تقارير البيان: (الجمهوريون) يحرضون نتانياهو ضد كلينتون ويتعهدون بالوقوف الى جانبه

كما كان متوقعا, رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو اقتراحا امريكيا ثانيا صاغته وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت ومساعدوها كوسيلة لردم الهوة بين الموقف الاسرائيلي المتعنت ومواقف السلطة الفلسطينية من أجل اعادة المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية الى مسارها بعد الجمود الذي دخلته على مدى الخمسة عشر شهرا الماضية. وكانت الإدارة الامريكية, بعد أن رفض نتانياهو اقتراحها الأول وضرب عرض الحائط بانذارها بأن عليه أن يقبل ذلك الاقتراح ــ الذي كان يدعو الى انسحاب اسرائيل من نسبة 1.13 بالمئة من أراضي الضفة الغربية قبل أن يدعوه الرئيس كلينتون الى قمة واشنطن ــ قد تقدمت باقتراح آخر في أعقاب الاجتماعات التي عقدتها أولبرايت ومنسق عملية السلام في وزارة الخارجية دنيس روس مع نتانياهو في واشنطن في الأسبوعين الماضيين. وينص الاقتراح الثاني هذا على أن تنسحب اسرائيل من نسبة 15 بالمئة من أراضي الضفة الغربية على مرحلتين بشرط قيام الفلسطينيين بسلسلة من الاجراءات خصوصا في الجانب الأمني, وبشرط أن تعفى اسرائيل من القيام بالانسحاب الثالث التي التزمت به في الاتفاقات التي وقعتها حكومة العمل في واشنطن والقاهرة في 1993 و 1994 و,1995 وأكدت عليها حكومة الليكود برئاسة نتانياهو في اتفاق الخليل في مطلع عام 1997. والملاحظ, كما يقول المراقبون السياسيون الامريكيون, أن نتانياهو قد نجح حتى الآن على مستويين رئيسيين في سياسته الرافضة تطبيق اي من استحقاقات السلام التي وقع عليها: أولا, رفض التعاطي مع أية مقترحات امريكية (معقولة) شكلت تنازلات مهمة من قبل الفلسطينيين, ثانيا, قيامه بكل ذلك وتحديه الإدارة الامريكية دون أن يوصل علاقته الى مستوى (غير محتمل) من التوتر مع الولايات المتحدة يؤثر ضده سلبا في الشارع الاسرائيلي. ولم يتحد رئيس الوزراء الاسرائيلي الإدارة الامريكية أكثر من مرة فحسب, بل, وكما يقول المراقبون السياسيون هنا, فإنه (يتلذذ) في رفض المقترحات الامريكية أحيانا, ويطلق (تصريحات استفزازية) ضد البيت الأبيض أحيانا أخرى مثل ذاك الذي قال فيه انه مستعد لإشعال ثورة داخل البيت الأبيض. ويضيف هؤلاء أن آخر (ما يقض مضجع نتانياهو فيما يدرس خطوته القادمة لكسر الجمود التفاوضي مع الفلسطينيين, هو تأثير الضغط عليه من قبل الولايات المتحدة) . والأهم من ذلك, برأي هؤلاء المراقبين, أنه وعلى عكس التوترات السابقة التي كانت تحدث بين حكومات اسرائيل والإدارات الامريكية المتعاقبة, فإن المواجهة الحالية بين ادارة كلينتون ونتانياهو (تبرز العداوة المستحكمة بين الإدارة الديمقراطية والكونجرس الذي يسيطر عليه الحزب المعارض (الجمهوري حاليا), كما ينسف الاتفاق الحزبي السياسي الامريكي التقليدي حول الشرق الأوسط) . ويقول هؤلاء ان ليس بمقدور أي رئيس وزراء اسرائيلي أن يكون غير مكترث بعلاقات تل أبيب بالبيت الأبيض دون أن يدفع ثمنا