(وضمن الفئة الثانية ــ المقصود هنا الشعب ــ من ينعى على من فقد من الصفوة ــ الحكام ــ ويرى في ذلك خسارة لاحد لها للانسانية, ولكن السياسة شديدة القسوة على ابنائها فلا يوجد على ظهر البسيطة من لا يمكن الاستغناء عنه) . هذه عبارة وردت في كتاب اصول النظم السياسية المقارنة للدكتور احمد سويلم العمرى (مصرى) وهي رغم عموميتها تعبر عن حالة نحياها نحن في عالمنا العربي والثالث, وتكاد ان تختفي او لا توجد في الغرب المتقدم, ونقول تكاد لانها موجودة لكن ليست بنفس الحدة. والمبدأ الذي يسود لدى المواطن العربي او يجري محاولة تسييده ان الحكام والزعماء لا يمرضون, ولولا كون الموت حقيقة يقينية جرت محاولة نفى ان الزعماء يموتون, غير انه لان الامر كذلك فان الموضوع الذي يجرى الترويج له ان موت الزعيم كما يقول العمرى خسارة لاحد لها للانسانية وان الارض قد تحيد من تحت اقدامنا ما يولد الشعور باليتم والضياع لمجرد تصور فقدان هذا الزعيم او ذاك. نقول هذا بمناسبة (الجدل) الدائر حول مرض الرئيس الفلسطيني عرفات وخلافته.. ومحاولة تغييب العقل واغماض العين عن الحقيقة. لقد شاهد الملايين عربا وغير عرب عرفات في اكثر من مناسبة وقد بدا عليه اعتلال الصحة وكانت حركة الشفاه غير الارادية بادية بأوضح ما تكون وهو ما يطلق عليه حسب الاطباء مرض باركنسو, غير ان قيادات فلسطينية حاولت نفى المرض مؤكدة انه يتمتع بصحة جيدة. كلنا او اغلبنا نتمنى ان يتمتع عرفات بالصحة والعافية, غير ان مرضه باد ولا يمكن اخفاؤه واحترام عقلية المواطن الفلسطيني او العربي يتطلب اعلان ذلك.. صحيح ان هناك قادة سابقين حاولوا اخفاء مرضهم الا ان ذلك لان الاخفاء كان ممكنا.. فجولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل السابقة احتفظت بخبر مرضها هي واطباؤها وحجبته عن الجميع حتى عن وزرائها واقرب المقربين اليها الى يوم مماتها في الثامن من يناير سنة 78, لكن طبيعة المرض كانت تسمح بذلك سرطان خبيث غير متقدم عافانا الله وعافاكم. وغير جولدا هناك مسؤولون او قادة كثيرون اخفوا مرضهم لكن عندما كان الامر يسمح لهم بذلك. النقطة الأهم بعيدا عن هذه الثرثرة التي قد تبدو غير مفيدة هي: ماذا اعدت قيادات السلطة الفلسطينية لخلافة عرفات؟ ان علم السياسة المعاصر يقوم على افتراض ان تعد القيادة الرشيدة سيناريوهات بكافة الاحتمالات حتى لا تفاجأ بموقف غير متوقع فتصاب بارتباك وعدم القدرة على التصرف. واحد السيناريوهات المحتملة في مجال حديثنا لا قدر الله اختفاء عرفات سواء بالتنحى او بــ... صحيح ان عرفات يسد فراغا يصعب ملؤه في الساحة الفلسطينية, الا ان المطلوب اعداد تصور لمرحلة ما بعد عرفات, لحسم ما يمكن ان يتفجر من صراعات بين فصائل واجنحة السلطة الفلسطينية من المؤكد انها ستصب في النهاية في مصلحة اسرائيل. واذا كانت اكثر من ثلاثين سنة من عمر النضال الفلسطيني لن تقدم من تتوافر فيه الصفات الكافية لخلافة عرفات, فان هذا يشكل في حجم هذا النضال بالشكل الذي نتصوره. ولا يمكن هنا اغفال حجم التأثيرات الخارجية في اختيار خليفة عرفات والتي تكاد ان تلغى العامل الفلسطيني في الاختيار من الاصل.. فخليفة عرفات يجب ان يكون مرضيا عنه: امريكيا ــ مصريا ــ اردنيا ــ واسرائيليا ايضا ما يعنى تضييق دائرة المرشحين للخلافة, وعلى هذا يمكنك ان تستبعد مقدما وانت واثق من صحة موقفك فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية, ويمكنك ايضا ان ترشح (ابو مازن) وكلك ثقة من نجاح ترشيحك بنسبة 99% بغض النظر عن موقفنا نحن من الاثنين.. وبين هذا وذاك يبقى هناك الكثير من المرشحين يتفاوتون في طبيعة مواقفهم من التطورات الحاصلة على صعيد (القضية الفلسطينية) وبغض النظر عن طبيعة القادم, لانه لابد قادم لان هذه سنّة الحياة, فاننا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا على (القضية) التي وصل بها اصحابها الى اقصى درجات سلم التنازلات بحيث لم يعد يبقى بعد ذلك سوى السقوط!!