تتمنى الولايات المتحدة ان تنتهي الصين نهاية الاتحاد السوفياتي, وهو ماعبّر عنه الرئيس الامريكي قبيل ختام زيارته للصين هذا الاسبوع, عندما لم يكتف بمطالبة بكين بمزيد من الانفتاح واعطاء الحريات للآخرين والحد من نزعة التوسع, على حد قوله, وانما زاد فذكر بالمثال الروسي, باعتباره الطريق المطلوب الذي لابد ان تسلكه ذات يوم الصين. ولا الاعجاب بما يمكن ان نسميه الروح الصينية, التي هي خليط متماسك من فلسفة وعقائد وتراث وتاريخ وحياة مديدة عبر القرون حافلة بالانجازات العظيمة, فنعرف من تصريحاته انه امريكي في الصميم, لا يزيد السور عنده عن حجارة ولا تزيد الصين كلها عن مساحة شاسعة وشعب كبير وارقام في ارقام. وربما يفسر هذا الاختلاف, بين الامريكي الجديد العملي وبين الصيني الحكيم ذي الجذور, اتفاق الطرفين على مجموعة من القضايا الاقتصادية وابرام اتفاقيات, واستمرار اختلافهما على ما يسميه الامريكيون حقوق الانسان, لان الطرف الثاني الامريكي يفهم هذه الحقوق بلغة الارقام, اي حسب الدورة الاقتصادية, فيما الصيني يفهمها بلغة الروح, اي الحرية. وعند الحرية ذاتها الخبر اليقين, فهي عند الامريكي حرية الكلام والاختيار والترشيح وحرية العمل والكسب بأي طريقة, حتى لو جاع المواطن بعد ذلك فيما هي عند الصيني حرية المواطن من الضرورة, بحيث لا يبات جوعانا. طبعا هذه الحرية منقوصة عند الطرفين اليوم, وهي لن تكتمل ذات يوم قريب ولا بعيد الا في الخيال والمطلق, وعليه فالطلب الامريكي بمراعاة حقوق الانسان, لا يزيد عن الطلب بالتحول الى النموذج الامريكي, او الغربي, اي الى اقتصاد السوق, وهو ما فعله الاتحاد السوفييتي ذات يوم قريب, بوعود من امريكا وغيرها, فانتهى فيه المواطن حرا من كل شيء حتى من ثيابه, وهو ما يرفضه الصيني, الذي يبحث عن طريق ثالث. لذلك فالصين التي تحارب على جبهة تطوير القدرات الدفاعية والعسكرية, فإنها تحارب في الوقت نفسه على جبهة تطوير صناعاتها الثقيلة والخفيفة معا, وتطوير قدراتها الاقتصادية الزراعية والصناعية وغيرها, في الوقت نفسه الذي تسابق فيه الزمن لكسب التكنولوجيا وصناعة المعلومات, من دون ان تنسى اهمية الانفتاح في هذا الجانب, فتكون سوقا محتملة لمنتجات الآخرين بما في ذلك امريكا, مقابل التصنيع عندها وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا, دون ان يعنى ذلك اي انفتاح في الجانب السياسي الداخلي, حيث ثمة خط احمر لا يمكن تجاوزه, خوفا من الوقوع في شرك الفوضى والاقتتال والانفصال الداخلي, الذي يعنى عمليا الضعف والخذلان والضياع. وعليه فموضوع حقوق الانسان المختلف عليه لن يكون مجال اتفاق ذات يوم بين امريكا والصين, الا اذا تخلت الصين عن نظامها السياسي الحالي, الامر الذي ترغبه حقيقة الولايات المتحدة, لولا ان الصين لن تفعل ذلك من دون ان تجري تحولا حقيقيا في اقتصادها اولا يسمح بتغييرات سياسية يحفظ للبلاد وحدتها وقوتها معا, وهو الشرط الاساسي لانفتاحها التاريخي والحذر والمطلوب في الوقت نفسه, فتستطيع التعامل مع امريكا وغير امريكا بندية تليق بمكانة الصين وحجمها وتاريخها, وما سيجعل من سورها سدا منيعا يمنع الانهيار, وهو ربما كان الفارق بينها وبين الاتحاد السوفييتي الذي لم يبن سورا يحميه.