حدود. ان نافذة الفرص التاريخية للتسوية السياسية الدائمة بين العرب "واسرائيل" قد اغلقت في ظل تمادى واستشراس مشروع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وان اي صفقة او تسوية سياسية لاحقة لن تكون اكثر من كونها مرحلية وتكتيكية. * ان الفرص الحقيقية للتسوية الدائمة حول القضايا الجوهرية الكبيرة مثل القدس واللاجئين والاستيطان والدولة الفلسطينية والمياه قد نضبت ولم يعد لها افق حقيقي و العملية بالتالي عادت الى مربعها الاول. ان الفلسطينيين والعرب اخذوا يعودون تدريجياً الى الخيارات والبدائل الاخرى مثل القمم العربية, وهيئة الامم والدور الاوروبي. ان كل السيناريوهات والاحتمالات والآفاق باتت مفتوحة كما اعلن عن ذلك مراراً الرئيس الفلسطيني عرفات. ان السيناريوهات والاحتمال الاقرب هو العودة الى دائرة الحرب والعنف والانتفاضة نتيجة لانهيار عملية السلام انغلاق الآفاق السياسية التسووية. ان السنوات القادمة ستكون سنوات عجاف سياسياً وستكون حبلى بالتأكيد باحداث كبيرة.. وبمنعطفات ومفترقات طرق مصيرية وحاسمه على صعيد الصراع العربي ــ الاسرائيلي وعلى صعيد سؤال اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.