في تاريخ الثورة الصينية اعمال خارقة, اشهر هذه الاعمال ما اصبح يشتهر باسم (الزحف الطويل) , اي الزحف الذي قام به جيش الثورة, وقطع خلاله 9600 كيلومتر, ابتداء من عام 1934 حتى سيطر على الصين كلها عام 1949, بعد ان واجه صعوبات هائلة وتمكن من التغلب عليها . ويبدو ان الولايات المتحدة والصين سيكون عليهما ان يقوما (بزحف طويل) جديد, حتى يتوصلا الى اقامة علاقات تفاهم وتعاون طبيعية ثابتة الاركان, لا تزعزعها اية خلافات طارئة. زيارة كلينتون الحالية هي بداية هذا الزحف الطويل الجديد لاقامة علاقات طبيعية بين اقوى واغنى دولة في العالم, واكبر الدول من حيث عدد السكان. ومن المتوقع ان يواجه الزحف الطويل الجديد شأنه في ذلك شأن الزحف الطويل الاول عقبات وصعوبات جمة. ولكن يبدو ان الدولتين مصممتان, كل لأسبابه الخاصة, على التوصل الى نتائج احمد عبدالغني ايجابية. واسباب السعى الى التقارب من الجانب الامريكي, تتمثل في ان الولايات المتحدة وجدت ان التطورات التي حدثت في النظام العالمي, تجعل من الافضل التخلي عن سياسة احتواء الصين وعزلها, واتباع اسلوب التفاهم تحقيقا لمصالح امريكية بالدرجة الاولى, خاصة وأن محاولات عزل الصين لم تنجح, واستطاعت الصين, رغم هذه المحاولات, أن تحتل مكانة هامة في العالم. وشعرت امريكا في نفس الوقت انها, وهي الدولة العظمى الوحيدة في العالم في الوقت الحالي, لا تستطيع بمفردها, حل المشكلات المعقدة التي تواجه النظام العالمي الجديد. ومن الواضح انها اختارت الصين لتكون احدى الدول التي تتعاون معها في هذا المجال, بدلا من ان تلجأ الصين تحت ضغط محاولات عزلها الى وضع عراقيل امام السياسة الامريكية. وثمة مشاكل تأمل الولايات المتحدة ان تتعاون معها الصين في مواجهتها وعلاجها, مثل الازمة المالية الصعبة التي ضربت بعض الدول الاسيوية, ومثل العمل على منع انتشار الاسلحة النووية. والذي يجعل الولايات المتحدة حريصة على كسب تعاون الصين, ان واشنطن عجزت كما اثبتت التجارب عن علاج العديد من المشاكل, وهو ما ظهر بوضوح في الشرق الاوسط, وفي الأزمة المالية الآسيوية, وفي منع انتشار الاسلحة النووية, كما اثبتت ذلك التجارب النووية الهندية والباكستانية. يبقى بعد ذلك العامل الاقتصادي. فالولايات المتحدة تعانى عجزا في ميزانيتها يبلغ 290 مليار دولار, كما انها اكبر الدول المدينة في العالم. ولهذا فان الولايات المتحدة لا تستطيع ان تتجاهل الصين بسوقها الهائلة, وتجارتها الخارجية التي يبلغ حجمها 200 مليار دولار في العام. وتبدو اهمية الصين الاقتصادية بالنسبة لامريكا اذا علمنا ان زيادة صادرات امريكا إليها بمقدار مليار دولار تعنى توفير 19 فرصة عمل في امريكا. اما بالنسبة للصين, فانها هي ايضا بدأت منذ بعض الوقت في تغيير سياستها تجاه العالم الخارجي, بما في ذلك العالم الغربي, وهناك عدة عوامل تقف وراء هذا الاتجاه, لعل في مقدمتها ان الحرس القديم في الثورة الصينية قد انتهى تقريبا. اما من يمسكون بزمام السلطة الآن, فهم اناس عمليون يولون اهمية للمصالح, وان كانوان يتمسكون ببعض الثوابت التي ورثوها عن الثورة. ويسعى هؤلاء القادة العمليون الى تحقيق حملة من الاهداف, من بينها العدل على اعتراف العالم بالصين كدولة كبرى لها مكانتها ودورها في الشؤون الدولية. ولعل هذا ما يجعل الصين تعارض هيمنة دولة واحدة على النظام العالمي, وتطالب بعالم متعدد الاقطاب. الهدف الثاني الهام بالنسبة للزعماء الصينيين هو تحديث الصناعة الصينية, والحصول على التكنولوجيا اللازمة لذلك, ومن امريكا بصفة خاصة. ولذلك تسعى الصين الى ان ترفع الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها عليها بعد احداث ميدان تيانانمين (بوابة السلام السماوي) عام 1989 التي سحق فيها الجيش الصيني مظاهرات الطلبة المنادين بالديمقراطية. والذي يجعل الصين تعتبر ان امريكا هي الدولة التي تستطيع تزويدها بالتكنولوجيا التي تحتاج اليها, ان روسيا التي كانت المصدر الاساسي للوسائل الحديثة التي تحصل عليها الصين, تدهورت احوالها ولم تعد في مركز يمكنها من مساعدة الصين. والان ما هي العقبات التي تجعل من عملية التقارب الامريكي الصيني عملية صعبة, وستستغرق وقتا طويلا؟ تأتي في مقدمة هذه العقبات مشكلة تايوان. فالصين لا يمكن ان تتخلى عن هدف استعادة الجزيرة, واعادة توحيدها مع الوطن الام. ولكن الولايات المتحدة لاتزال تحتضن تايوان وترفض التوقف عن تزويدها بالأسلحة. وتجدر الاشارة هنا الى انه يوجد في الولايات المتحدة (لوبي) تايواني, يدافع عن مصالح تايوان, ويضغط من أجل عدم تغيير السياسة الامريكية تجاهها. العقبة الثانية هي تحول الصين الى اقتصاد السوق. فالصين استوعبت تجربة روسيا التي اتخذت خطوات متسرعة منفلتة للتحول الى اقتصاد السوق, فوقعت في مشكلات وازمات اقتصادية لاحقة, ولذلك, فرغم الضغوط الامريكية على الصين لكي تسرع بخطوات التحول الى نظام السوق, فان القيادة الصينية مصممة على ان يكون التحول منضبطا ومحكوما, وتحت سيطرة الحزب الشيوعي. وما يعزز موقف الحكومة الصينية في هذا الشأن ان الشعب الصيني بدوره اقتنع بان الصين يجب ان تسير بخطى محسوبة فيما يتعلق بالاصلاح الاقتصادي, حتى تتجنب البلاد تجربة روسيا التي كان حصادها شديد المرارة. عقبة ثالثة هي مسألة الديمقراطية وحقوق الانسان. فالولايات المتحدة تستخدم هاتين المسألتين, ليس اخلاصا لتأكيد الديمقراطية وحقوق الانسان في الصين, ولكن لاستخدامها كورقتين للضغط على القيادة الصينية بقصد تحقيق اهداف امريكية. لكن الصين التي تريد تأكيد مكانتها كدولة كبرى ترفض اي تدخل خارجي في شأن من شؤونها الداخلية. ولعلنا نلاحظ ان القيادة الصينية وجهت الى الولايات المتحدة رسالتين في هذا الشأن في مستهل زيارة الرئيس كلينتون. الرسالة الاولى هي اعتقال عدد من المعارضين الصينيين. والثانية هي تصريح الرئيس الصيني جيانج زيمين بان الصين ستصبح دولة ديمقراطية بعد خمسين عاما! الى اي حد ستثير هذه العقبات صعوبات امام عملية التقارب الامريكي الصيني؟ من الصعب الاجابة على هذا السؤال الآن. لكن المرجح ان التقارب سيتحقق, حتى وان سارت خطواته ببطء, واستغرقت وقتا طويلا.