عندما شهدت مدينة تعز في ديسمبر 92 مظاهرات احتجاجية لثلاثة ايام متتالية وجوبهت بالقمع والقنابل المسيلة للدموع وقتل فيها 12 شخصاً وجرح اخرون, كرست وسائل الاعلام الرسمية انها احداث شغب , واعلنت مصادر امنية عزمها تقديم المشاغبين الى المحاكمات.. لكن الجميع يتذكر ان حيدر ابن ابي بكر العطاس رئىس الحكومة حينها قال في اول اجتماع للحكومة مع الرئيس واعضاء مجلس الرئاسة عقب الاحداث مباشرة قال (علينا ان نتحمل مسؤوليتنا كاملة تجاه الاحداث وندرسها ونكشف حقائقها بموضوعية) حينها بدأ المراقبون رصد العد التنازلي للازمة اليمنية جراء غياب الدولة في الوحدة وجراء اختلالات الفعل القيادي المؤسسي في الدولة, ونزول الدبابات الى شوارع تعز لقمع المواطنين وقتلهم: كان اهل تعز يدركون حينها اقدام حزب المؤتمر الشعبي على انزال الدبابات لشوارع تعز, ولم يجدوا المبرر لصمت وتقاعس الحزب الاشتراكي, لكنهم اكتفوا يومها بوصف انفسهم (باكراد اليمن) وبدأت تنتشر اكثر مقولة المواطنة المتساوية: وتفاوت درجات المواطنة, ويومها لم تخرج اي مسيرات في محافظة لحج ولا ابين ولا حضرموت ولاعدن, لكن كان الجميع يعلم ان خروج مظاهرة او مسيرة في لحج او حضرموت, لم تكن السلطة بكل جبروتها ولا المؤتمر الشعبي بمقدورة حتى مجرد التفكير بانزال دبابة واحدة الى الشوارع. ان هذه الحقيقة غابت تماما عن قيادات السلطة والمعارضة في معرض المقارنات بين الاحداث الاخيرة في الايام العشرة الماضية وبين احداث ديسمبر 92 في تعز, فلا وجود, لا أحد في السلطة والحكومة يصرخ علنا (علينا تحمل المسؤولية) . وهذه الحقيقة ايضا كانت اكثر غيابا في بيانات احزاب المعارضة التي اشتهرت وطالبت باطلاق سراح المعتقلين (22 معتقلا) في محافظة لحج يوم 25 يونيو الماضي, ومنع المسيرة السلمية من الخروج رغم موافقة قيادة ادارة محافظة لحج على خروجها, فجاءت اوامر من السلطات العليا لمنعها, حسب تصريحات قيادة المحافظة نفسها) . وتبدو الحقيقة الاخرى الغائبة هي الانحياز الكامل في وسائل الاعلام الرسمية, التلفاز والاذاعة والصحف الرسمية جميعها لم تنبري للدفاع عن قرارات الحكومة, وبسط حقائق وأهمية الاصلاحات الاقتصادية, لكنها حرصت فقط على الترويج ان برنامج الاصلاحات الاقتصادية اقرته احزاب الائتلاف السابق (المؤتمر الاصلاح) وقبله (المؤتمر, الاشتراكي, الاصلاح) , وابشع ماذهبت اليه وسائل الاعلام الرسمية هو التزوير الكبير الذي قامت به باعلان برقيات وسائل تأييد للحكومة باسماء خطباء المساجد, وجمعية العلماء, والنقابات والاتحادات وابناء المحافظات كل محافظة على حدة, واستطاعت ان تقوم باخراج مسلسل من برقيات التأييد, وكأن الذي خرجوا الى الشوارع جاءوا من جزر واق العراق: وضربت وسائل الاعلام الرسمية بالديمقراطية والعلنية والحياد عرض الحائط. وحقيقة اخرى قدمتها عشرة ايام ساخنة من الاحتجاجات هي ان السلطات الثلاث في اليمن التشريعية والتنفيذية والقضائىة, قد جسدت الوحدة باسمى معانيها, وتحولت الثلاث السلطات في سلطة واحدة, وكأنها اعلنت الوحدة الاندماجية الثلاث للسلطات, واهتمت بها ونسيت وتناست الوحدة اليمنية, وبناء دولة الوحدة, وغيبت المشروع الديمقراطي وتداخلت المعادلة الديمقراطية فلله في خلقه شؤون. يجمع المراقبون ان عشرة ايام ساخنة شهدتها الساحة اليمنية, يجب الفصل فيها بين ما شهدته صنعاء والمدن اليمنية الاخرى من احتجاجات ومظاهرات تم قمعها, وانتشرت خلالها قوات الجيش وفرق مكافحة الشغب في الشوارع وبين ما شهدته محافظتي مأرب والجوف من اشتباكات مسلحة بين رجال القبائل وقوات الجيش. ففي المظاهرات الاحتجاجية التي قمعت سقط اقل من 12 قتيلاً و27 جريحا, اما في محافظتي مأرب والجوف فيزيد عدد القتلى عن 80 وعشرات الجرحى اكثر من 250 ولم تعلن احصائية رسمية بذلك, وخلال عشرة ايام قمعت كل المظاهرات والمسيرات باستثناء مسيرة واحدة مرت بسلام وباتفاق وتصريح مسبق ومشروط مع اجهزة الامن في مدينة المكلا محافظة حضرموت, خرجت في 30 يونيو. ويبدو الفصل بين ماشهدته المدن اليمنية, وبين ماشهدته ولاتزال محافظتي مأرب والجوف عملية ضرورية بالنظر الى طبيعة المطالب المطروحة, صحيح ان قرار الحكومة برفع الاسعار قاسم مشترك, لكن الصحيح ايضا ان هناك نقاطا جوهرية اضافية كمطالب للقبائل في محافظتي مأرب والجوف, بحيث يلاحظ ان الخسائر التي وقعت في المحافظتين في انابيب النفط, وتدمير الآليات, والمنازل والاسلحة المستخدمة ثم عدد القتلى والجرحى كل ذلك لايتيح للمراقب والمتابع المجال للتردد بالقول ان حرب غير معلنة تدور رحاها في محافظتي مأرب والجوف وهو ماذهبت اليه صحف المعارضة اليمنية والصحف المستقله الاهلية. ويفضي كل ذلك الى متطلبات للفرز في المجتمع اليمني وللعلاقة بين القبيلة والدولة, وعلاقة القبيلة في المجتمع ومكانتها فيه, فلايكفي التأكيد ان ماذهبت اليه الحكومة من اقتراح للقبيلة وانها اساس المجتمع المدني في اكثر من تصريح ولقاء صحافي مع قيادات عليا في الحكومة اليمنية, لايكفي ذلك لنفي قاطع لكل ماقيل بل تبدو مطالب القبائل غير الحكومية في اليمن بجوهرها لاتختلف عن مطالب احزاب المعارضة بأرقى صورها, وتختلف في وسائل الوصول الى هذه المطالب فحوار الاحزاب في القصر الرئاسي, يختلف تماما عن حوار الوادي الاحمر في الجوف, وفيما تستخدم لجنة الاحزاب البيانات لتهديد احزاب المعارضة, تستخدم القبائل قطع الطرقات لمنع ناقلات النفط والغاز من المرور, وفيما يطالب الحزب الاشتراكي الحكومة باعادة ممتلكاته ومقراته التي تم مصادرتها اثناء وبعد حرب صيف 94, قامت القبائل في مأرب بتهديم وخلع الاسفلت من طريق (مأرب ــ صافر) ورموا به الى الحكومة معلنين ان هذا هو الشيء الوحيد الذي قدمته الحكومة للمحافظة (مأرب) وفي متناقضات ومعايير تعامل الاحزاب والقبيلة مع الحكومة, لايتردد بعض المراقبين من تأكيد ماتذهب اليه تصريحات رسمية معلنة للحكومة ان هناك قوى خارجية تدعم او تساعد القبائل, لكن ذلك يجد الصدى عند الاحزاب المعارضة بان الحكومة لم تقم بدورها تجاه القبائل كمواطنين ولم تقدم حتى ما تطرحه في برامجها ومشاريعها النظرية فيما يتعلق بالتنمية والخدمات الصحية والتعليم والكهرباء والمياه. ولايتردد الكثير من مشايخ القبائل من الاعلان جهارا عن مساعدات يتسلمونها من جهات خارجية, لكنهم يكشفون ايضا منافستهم للكثير من كبار المسؤولين في الدولة في التسابق عن استلام المساعدات والهبات, وفي ذلك يتنافس المتنافسون في الحكومة والقبيلة, وتأتي بعض الاحزاب في المرتبة الثالثة من ذلك. اليمن بما شهدته وتشهده مدنها وساحاتها القبائل والاحزاب والنقابات والمواطنين, حالة تحول لاتزال سلسلة غليانها تراوح في دائرة الخروج لبناء مؤسسات دولة, تتجاوز القول الى الفصل, والشعار الى الممارسة, وتبدو عشرة ايام ساخنة كشفت الازمة اليمنية بكافة ابعادها, ازمة مؤسسات الدولة وازمة الديمقراطية ومشروعها وازمة الحكومة وازمة المعارضة وازمة غياب التوازن والمساوأة! ومع بداية خروج المظاهرات الاحتجاجية, كان يحلو للكثير من المتابعين المقارنة بين مايحدث في اليمن وماحدث في بعض الدول منها اندونيسيا اما بعد عشرة ايام ساخنة فان الشارع اليمني يردد ان (الشعب اليمني هو سوهارتو) والحكومة اليمنية هي الشعب الاندونيسي فكل الاتهامات بمختلف موديلاتها واشكالها توجهها الحكومة اليمنية للشعب اليمني.