صادفت ليلة الثلاثين من يونيو المنصرم الذكرى التاسعة للانقلاب الذي حمل الرئيس السوداني الحالي عمر البشير الى الحكم على انقاض النظام الديمقراطي الذي كان سائدا انذاك. ولما كان الزعيم المعارض حاليا الصادق المهدي على رأس النظام الذي انقلب عليه البشير استوضحت (البيان) رؤيته حول المناسبة والظروف المحيطة بالاجواء السياسية انذاك وتقييمه للاوضاع الحالية ولمؤشرات المستقبل. في الحوار الذي اجرته (البيان) في القاهرة مع رئيس الوزراء السابق المنتخب ديمقراطيا يعترف المهدي ان الحكومة كانت تعلم ان (الجبهة) كانت تتآمر ضد الديمقراطية ولكن استطاعت الحكومة الديمقراطية ان تحيط بالنشاط التآمري للجبهة فكانت محدودة بحكم الدستور القائم اولا وبسبب اختلاف حزبي الائتلاف لمدة عامين حول جهاز أمن السودان مماجعل البلاد مكشوفة أمنيا. وفي مناقشة للظروف والاسباب التي جعلت طريق الجبهة الاسلامية الى الانقلاب سهلا قال المهدي ان الديمقراطية المعيارية جعلت الديمقراطية نهبا لاعدائها وجددت دعوته الى تقويم الديمقراطية بما اسماه الديمقراطية المستدامة. وفي وصفه لحال السدوان اليوم رسم لوحة تصلح ان يكون اسمها السودان اليوم مهددا الا يكون!! ولقد كان المهدي واضحا وصريحا في حواره مع (البيان) حول السؤال الذي يشغل الحركة السياسية السودانية في الداخل والخارج الان وبعد اجازة (دستور الترابي) الذي وصفه بانه ليس اكثر من (بيان سياسي لحزب الجبهة الاسلامية) واكد ان حزبه يدرس الآن كل الخيارات لاتخاذ قرار ملزم بشأنها وتنسيق الموقف مع الآخرين في التجمع الوطني الديمقراطي. والى النص الكامل للحوار الذي بدأ بالسؤال: من موقعكم كرئيس للحكومة الديمقراطية كيف ترون صورة الوضع في السودان ليلة 30 يونيو؟ كانت الحكومة الديمقراطية قد استمرت ثلاثة أعوام واستطاعت عبرها ان تزيد تأييدها البرلماني الى أكثر من 80% من أعضاء الجمعية التأسيسية. وفي آخر تصويت في الجمعية مساء 29 يونيو وقف تأييدا للميزانية السنوية 88/89 كل نواب الجمعية ما عدا نواب الجبهة الاسلامية القومية وكانت الحكومة الديمقراطية قد استطاعت التغلب على التحديات غير البرلمانية التي واجهتها وهي: اولاً: احتواء آثار انهيار الخدمات في كثير من مناطق السودان نتيجة السيول والامطار غير العادية التي تعرضت لها البلاد في اغسطس 1988 واستطاعت ان تعقد مؤتمراً دولياً تحت رعاية البنك الدولي لتمويل برنامج ازالة آثار التدمير الذي حدث واعادة تأهيل المؤسسات والمنشآت السودانية. ثانياً: استطاعت الحكومة الوطنية ان تحتوي الانفجار الذي حدث في الشارع السوداني في ديسمبر 1988 نتيجة لتنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي. ثالثا: واستطاعت ان تواجه التحدي العسكري الذي واجهها نتيجة مذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989 بل وانطلقت من ذلك الى ابرام اتفاق القصر الذي وقع عليه 29 حزباً ونقابة حسم كافة القضايا المعلقة وعلى رأسها قضية السلام. وكانت البلاد تنعم بمشروع سلام واضح المعالم تمثل في برنامج شريان الحياة الذي فصل بين الاغاثات الانسانية والاجراءات الحربية باتفاق طرفي القتال, واتفاق متجدد لوقف اطلاق النار, واتفاق لعقد اجتماع في الرابع من يوليو 1989 لوضع اجندة المؤتمر الدستوري, واتفاق على عقد المؤتمر القومي الدستوري في 18 ديسمبر. هنالك من يقول انه كانت مؤشرات تشير الى ان الجبهة القومية كانت منهمكة في الأعداد للانقلاب العسكري, ومن يقول ان تراخيا أمنياً قد حدث مما سهل مهمة الانقلابيين. ماذا يقول رئيس الحكم في ذلك الآن؟ كانت الجبهة الاسلامية القومية تقوم بأنشطة عديدة تمثلت في حملة صحفية متهورة للاثارة ولتشويه الديمقراطية, وتحريض مستمر للنقابات للاضراب على أوسع نطاق, واختراق لجهاز الأمن وللقوات المسلحة. وكنا نعلم ذلك ونعتقد انه يشكل تآمراً ضد الديمقراطية.. ولكن استطاعت الحكومة الديمقراطية في ظروف دستور السودان القائم ان تحيط بهذا النشاط وكانت محدودة للأسباب الآتية: اولاً: اختلف حزبا الائتلاف لمدة عامين حول اقامة جهاز امن السودان مما جعل البلاد مكشوفة امنياً, وعدم وجود أغلبية برلمانية لحزب اوجب ائتلافا جعل الحكم ضعيفاً جداً من الناحية التنفيذية. ثانياً: كان المجلس العسكري الانتقالي قد وضع قانونا للقوات المسلحة جعلها اشبه بالقضاء في استقلالها مع انها ينبغي ان تكون جزءاً من الجهاز التنفيذي للبلاد: ولا مجال لرئيس الوزراء او وزير الدفاع ان يراقب او يتدخل في القوات المسلحة وهذا جزء كبير من ادوات السلطة التنفيذية ــ وحالت الغيرة الائتلافية دون اصدار قانون يلغي قانون المجلس العسكري الانتقالي. ولدى آخر اجتماع بيني وبين قادة القوات المسلحة استعرضنا الموقف وأكدوا لي أنهم استعدوا للحيلولة دون تحرك ذبابة على حد تعبير رئيس هيئة الاركان. بعد تسع سنوات من حكم نظام الانقاذ ووفقاً لبرنامج الانقلاب المعلن اين نجحت في رأيكم, اين اخفقت سياسات حكومة الجبهة؟ برنامج الانقاذ المعلن في البيان الأول مكون من أربع نقاط هي: انهاء الحرب وتحقيق السلام, واصلاح الاقتصاد الوطني, وتحسين علاقات السودان بدول الجوار, ودعم القوات المسلحة, وفي يناير 1991 اضاف النظام بندا كان قد أخفاه في البداية لأهدافه هو: تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان. اما أداء النظام نتج عنه ان الحرب الأهلية اتسعت وتعمقت وصار السودان في خطر الا يكون لأول مرة في تاريخه الحديث, وفي مجال الاقتصاد الوطني أفلس واستولى عليه الفساد والتقسيم الظالم للثروة لصالح أقلية حاكمة, اما علاقات السودان بدول الجوار فهي في أسوأ حالاتها منذ كان السودان بل السودان اليوم طريدا في المجالين الاقليمي والدولي. اما دعم القوات المسلحة فلم يتحقق الا عكسه على نحو ما قال قرنق, قال (انه هو والترابي قد دمرا القوات المسلحة) . اما تطبيق الشريعة فقد أوضحت بطلان كافة الأحكام والممارسات باسم الاسلام: بطلان ما سموه بيعة. ــ بطلان ما سموه زكاة. ــ بطلان ما سموه جهادا. ــ بطلان ما سموه بنكية اسلامية ليحل محل سعر الفائدة أحكام وممارسات أكثر ربوية من سعر الفائدة لا أجد فيما أعرف من تجارب الانسان مثل ما حدث في السودان وهو تدمير وطن باسم تطبيق الشريعة. مع بداية العام العاشر من حكم الجبهة القومية الاسلامية كيف ترون سيادتكم صورة السودان اليوم؟ السودان تصف حاله اللوحة التالية: ــ القهر الداخلي الذي تمارسه دولة بوليسية لم يعهد السودان مثلها. ــ تشريد الكفاءات وهروب صفوة من أهل السودان. ــ اقتصاد وطني في حالة انهيار تام. ــ خدمات اجتماعية في الحضيض. ــ حرب أهلية منتشرة في كل أنحاء البلاد. ــ حروب قبلية ملتهبة السودان اليوم مهددا الا يكون. بعد التوقيع على الدستور وما تسميه السلطة مرحلة الشرعية الدستورية يبقى السؤال الأخير ما هي في رأيكم كرئيس لحزب الأمة وقائد للمعارضة الديمقراطية ماذا بعد يونيو 1998م؟ ان ما اجازه الانقاذ ليس دستورا انه مانفستو الجبهة الاسلامية القومية لا أكثر ولا أقل, وهو نص منفصم ما بين ثيوقراطية وحكم مدني مذبذب لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء, واجازته لا تعني شيئاً لان نفسه يقول ان بنوده تمارس وفق احكام القانون والقانون الموجود حالياً هو قانون الدولة البوليسية فاجازة الدستور لا تعني شيئاً أكثر من بيان سياسي. لقد عدل النظام أساليبه ولكن حتى اشعار اخر فان جوهره كما هو اننا في حزب الامة ندرس ما نفعل ازاء هذا الامر بين ثلاثة اختيارات. الاول: ان نستمر كما نحن بلا تعديل في نظمنا واساليبنا. الثاني: ان نوسع من انشطتنا الداخلية وفق الهامش المتاح من الحريات. الثالث: ان نجعل نشاط حزبنا علنيا ونعقد المؤتمر العام الثاني للحزب هذه الخيارات تناقش الان في كل اجهزة الحزب. بالداخل والخارج لاتخاذ قرار ملزم بشأنها مع تنسيق الموقف مع الاخرين في التجمع الوطني الديمقراطي. القاهرة ـ عبدالله عبيد