على الرغم من تعهده بالقيام بمهمة الوسيط النزيه في المواجهة بين العراق وفريق التفتيش عن الاسلحة, يتعرض الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان على ما يبدو لضغوط من مستشاريه المقربين الذين يرون ان الوقت قد حان لرفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق منذ غزوه الكويت عام 1990. فقد نقلت صحيفة الواشنطن بوست الصادرة امس الاول الجمعة عن مصادر دبلوماسية في مقر الامم المتحدة في نيويورك ان مستشاري عنان, الذين لا يخفون مشاعرهم بشأن العقوبات, ربما يدفعون امين عام المنظمة الدولية الى النأي بنفسه عن سياسة الادارة الامريكية التي تقوم على ضرورة الابقاء على العقوبات الصارمة مفروضة على نظام الرئيس العراقي صدام حسين. ولكن لم يصدر عن عنان حتى الآن ما يوحي به سيعدل عن مواقفه السابقة الداعية الى ضرورة تعاون العراق التام مع فريق (يونسكوم) الذي يسعى الى ازالة اسلحة العراق ذات التدمير الشامل كشرط ضروري لتخفيف وطأة العقوبات عن بغداد. ويضيف الدبلوماسيون ان عنان يقوم بمهمته في ظل مشاعر عدائية من مستشاريه ازاء لجنة التفتيش عن الاسلحة العراقية وخاصة ازاء رئيسها ريتشارد بتلر. ويرى هؤلاء المستشارون ان المواجهات المستمرة بين لجنة التفتيش والحكومة العراقية تهدد بالخطر اهم انجاز حققه عنان في هذا المجال. وهو توصله الى مذكرة التفاهم مع القيادة العراقية في شهر فبراير الماضي التي نزعت وقتها فتيل مواجهة هو: هل سيتمكن مستشارو عنان من التأثير عليه مع مرور الوقت بحيث يصبح موقفه اقرب الى طريقة تفكيرهم؟ من جهته اعرب السفير الامريكي لدى الامم المتحدة, بيل ريتشاردسون عن القلق ازاء ما وصفها بالتوجهات والاعمال غير المساعدة التي تصدر عن بعض مستشاري عنان, مع ان ريتشاردسون, الذي كان يلخص موقف واشنطن ازاء هذه المسألة دون ان يخوض في اية تفاصيل, شدد على ان عنان كان ولايزال حتى الآن (مؤيدا الى درجة كبيرة) . وذكر مسؤولون امريكيون ان كوفي عنان, وبناء على طلب من ريتشاردسون شخصيا, تمكن في شهر مارس الماضي من الحصول على موافقة بغداد السماح لبعض المفتشين بدخول المواقع الرئاسية العراقية بعد ان رفض المسؤولون العراقيون في البداية السماح لهم بذلك. واضاف المسؤولون الامريكيون ان عنان وقف كذلك الى جانب الولايات المتحدة ضد الحكومة العراقية في ما يتعلق بالاعتراضات على مواصلة طائرات الاستطلاع الامريكية من طراز (يو تو) طلعاتها في الاجواء العراقية. وذكر فرد ايكهارد, المتحدث باسم الامين العام للامم المتحدة ان القلق بشأن موقف عنان ازاء هذه المسألة هو مجرد محاولة للتأثير على اسلوب مناقشة قضية العقوبات, مذكرا ان قرار رفع العقوبات او ابقائها عائد الى مجلس الامن الدولي وليس الى الامين العام. وقال ايكهارد: لا يوجد شرخ بين (مواقف) الامين العام وبتلر.. وبالنظر الى انه (عنان) يتعامل مع هذه المسألة بنفسه, سواء بالنسبة للتحدث إلى بتلر او الى اعضاء مجلس الامن, فما من مجال لأفراد طاقمه للتحكم بوجهات نظره. غير ان المراقبين يرون انه بالنظر الى المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتق الامين العام, والتي تشمل قضايا عالمية كثيرة, فانه مجبر على اللجوء الى مساعديه المقربين الذين عينهم في مناصب مهمة للحصول على المشورة. ويضيف المراقبون ان الكثير من مساعدي عنان اعربوا, بصورة علنية عن معارضتهم لمواصلة فرض العقوبات على العراق. ويشير المراقبون بالتحديد الى شخصيات من امثال براكاش شاه, الدبلوماسي الهندي الذي عينه عنان في فبراير الماضي مبعوثا سياسيا خاصا له الى العراق, والذي يقال انه متعاطف مع مواقف بغداد التي ترى ان فريق التفتيش الدولي يخضع بشكل كبير للنفوذ الامريكي. كما يشير المراقبون كذلك الى بينون سيفان الدبلوماسي القبرصي المسؤول عن برنامج النفط مقابل الغذاء الذي سمح للعراق بمقتضاه ببيع كميات من نفطه لشراء الاغذية والادوية واحتياجات الاغاثة الانسانية للشعب العراقي. ويعتقد بأن سيفان يمثل وجهة نظر مسؤولي الاغاثة في الامم المتحدة الذين يرون ان العقوبات تعرض الشعب العراقي للمجاعة والامراض بشكل وحشي. ومن الشخصيات الاخرى داخل الاوساط المقربة من عنان والتي يعتقد البعض بأنها تعارض الابقاء على العقوبات, رضا اقبال وهو باكستاني ويعتبر رئيس هيئة موظفي الامين العام للامم المتحدة, وايضا رالف غوران نتسون, وهو سويدي واحد المسؤولين التنفيذيين في مكتب الامين العام. وتخشى بعض الاوساط الدبلوماسية من ان يتمكن هؤلاء مجتمعين من التأثير على النقاش الدائر في الامم المتحدة بشأن العقوبات. غير ان هذه الاوساط ترى في الوقت ذاته ان موقف عنان في الفترة المقبلة يتوقف الى حد كبير على مستقبل مذكرة التفاهم التي يعتبرها عنان من ابرز انجازاته منذ تسلمه منصبه امينا عاما للمنظمة الدولية, والتي لم يتم اختبارها بشكل واضح بعد.