لذلك على الأقل على صعيد السياسات الداخلية الاسرائيلية. ويشيرون الى الخلاف الذي اندلع بين حكومة سلف نتانياهو في رئاسة حكومة ليكودية في أواخر الثمانينات اسحاق شامير مع الرئيس الامريكي الأسبق جورج بوش, وهو الخلاف الذي دفع ثمنه شامير بخسارته الانتخابات الاسرائيلية لصالح حزب العمل في عام 1992. غير أنه وخلال الجولة الامريكية في الاسبوع قبل الماضي التي شارك فيها في المؤتمر السنوي لجماعة اللوبي الاسرائيلي الرئيسية في واشنطن (ايباك) , فإن مساعديه أعربوا عن (دهشتهم) عن استعداد أعضاء رئيسيين في الكونجرس الامريكي, خصوصا رئيس مجلس النواب نوت جينجريتش لمهاجمة حكومتهم وتأييد زعيم دولة أجنبية تتلقى من المساعدات الامريكية سنويا أكثر من ثلاثة مليارات دولار. وتقول مصادر في واشنطن نقلا عن مسؤولين اسرائيليين حضروا اجتماعات نتانياهو مع زعامات الجمهوريين في الكونجرس, خصوصا رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس بنجامين غيلمان, ان جينجريتش وبعض أعضاء الكونجرس الآخرين قد حثوا نتانياهو على القيام بأكثر مما يعتقد أنه (حكيم أو ضروري) في شن هجوم سافر على ادارة كلينتون وسياستها في الشرق الأوسط, خصوصا بعد انذار أولبرايت في لندن مطلع الشهر الجاري لنتانياهو في لندن بأن عليه أن يقبل المقترحات الامريكية اذا أراد أن يحضر الى قمة واشنطن التي دعت اليها أولبرايت بموافقة الرئيس كلينتون ونائبه آل جور. (قد يكون المنصرم حين صدور العدد). وقال هؤلاء ان زعامة الجمهوريون في الكونجرس تعهدت لنتانياهو بدعمه (حتى الرمق الأخير) في أية مواجهة حاسمة مع الرئيس كلينتون, وتعهدوا بأنهم (مستعدون لفعل كل ما بوسعهم لضمان انتصار نتانياهو على كلينتون) . جينجريتش نفى رسميا, وان ليس بقوة, هذه التصريحات, واكتفى بالقول انه في حين (يؤيد أن تكون اسرائيل هي التي تحدد متطلباتها الأمنية, فإنه لم يقل لنتانياهو في مجالسه الخاصة ما لم يقله علنا) , وهو ما لا يعتبر نفيا حقيقيا للقول انه حرض نتانياهو على كلينتون. وكانت ادارة الرئيس كلينتون قد صعدت قليلا من تهديداتها غير المباشرة لنتانياهو بأن صبرها قد نفد وأنها على وشك أن تسحب يدها من عملية السلام وتعلن من هو المسؤول برأيها عن تعثر العملية السلمية, وهو ما يعني بكل وضوح نتانياهو نفسه على أساس أن الفلسطينيين قبلوا المقترحات الامريكية الأخيرة الداعية الى انسحاب اسرائيل من 1.13 بالمئة من أراضي الضفة الغربية المحتلة. وقال الناطق باسم الخارجية الامريكية جيمي روبن, في أحدث تهديد للإدارة في هذا الإطار, ان ذلك اليوم (ليس ببعيد) . وأضاف: (اذا لم نستطع حل الخلافات بين الطرفين بسرعة ولم نصل الى مرحلة يقبل فيها الطرفان المقترحات الامريكية, فإننا سنكون مجبرين على الإعلان بصراحة عن موقفنا وتفسير اسباب وصولنا الى هذا الوضع) . ويعزو الكثير من المحللين السياسيين التعنت الذي يواجه به نتانياهو مطالب الإدارة ومقترحاتها الى أنه نابع من حقيقة أن الإدارة الحالية (ليست ادارة شؤون خارجية في الأساس, وليست مستعدة للتفجير