اسبوع انقضى, منذ هوت كف الرئيس اللبناني الياس الهراوي على خد حسن صبرا رئيس تحرير مجلة (الشراع) اللبنانية. والآن صبرا اكثر من هادئ وهو يتحدث الى (البيان) عن الزوبعة الصحفية التي كادت ان تتحول الى أزمة سياسية بسبب صفع الهراوي له . في دراه, في منطقة المصيطبة, حيث ولد ونشأ وتعلم قبل ان (يعشق) جمال عبدالناصر فيزور مصر ويدرس بها, يؤكد في حواره الخاص مع (البيان) انه مازال على مواقفه الناصرية, وعلى مبادئه الصحفية التي بدأها منذ العام 1992 تحت شعار (سلاحي القلم) بغض النظر عن محاولة الرئيس اللبناني الحاق الاهانة به. لهذا كان عنوان افتتاحيته في مجلته (الشراع) وهو الاول الذي يصدر بعد الصفعة: (صفعة للقلم... لكنه سيظل حاوره وليد زهر الدين سلاحنا) . من يعرف الصحافي حسن صبرا يدرك انه سياسي تعتق بالنبض القومي العربي, وان هذا مازال يعمل في شرايينه وخفقات قلبه وحبر مقالاته ومجلته. ترشح على الانتخابات النيابية الاخيرة , فلم يحالفه حظ الفوز, لكن: (الاصوات التي ايدتني كانت, كافية لفوز سياسي ومعنوي لمصلحة بيروت, ومن اجل ابنائها بحاضرهم ومستقبلهم) . له علاقة قوية برئيس الحكومة رفيق الحريري ويعتبر ان حكومته من افضل الحكومات التي مرت على البلاد والعباد. يرفض اتهام عهد رئيس الجمهورية الياس الهراوي بأنه كان يقمع الحريات, بل يقول على عكس ذلك, مؤكدا ان الحرية مع هذا العهد كانت موجودة وكنا نقول اية كلمة نريدها) . وفي الحوار التالي بعض ما يسجله الزميل صبرا في (البيان) تحت ذكرى الاسبوع الاول للصفعة التي لم تجد واقعتها أية حلحلة باستثناء تأكيد المواقف, وردود الفعل المتباينة ومحاولات وساطية لرأب الصدع, ينشط فيها وزير الداخلية ميشال المر الذي وقعت الحادثة في منزله في بلدة بتغرين. يبدأ صبرا حديثه قائلا: (انا ارفع منذ العام 1992 شعارا يقول: (سلاحنا القلم) , وسيظل هذا الشعار بالنسبة لي. * كلفك هذا الشعار عدة محطات متعبة ومصيرية منها محاولة الاغتيال وصولا الى الصفعة, اية صعوبات عنيفة تتوقع ان تكون على موعد معها مع اصرارك على شعار (سلاحنا القلم) , وترجمته في مقالاتك ومواقفك؟ يجيب صبرا عن هذا السؤال قائلا: ــ ليس عندي اي خيار لشعار آخر انا صحافي وخلال فترة الحرب كلها, قبل ان اصبح صحافيا, كنت في الاجواء السياسية, انا ناصري, لكنني لم أحمل سلاحا طوال حياتي, وتلقيت هدايا هي عبارة عن عدة مسدسات من اصدقاء وجهات ولم استخدمها, لم اكلف نفسي حتى ان اتدرب على السلاح) . ماذا عملت في المسدسات إذن؟ ــ (أهديتها إلى أناس كانوا فعلا في فترة من الفترات معرضين للاغتيال, أحدهم من غير اللبنانيين. وبعض هؤلاء صاروا في مواقع رسمية) .إلى أي مدى تمكن الاعلاميون من استخدام سلاح القلم في عهد الرئيس الياس الهراوي؟ إلى أي حد كان هناك حريات صحفية واعلامية؟ ــ (لم يكن لدينا شكوى من الاساءة لحرية القلم في لبنان, لا, فقد بقينا نقول الذي نريد قوله. كل ما هنالك اننا كنا ننتقل من عقوبة الحبس الاحتياطي إلى الغرامة المالية. وهذه الغرامة صارت قاسية كثيرا. آخر غرامة عليّ 100 مليون ليرة (لبنانية) ما يقرب من مائة ألف دولار نعمل (لمة) لجمعها) . ما هي التهمة ضدك التي استحقت مثل هذه (العقوبة) ؟ ــ (سنة 1991 كتبت مقالا, أيضا, ضد الرئيس الهراوي تحت عنوان: (فخامة الرئيس اصلح أو استقل) وحملته مسؤولية الفساد الموجود في البلد. فبعد حوالي ثماني سنوات صدر الحكم, يعني أنا لا أريد أن أقول شيئا عن القضاء, إنما لو القضاء ينظر بالروح وليس بالبنود يكتشف انه ليس هناك من أحد إلا وتحدث عن الفساد في البلد بمن فيهم الرئيس (الهراوي) نفسه والذي كنت قد حملته في المقال المسؤولية عن الفساد. الرئيس الهراوي تحدث عن الفساد وطالب الجميع بمعالجته, لكن ليس هو المسؤول عن هذا الفساد؟ ــ (بلى, من هي المرجعية في الأخير؟ هناك رئيس جمهورية, مسؤول أعلى, هناك واحد مسؤول إذن. إذا صدر أي خطأ في (الشراع) مثلا وضع صورة مكان أخرى, أو عنوان خبر فوق خبر آخر, من يكون المسؤول؟ في هذه الحالة سيقول الناس: شو ها (الشراع) وما هذا رئيس تحريرها, ولن يقولون إن الخطأ قد يكون فنيا, ربما حصل في الصف, أو المونتاج أو الكمبيوتر. يعني نحن ليس لدينا شكوى في موضوع النقص بالحرية. بقينا نقول ما نريده. لكن يلاحظ انه خلال عهد الرئيس الهراوي أحيلت عدة صحف ومطبوعات ومؤسسات اعلامية إلى القضاء؟ (هذا صحيح, لكن القضايا إلى أين أحيلت؟ إلى القضاء الذي يقول رأيه فيها. إذا كانت صالحة للبت فيها أم غير صالحة. نأخذ مثلا احالة الزميلة (السفير) إلى القضاء قبل سنوات, صحيح انها أحيلت لكنها لم تتعطل يوما, صدرت في اليوم الثاني باسم آخر, معنى ذلك ان الحرية ظلت أقوى, لم يكن هناك من مشكلة. الاجراءات التي كانت تعمل ليست بمستوى قدرة الصحافة على ممارسة الحرية, ولا بمستوى قدرة الوطن الدائمة على ابتداع وسائل يبقى قادرا من خلالها على التعبير عن رأيه, ولا بقدرة المنابر التي ظلت توصل كلامها بكل الاتجاهات وإلى أي مكان) . بالعكس, اليوم الذي صارت فيه مواجهة, إذا صح التعبير حول قضية (السفير) مثلا كان الكلام المسموع هو (السفير) ومن يؤيدها ومن يدافع عنها. ما معنى هذا؟ يعني ان الحرية قوية في البلد وليست ضعيفة. وأحيانا ضيق صدر الحاكم ليس مرده إلى انه يريد الغاء الحرية, بل يعني انه في لحظة من اللحظات يعتقد انه قادر بقانون من القوانين على المواجهة, فيواجه. ثم انظر إلى موقف الرئيس الهراوي في (المعركة) الأخيرة التي صارت بيني وبينه, قال انه: (لم يعد هناك قوانين تستطيع أن تحميني) , فقرر هو أن يلجأ إلى القبضة (الصفعة)) . لكنه لم يلجأ إلى القضاء؟ ــ (ايه, كان غلط لو لجأ إلى القضاء. أنا قلت له: كان يمكن أن تلجأ إلى القضاء) . من خلال الكلام بيني وبينه (في منزل وزير الداخلية ميشال المر في (بتغرين) حيث حصلت واقعة الصفعة) , قال لي: (انت القايل يا رايح كثر القبايح) وتأتي لتسلم علي) . قلت له: إذا كان هذا الكلام لا يعجبك هناك وسائل أخرى تستطيع أن تحاسبني بها. خذني على القضاء أنا صحافي. قلت له ان يقوصني؟ لا لن أقول له ذلك, لانه لا يقدر. قلت له: اذهب إلى القضاء الذي كان قبل تعديل المرسوم 104 قادرا ان يعمل حجزا احتياطيا للصحافي. لكن بعد هذا التعديل صار البديل هو الغرامة المالية) . لكن كلامك عن وجود حريات اعلامية لا ينطبق على الحريات النقابية العمالية, حيث جرى قمع أكثر من ظاهرة خلال السنوات الأخيرة؟ ــ أبدا لم يحصل هنالك أي قيد على العمال حيال أي أمر يريدون ان يقوموا به. لكن السلطة منعت عدة تظاهرات عمالية من الانطلاق؟ ــ (لا أبدا) هذا لم يحصل لأن ما صار لم يكن موجها ضد الحريات ولا ضد العمال, ما حصل هو احدى صور المواجهة الفعلية بين المعارضة وبين السلطة, وتحديدًا المعارضة السياسية, وأقول ان الجسم العمالي والنقابي دفع ثمنا غاليا للأسف. لأن هذا الجسم صار يتصدى لقضايا سياسية كبيرة جدا, ناسيا همه النقابي المباشر, وصار يعتبر نفسه جسر عبور للانتقام أو الثأر السياسي بين قوى مختلفة, أو حتى للثأر العقائدي, ليس في مصلحة للعمال ولا للاتحاد العمالي التحول إلى مطية حتى يداس عليها, والآخرون داسوا عليها عندما رأوا ان الاتحادات العمالية لم تعد تخدمهم, صاروا يفتشون عن أشياء أخرى. من هم الذين يدافعون عن العمال وحقوقهم؟ أين هم السياسيون الذين يدعمونهم؟. هناك وجهة نظر تقول انه صار هناك في الدولة خطة تبحث في تقسيم الحركة العمالية؟ ــ (تعا لقلك... نحن اليوم ليس هناك من لا يعجبهم بيان نقابتي الصحافة والمحررين (حول حادثة الصفعة, ومطالبة الهراوي بمبادرة شجاعة) من الصحافيين أنفسهم. لكن من لم يعجبهم تبقى أقلية لا قيمة لها. مثلاً غسان تويني ضد موقف النقابتين. لكن لما تتماسك النقابتان فلا غسان تويني ولا مئة مثله يقدرون ان يؤثروا. بينما إذا لم يتماسكوا, غسان تويني وغيره, يمكن ان يلعبوا أي دور. لذلك فقد أثبت تماسك الجسم النقابي الصحافي الموقف الذي يريده, وكان بامكان تماسك الجسم العمالي ان يثبت الموقف الذي يريده, لكن للأسف لم يحدث ذلك لأنه وضع نفسه مطية لطروحات سياسية لها حسابات ومسائل شأن شخصي واقتصادي وسياسي وعقائدي ضد الحكم , فدفع هو الثمن. اننا نأسف لان يحصل ذلك في الجسم العمالي, لكن ما حصل لم يكن للحكومة أي دور فيه. وأنت تعرف ان هذه الحكومة بتبنيها للقضايا الاجتماعية أفضل بكثير من كل الحكومات التي سبقتها. هناك حكومات (لبنانية) كانت تعتبر العمال اعداء لها, لكن ظل الجسم العمالي متماسكا, لماذا؟ لأنه كان يواجه بروحية مهنية وشبابية. لكن لما صار الجسم العمالي مستخدما وأراد ان يسلم نفسه رهينة للمحاولات البائسة باستخدامه فقد دفع الثمن غاليا. * لكن كلامك ينطبق على الجسم النقابي الصحافي خاصة عندما اشرت إلى موقف الزميل غسان تويني, اضافة إلى عدم متابعة نقابتي الصحافة والمحررين للموقف والغاء اتحاد الصحافيين العرب لاجتماعه الذي كان مقررا في القاهرة للبحث في قضية (الصفعة) واتخاذ الموقف المناسب. * هل لاحظت بعد كل ذلك ان موقف الصحافيين والاعلاميين كان إلى جانبك؟ ــ (طبعا) ومائة بالمائة. لكن لم يحصل أي تحرك صحفي بعد بيان النقابتين المشار إليه أعلاه؟ ــ (يجب ان نعتبر اننا كصحافة سلطة معنوية, سلطة رأي, وأنت إذا كتبت في الجريدة مقالاً عن الفساد وبقي الفساد فيجب ان تستمر في ملاحقته, خاصة اذا لم يتحرك القضاء ولا النيابة, لا تستطيع ان تبقى تحمل سيفا وتقاتل, وان تحمل مسدسا وتقتل به. صارت القصة ان الرأي العام قد مات, فإذا هو لم يتحرك تقول ان هذا هو مستوى التعاطي مع مثل تلك المسائل, أو هذه هي درجة حيوية المجتمع, أو حيوية المثقفين أكثر من ذلك لا تستطيع ان تعمل شيئا, أنت قلت انك في مسألة حماية الحريات لا يمكن ان تنساها. وان اهانة صحافي على يد أكبر مرجع في البلد لن تنساها (الصفعة). قلنا (في بيان النقابتين) ان الحد الأقصى هو الموقف الذي اتخذ. البعض طالب باضراب الصحافة, لكنني كنت ضد هذا الطرح. لأنه يجب ان نحكي, ونوصل رأينا, من دون ان نضرب, وإلا فهل يمكن لأحد ان يعاقب نفسه. البعض طرح ان نقاطع كصحافيين القصر الجمهوري, لكننا إذا ما قمنا بذلك فنكون قد أحدثنا معركة سياسية, أو طائفية مثلا, يكفينا أننا وصلنا إلى هنا, لأنه بامكانك ان تقول انه يمكنك أن تبقى تستثير كل القوى في لبنان, او في الخارج ضد هذه السلطة, او ضد هذا الشخص, وبعد ذلك؟ اننا اكثر وفيا لمصلحة البلد ومقام الرئاسات والمحافظة على المؤسسات من اصحاب المؤسسات والقامات انفسهم. وكان سلوكنا هكذا من الاساس نحن مسؤولون ايضا, يعنينا ان نأخذ مواقف تحافظ على الحرية وتدافع عن الصحافة, كما عن الوطن في المقام الاول دون ان نتخلى عن اتهام الاخرين بتحمل المسؤولية. هناك من يسجل ملاحظة ان (السلطة الرابعة في لبنان (اي الصحافة) قد تراجعت عما كانت عليه من قبل, فهل هذا صحيح برأيك؟ ــ هناك اعتبارات منها انه يجب ان تحاسب تقصير الاعلام ككل, كاحدى السلطات في اي مجتمع, اضافة الى ان هناك عوامل جديدة قد دخلت لم تكن بالحسبان, كان تأثير الكلمة عندما كان الناس يستفيقون صباحا ويركضون ليقرأوا صحيفة قبل سواهم, لكن الان تغير الحال فثمة ثورة في الانترنت والفاكس ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة كل هذه العوامل شكلت تحديا شديدا للسلطة الرابعة كثر خير الله انها مازالت قادرة ان تقف وانه مازال للكلمة دورها حتى الان. وهذا امر مهم خاصة عند العرب والمسلمين فنحن امة قراءة, من قبل بالشعر قبل الاسلام, ثم بالقرآن الكريم, ثم بالحديث الشريف, ثم بالسيرة النبوية كلها. لذلك فان كل ما يحصل لن يغير في عقولنا ووجداننا ما للكلمة من اهمية. هذا صحيح, ومن المسلمات الثابتة في الصحافة اللبنانية كما في عالم النشر محليا, لكن هل يكفي الدفاع عن المبدأ للدفاع عن الصحافة تلك والتأكيد بالتالي انها لم تتراجع, في وقت يجمع كثيرون على ان تراجعها كان اكثر من واضح, فيما يدافع عنها اخرون بالقول ان هذا التراجع حصل لكن كان قسريا على طريقة (رأس النعامة في الرمال) ؟ ــ بالتأكيد لم تعد الحياة الصحفية والسياسية والحزبية كما كانت في الماضي, الظروف تغيرت, ماذا نفعت سياسة الاحزاب, والتظاهرات وقطع الطرقات؟ حصدناها الى ان حصلت الحرب. يجب ان ندرك ان ذلك ليس هو الاسلوب, لان لدينا اسلوبا اخر هو الكلمة التي اثبتت انها اقوى من اي شيء آخر, والدليل ان رئيس الجمهورية لم يتحمل كلمة ففقد اعصابه, وحكى كلاما لا يليق بمقامه, ووضع البلد في مأزق من اجل كلمة, لاجل مقال كنت قد كتبته منذ ثلاثة اشهر, هذا يعني ان تأثير الكلمة مازال قويا كثيرا, لم يكن من مصلحتنا ان نجر القضية (الصفعة) الى الساحة السياسية, اثرنا ان نبقيها في اطار الدفاع عن الحريات, على ان يجد رئيس الجمهورية بابا ومخرجا ليتراجع (عن الصفعة) لاننا كصحافيين لانريد ان ندخل البلد في ازمة, ربما هناك آخرون, مثلا غسان تويني لم يتضامن مع نقابتي الصحافة والمحررين, ورأيه هو نهج جريدة (النهار) انه ليست هناك من مشكلة في ان يدخل البلد بأزمة وهذا النهج سياسي, لكن لم نسمح بذلك, ولن نسمح به, ويمكن ان تقول على لساني ان غسان تويني هو واحد من المحرضين ضد التسوية الان (مع الهراوي) اي التسوية التي تجعل رئيس الجمهورية يقدم على مبادرة لانهاء الازمة يعني غسان تويني و (النهار) وابنه جبران هم من المستفيدين بوضع البلد في ازمة سياسية.