كشفت مناقشات مؤتمر عودة المهجرين اللبنانيين في بيت الدين وتوصياته الختامية عن رغبة جامحة لدى كل الطوائف اللبنانية لطي صفحة ماضي الحرب الأهلية والطائفية, وفتح صفحة جديدة لاعادة بناء واعمار لبنان وطنيا وسياسيا واجتماعيا . وشدد المؤتمر على أولوية مشكلة عودة المهجرين وادماجهم في الجسد اللبناني, وازالة العراقيل التي تحول دون اكمال هذه المهمة الوطنية. (البيان) التقت النواب محمد رعد, زاهر الخطيب, الدكتور مروان فارس, ووزير الشؤون الاجتماعية ايوب حميد حول مقررات المؤتمر وانعكاساته على المجتمع المدني ومؤسساته والحكومة وأجهزة الدولة, ومعوقات حل قضية بيروت ـ وليد زهر الدين المهجرين اللبنانيين. النائب رعد : مطلوب مناخ سياسي ينطلق النائب الحاج محمد رعد في تقييمه لاعمال مؤتمر بيت الدين خاصة, وفي نظرته الى قضية عودة المهجرين عامة, من اعتبارات اساسية, بقوله: (ان مدخل معالجة موضوع من الموضوعات الاساسية في لبنان, يكون في تحديد النظرة المستقبلية, فما يعوق التقدم والتلاقي هو عدم وضوح الخيارات وعدم حسمها, كما عدم نهائيتها) . ويضيف قائلا: (اذا كان صحيحا ان عودة المهجرين تقتضي توفير مستلزماتها على صعيد تأمين البنى التحتية في قرى العودة واعادة اعمار منشآتها ومرافقها, وحل مشاكل المقيمين في المنازل المهجر منها اهلها, فان الصحيح, بل الاكثر صحة ان العودة تستلزم مناخا سياسيا يقوم على قاعدة راسخة في التوافق الوطني, وستشرق افق اطمئنان واستقرار. النائب الخطيب: تثبيت السلم الاهلي يؤكد النائب زاهر الخطيب ان (الوضع السياسي العام في البلاد قد توافرت فيه جميع العناصر والعوامل التي تشكل حاليا حقائق موضوعية تضغط كلها لصالح الاسراع في اقفال ملف المهجرين, لكن هذا لم يحصل, رغم انه ليس هناك على الاطلاق اي مبررات جدية مقنعة تعيق تنفيذ برامج العودة وانجازها بالسرعة المطلوبة) . ويحدد الخطيب أربع حقائق اساسية على هذا الصعيد, الاولى هي توطد مسيرة السلم الاهلي بعد مرور اكثر من ثماني سنوات على توقف الحرب, حيث غابت الرهانات على احتمال الانتكاسة وعودة الحرب وتعمق اللجوء الى المجتمع المدني والرهان على الوسائل السلمية والديمقراطية في التعبير عن مواقفها. أما الحقيقة الثانية, يضيف الخطيب فهي: (تعزز هيبة الدولة واجهزتها الامنية, وهذه المرة ليس عن طريق القمع, وانما عن طريق القبول والدور العادل والحيادي الذي تقوم به الاجهزة الامنية, وخصوصا الجيش اللبناني. وبديهي القول: ان هذه المسيرة عززت من جهة مسيرة السلم الاهلي, ووفرت من جهة اخرى, اهم الشروط الضرورية لعودة المهجرين. ويتابع الخطيب قائلا عن الحقيقة الرابعة: (انخراط القوى السياسية المتباعدة اساسا في مسيرة الحوار, ذلك ان القوى السياسية التي كانت في السابق عبر مواقفها المتباعدة عنصرا من عناصر التأثير السلبي على عودة المهجرين, تسلك الآن سلوكا مغايرا, فلا عجب والحال هذه, فان واقع الحال يشير الى عمق التحولات السياسية في صالح اقفال ملف عودة المهجرين, كما يدل على حلول لغة الحوار والبحث محل لغة التهاتر والتخويف, وفي هذا مكسب وطني كبير, وهو دليل ساطع على ان القوى السياسية استخلصت الدروس والعبر من تجربة الحرب, وباتت الآن عنصرا مساندا لعودة المهجرين, بعد ان كانت مواقفها المتباعدة في السابق سببا في تأخير هذه العودة. ويخلص الخطيب الى القول على ضوء الحقائق الاربع ذلك يعني انه لم تعد مسألة عودة المهجرين مسألة سياسية, بمعنى أن العقبات السياسية قد زالت جميعها, بعد توطد مسيرة السلم الاهلي, وتعزز هيبة الدولة وقبولها من الجميع, وتنامي ميول المصالحة على المستوى الشعبي, وانخراط القوى السياسية المتباعدة بالاساس في مسيرة الحوار والبحث الايجابي. ويورد النائب الخطيب ثلاثة اسباب اساسية لتأخر عودة المهجرين: أولها (اخضاع قضية المهجرين للابتزاز السياسي, فلم يتم التعاطي مع هذه القضية كمسألة وطنية عليا, بمعنى أن رئيس الحكومة يريد من وراء هذا الملف توظيف هذه القضية لانتزاع موافقة قوى سياسية عديدة على سياساته, وعلى نهجه العام, وارغام هذه القوى على عدم معارضة هذه السياسات وهذا النهج. فاذا رفضت هذه القوى ذلك تجرى معاقبتها من خلال تعطيل برامج تنفيذ العودة, ونعتقد أن هذا النهج بات واضحا, لاسيما, ازاء وزير المهجرين, رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي, وازاء قوى اخرى معنية بملف المهجرين. اما السبب الثاني ــ يقول الخطيب ــ فهو تغييب مسألة المهجرين عن الاولويات, رغم أن قضية المهجرين بند ميثاقي, ادرج في وثيقة الوفاق الوطني (الطائف), من بين الاولويات, وهي بالتأكيد اولوية وطنية, ليس فقط, لانها الدليل القاطع على طي صفحة الحرب, والعلامة على شفاء لبنان من قروحها واثارها, بل لان قضية المهجرين مسألة تنموية ايضا. فمناطق التهجير هي مناطق سياحية بالدرجة الاولى ودور السياحة في تكوين الثروة الوطنية في لبنان هو دور معروف. ويتابع: (اما السبب الثالث فهو التذرع بغياب المال لتمويل العودة, علما ان الدولة في سياق ما عرف بسياسة الاولويات المقلوبة تجد المال فورا حيث يتعلق الامر بالانفاق على الانفاق والجسور وعلى الاوتوسترادات والقصور, ولبناء مطار فخم يفيض بفخامته عن حاجات لبنان على مدى عشر سنوات على الاقل, او اكثر من ذلك. لكن, في المقابل, لا تجد الدولة مالا حين يتعلق الامر بتمويل عودة المهجرين, وهي اولوية وطنية يجب الا تتقدمها اولوية اخرى. كيفية المعالجة؟ وردا على سؤال اخير حول كيفية المعالجة المطلوبة لازالة مثل تلك العراقيل والعثرات يقول الخطيب اخيرا: (الواقع ان معالجة الخلل الذي يعتور عودة المهجرين, بات يفترض تثمير العناصر الايجابية والتي ولدت حقائق موضوعية في الوضع السياسي للقيام بخطوات ضاغطة, ومن ذلك: ما يحمل الحكومة على اعاقة النظر بأولوياتها لصالح ايلاء قضية المهجرين الاولوية الاولى. ما يمنع الابتزاز السياسي بما يتصدى لمحاولات اخضاع هذه القضية, لمثل هذا الابتزاز أو لسواه. ترصد الأموال الضرورية وفق برنامج زمني محدد. النائب فارس: العودة كما التهجير قضية في رأي النائب مروان فارس اذا كان التهجير قضية فان عودة المهجرين قضية ايضا, ولذلك فانه من الضروري العودة الى الاطلس السياسي الذي نشأت في ظله ظاهرة التهجير وما استتبعها حتى التوصل الى الحل المتوخى لها. فالحرب هي مقدمة للسلم الا انها نتاج لمقدمات. ففي الجوهر تتمثل الحالة الطائفية, وفي السياق تتمظهر هذه الحالة, وان كانت المعالجة بالتالي من الطبيعة ذاتها فان الحل للمعضلة يبقى شبه مستحيل: مهجرون تصعب اعادتهم وان عادوا يصعب استمرارهم في الاماكن التي هي لهم بالاساس. ويحدد النائب فارس عدة مطالب ملحة: انهاء نتائج الحرب في ازالة مسبباتها ولعل عودة المهجرين هي واحدة من الاسباب كما من النتائج: انتقاء رجال الدولة على سوية اعادة بناء الدولة كمشروع قابل للحياة وليس كمشروع قائم على تسوية قابلة للانفجار في كل لحظة. بناء المؤسسات التي تصون الوطن ضد احتمال انفجاره لاي سبب من الاسباب ولاشك بان قيام المؤسسات الجديدة على غرار ماقام منها في الجيش اللبناني انما هو امر مشجع لقيام المؤسسات الوطنية ذات العقيدة الواضحة في مقاومة العدو الاسرائىلي, وفي التوجه القومي, بدءاً من الايمان العميق والقناعة, بالعلاقة مع سوريا العربية, انطلاقا من ان لبنان هو بلد عربي, وليس بلدا ذا وجه عربي كما كان ينظر اليه في السابق. وضع سياسة اقتصادية تقوم على بناء زراعة ثابتة وصناعة متينة ليستطيع ابناء الشعب اللبناني ومن عادوا منهم الى اراضيهم ليحرثوها بكرامة, ويعشوا من انتاجها دون طأطأة للرؤوس. كل هذه الامور تشكل اطاراً يحتضن مشروع الانتهاء من الحرب, والبدء ببناء وطن جديد, ولاشك ان الانجاز الاخير المتمثل باجراء الانتخابات البلدية وتأهيل المواطنين بمساعدة الدولة في عملية النهوض, انما يشكل خطوة هامة في سياق بناء الواقع السلمي باعتماده على ديمقراطية شعبية لن تكتمل الا في وضع مشروع اللامركزية الادارية موضع التنفيذ, ان هذا المشروع هو الان قيد التحضير ومن ثم الاقرار في المجلس النيابي. وزير الشؤون: برمجة العودة والمتطلبات ويؤكد وزير الشؤون الاجتماعية ايوب حميد ان قضية المهجرين هي قضية انسانية وسياسية: (من حيث الاسباب والنتائج والواقع والمفاعيل, وعودتهم قرار وطني واضح الاهداف والمعالم, ويجسد التحرك تنمية العمل المشترك مابين القطاعين الرسمي وغير الرسمي, والقرار قد اتخذ بالعودة انما يتطلب ذلك التنظيم وتحديد الحاجات, وتأمين الاموال في اطار خطة متكاملة وبرامج ومشاريع وهذا يتطلب دراسة اجتماعية اقتصادية للمهجرين وتنظيم هؤلاء على اسس ديمقراطية شعبية, ووضع برنامج العودة لكل بلدة وتمديد ادوار الاجهزة الرسمية وغير الرسمية لتنفيذ هذا البرنامج) . ويؤكد حميد ان وزارة الشؤون تعطي الاولوية للمناطق المهجرة وانه قد تم استحداث مراكز خدمات انمائية والتعاقد مع الجمعيات والهيئات الاهلية لتقديم الخدمات, ومع المؤسسات الرعائية لترعى 3700 حالة اجتماعية من الحالات الصعبة وايضا مساهمة الاهالي في ذلك الاطار حيث شارك الكثيرون في مخيمات تطوعية نظمتها الوزارة في مناطق العودة لمساعدة العائدين في تنظيم امورهم, ومسائلهم الحياتية والبيئية.