مع اليهود الامريكيين, أو حتى أولئك الذين يؤيدون نتانياهو فقط, من أجل مواصلة عملية السلام) . لكن هؤلاء يتفقون أيضا على أن ذلك نابع من المعرفة الدقيقة التي يتمتع بها نتانياهو بالنظام السياسي الامريكي والقيود المفروضة على السياسيين الامريكيين في التعامل مع حكومته. وقال أحد هؤلاء: (انه (نتانياهو) يدرك أن مسؤولي الإدارة الكبار, من اولبرايت نزولا وصعودا, غاضبون عليه ويشعرون بالإحباط تجاهه, ولكنه يعرف أيضا أنهم عاجزون عن عمل شيء ضده. وهو يعرف ان بوسعه التغلب عليهم لأنه في الواقع يدرك أنه يمتلك الكونجرس الامريكي) . ويلاحظ المراقبون السياسيون هنا أن الطريقة التي تصرف بها الكونجرس الامريكي في عهد الجمهوريين تجاه عملية السلام هي طريقة (غير مسبوقة) . فمنذ بداية عهده عمل الكونجرس الجمهوري الذي يضم الكثير من اليهود الامريكيين, وخصوصا اليمينيين منهم, على تخريب الجهود التي تقوم بها الإدارة ضد عملية السلام تأييدا لنتانياهو ولليمين الاسرائيلي حتى قبل وصول نتانياهو الى الحكم في اسرائيل. ويشير هؤلاء الى التشريع الذي كان الجمهوريون يهددون باصداره ويدعو الى عدم السماح بمرابطة قوات امريكية في هضبة الجولان السورية المحتلة, وذلك لمنع ادارة كلينتون من طرح مقترحات تدعو الى مرابطة تلك القوات في الجولان لردم المواقف المتباعدة بين السورييين والاسرائيليين حول قضية أمن المنطقة حتى بعد التوقيع على معاهدة سلام بينهم. وكذلك أصدر ذلك الكونجرس عدة قرارات وتشريعات لا هدف لها سوى ابعاد الأطراف العربية عن عملية السلام من أبرزها قانون اعتبر القدس عاصمة لدولة اسرائيل فقط ونقل السفارة الامريكية الى القدس, فضلا عن قرارات أخرى ضد السلطة الفلسطينية ودول عربية أخرى. ولا تفسير للمراقبين السياسيين لهذه المواقف سوى أن جينجريتش والجمهوريين, ما عدا اليهود الامريكيين منهم بالطبع الذين يعالجون الموضوع من منظار ايديولوجي, يريدون استخدام علاقة كلينتون مع نتانياهو لالحاق الأذى انتخابيا وماليا بالرئيس الامريكي وحزبه الديمقراطي سواء في انتخابات نصف الولاية في نوفمبر المقبل, أو حتى في الانتخابات الرئاسية عام 2000 التي يعتقد أن جينجريتش سيرشح نفسه فيها للفوز بترشيح الجمهوريين له لمنافسة آل جور على البيت الأبيض. ومع ادراك نتانياهو أنه (يمتلك) الكونجرس الامريكي, فإن مساعديه يقولون انه يحاول طمأنة أعضاء حكومته اليمينية, الذين يساورهم القلق ازاء اية مواجهة مفتوحة بين الحكومة الاسرائيلية والبيت الأبيض, وبالرغم من انه ليس هناك (غرام) بينه وبين كلينتون, فإنه يفضل عدم تفجير صراع مكشوف مع كلينتون بالرغم من تحريض أصدقائه الجمهوريين في الكونجرس. ونقل عن نتانياهو في اجتماع لمجلس وزرائه الاسبوع الماضي قوله انه (لم يسافر الى واشنطن لتفجير واجهة مع الإدارة الامريكية) , وأكد أن (الروابط بين واشنطن وتل أبيب قوية الى حد يسمح لها بتجاوز خلافات الرأي الحالية بين الطرفين حول عملية السلام) . واشنطن ـ مهند عطا الله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات