قضية عربية : ماذا يعرقل انعقاد القمة العربية

لم تحظ قمة عربية من قبل بذلك القدر من الجدل الذي تحظى به الآن القمة المقترح عقدها لمواجهة التحديات التي تطرحها السياسة الاسرائيلية والتي تهدد في النهاية بابتلاع الحقوق العربية. فازاء مابدا من غطرسة قوة اسرائيلية بلغت مداها طرحت فكرة القمة منذ فترة غير قصيرة, غير انها معلقة في الهواء, ولم يتخذ او يتحدد اي موقف بشأنها فلم تعرف اين ستعقد؟ ومتى؟ وكيف؟ وماهي البنود التي ستدرج على جدول اعمالها؟ كل ماهو مطروح عدد من الامور التي تناقض بعضها فالحديث لايتوقف عن قمة ثلاثية ... يناقضه البعض بالحديث عن قمة خماسية, ولايجد البعض غضاضة في ان يزيد العدد فيؤكد على ان المطروح قمة سباعية .. كل ذلك للتمهيد للقمة الموسعة اما الموعد فحدث عنه ولاحرج . وسط كل ذلك فان السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا كل هذا الجدل؟ لماذا لاتنعقد قمة عربية دون كل هذا الصخب والضجيج, ولماذا ثلاثية او خماسية تمهد للموسعة ... لماذا لا تكون موسعة منذ البداية؟ في هذه السطور نحاول ان نقدم الاجابة, وهي اجابة تعتمد الرصد اكثر من التحليل بحكم اعتبارات عديدة لامجال لذكرها ... وفي المجمل ودون تفصيل فاننا نشير الى ان غياب تصور عربي لماهية الموقف الذي يجب ان يتخذ هو السبب الاساسي وراء تعثر جهود انعقاد القمة . هذا هو مانراه في ظل حالة الصخب العالي بشأن القمة ماحال دون تقديم طرح جاد حتى الآن بشأن هذا الموضوع. لا قمة عربية دون قرارات فعالة وهامش القرارات الجريئة شديد المحدودية: غياب استراتيجية عربية في مواجهة اسرائيل وراء تعثر عقد القمة كتب - مصطفى عبد الرازق هذا الموضوع لا يحمل اتهاما لاي طرف كان ولكنه محاولة مشروعة, لاتتجاوز نطاق الرصد, للتساؤل حول اسباب عدم انعقاد القمة العربية المقترحة منذ اكثر من ثلاثة شهور حتى الآن, رغم انه كان من المفترض ان تعقد منذ عام مضى وفق دعوات القادة العرب خلال قمة 1996 بالقاهرة الى ان تكون القمة دورية. من الصعب هنا ان نحدد كيف بدأ الحديث بالتحديد حول عقد القمة غير اننا نشير الى ان اول من اولى بتصريح بارز في هذا الصدد كان وزير الخارجية المصري عمرو موسى في اجابة على سؤال عما يتردد في الافق من ان هناك تفكير في الدعوة لعقد قمة عربية, حيث اجاب بلهجة دبلوماسية بقوله ان فكرة القمة غير مستبعدة وانه يمكن ان يجري بحثها. اثر ذلك انطلقت الفكرة بقوة, واصبح هناك حقيقة راسخة - حتى لو كان اصلها مجرد شائعة - تتمثل في ان هناك تفكيرا جديا في عقد قمة عربية. جرى هذا الكلام منذ شهر مارس تقريبا, اي منذ اكثر من ثلاثة شهور, ومازال الحديث يجري بشأنه حتى اصبحت القمة في الضمير العربي احد المستحيلات كالغول والعنقاء والخل الوفي - ما يدعو لما طرحناه عنوانا لموضوعنا حول اسباب عدم انعقاد القمة حتى الآن . ولعل متابعة الجدل الذي صاحب طرح اقتراح القمة يقدم فكرة عما يمكن ان يمثله الامر من استفزاز ذي دلالات عديدة. اطراف القمة: طرح في هذا الصدد افكار عديدة و (عجيبة) في آن واحد بدءا من الحديث عن قمة ثلاثية الى قمة موسعة ولم يكن ينقص سوى ان تطرح فكرة القمة الثنائية بين اي دولتين عربيتين باعتبار انها تمهد الطريق لعقد القمة وان لم يخل الأمر من اشارات لذلك. وضمن افكار القمة طرحت فكرة القمة الثلاثية وتركزت اطرافها في اغلب الصياغات في مصر والسعودية وسوريا باعتبار الدور المحوري الذي تلعبه الدول الثلاث. وفي مؤشر على ما يمكن اعتباره تأكيدا لهذا الطرح جرى اجتماع لوزراء خارجية الدول الثلاث في الرياض اوائل ابريل الماضي اعلن على اثره انه تم الاتفاق على مجموعة من الخطوات لتهيئة الاجواء بهدف عقد قمة عربية موسعة. وهنا اشارات مصادر قاهرية الى ان قمة ثلاثية ستعقد في العاصمة السعودية منتصف ابريل غير انها لم تعقد. وعلى طريق هذه القمة الثلاثية ذاتها لم يجر استبعاد ان تعقد لقاءات ثنائية للتمهيد للثلاثية!! ثلاثية أم سباعية؟! وتواصلا مع فكرة القمة التي كان من الواضح انها تلقى ترحيبا طرح البعض - الاردن تحديدا - فكرة القمة المصغرة الخماسية وتضم الاردن, مصر, سوريا, لبنان والفلسطينيين باعتبار انهم اطراف المواجهة مع اسرائيل على ان تمهد هذه القمة لاخرى (موسعة) . كما طرح آخرون فكرة قمة سباعية تضم الى جانب مصر وسوريا والسعودية, كلا من لبنان وفلسطين والمغرب والاردن, وطرحت صياغة اخرى لهذه الفكرة لتصبح قمة الثمانية تشمل مصر وسوريا والسعودية والمغرب والامارات وعمان والاردن وفلسطين. ورغم انه من غير الواضح - او على الاقل لم يطرح رسميا ابعاد او الحكم من عقد قمة مصغرة تمهد لاخرى موسعة, فان دولا عربية ابرزها البحرين اعلنت على لسان الامير الشيخ عيسى بن سلمان انها تؤيد فكرة القمة من اي شكل كان سواء مصغرة او موسعة في حين شككت الامارات في جدوى القمة المصغرة وتساءلت عن السبب وراء عدم امكانية ان يجتمع القادة العرب جميعا ليتناقشوا في القضايا الملحة المطروحة عليهم. ضرورة القمة: اجمعت كل الاطراف تقريبا دون استثناء على اهمية عقد القمة العربية ... لبحث الوضع الراهن لمسيرة السلام ... وخلق اجواء التفاؤل في المنطقة .. وتجاوز حالة الضعف والانقسام السائدة على اكثر من صعيد , مع تأكيد اطراف عربية على ان هناك تفاهم تام على ضرورة تحرك عربي فعال ومشترك لمواجهة سياسات اسرائيل, وازالة كل اسباب الخلاف بين الدول العربية عن طريق الحوار وطرح المبادرات الاخوية. مكان القمة: ساد هذا الامر خلاف على شاكلة عدد اطراف القمة وتركزت الاحتمالات على عقدها في دمشق بالاشارة الى ان سوريا تسعى لعقد قمة على اراضيها لـ (اعتبارات قومية) , في حين رجحت مصادر عقدها في الرياض. وطرح آخرون الرباط مشيرين الى ان ذلك كان طلب العاهل المغربي خلال زيارته لمصر اواخر الاسبوع الماضي. موعد القمة: لم يكن يتجاوز في الغالب شهر من تاريخ المصدر الذي يصرح بعقدها سواء كان مصدرا معلوما ام مجهولا, وغالبا ماطرح ان القمة ستعقد منتصف الشهر الجاري اذا كان التصريح في بداية الشهر او منتصف الشهر المقبل اذا كان التصريح في نهاية الشهر وحتى هذه اللحظة فالحديث جاري عن انعقاد القمة منتصف يونيو الجاري. شروط القمة: لم تتجاوز الاعداد والتحضير الجيدين لضمان نجاحها وغالبا ما كانت تصريحات المصدر - ايا كان - تشير الى ان الاتصالات تمخضت عن مؤشرات ايجابية لعقد القمة!. الاطراف المخمسة للقمة: يمكن تحديدها في ثلاث السلطة الفلسطينية ولبنان والامارات. فلقد كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اكثر من دعا الى القمة ولم يترك مناسبة او تصريح وطلب خلاله عقد قمة عربية وهو ما ينبع من المأزق الذي يواجهه في المفاوضات مع اسرائيل, ودخولها نفق مظلم ... وعلى هذا طالب عرفات في اجتماع وزراء الخارجية العربية بالقاهرة في 26 مارس الماضي بعقد قمة عربية طارئة وانه في حالة تعذر عقدها يمكن عقد قمة مصغرة. وبعد شهرين وبالتحديد في 26 مايو وخلال احتفال في الجامعة العربية بذكرى النكبة دعا عرفات الى عقد قمة لبحث عملية السلام باعتبارها (ضرورة قومية لحماية حقوق ومصالح الامة العربية) مؤكدا ان لهذه القمة اهمية لتبادل الرأي والمشورة بين القادة العرب للخروج بموقف موحد ومتضامن وقوى يكون قادرا على مواجهة احتمالات الانهيار الشامل لعملية السلام) . بين هذين التاريخين وبعدها لا يوجد تصريح لعرفات - تقريبا - يخلو من الدعوة للقمة. كذلك ركز لبنان على الدعوة للقمة انطلاقا من المشكلة التي واجهها بشأن العرض الاسرائيلي المشروط بالانسحاب من الجنوب اللبناني واحتمالات تعديل نص القرار 425 في مجلس الامن بما يتوافق مع الاهداف الاسرائيلية. وفي هذا الخصوص دعا الرئيس اللبناني الياس الهراوي خلال زيارته للامارات اوائل ابريل الماض الى قمة عربية وان تقسم فيها الدول العربية اليمين بان لا تتعامل مع اسرائيل الا بعد تحرير الارض. الى جانب السلطة ولبنان اللذين دعيا للقمة كل للحصول على دعم عربي لموقفه دعت الامارات كثيرا لعقد قمة عربية وصدر عن مسؤوليها اكثر من خمس دعوات وكان ابرزها تأكيد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة رئيس الدولة على اهمية القمة الموسعة السنوية وذلك خلال لقائه مع الشيخ احمد ياسين مؤسس حماس. وقد اكد صاحب السمو الشيخ زايد رئيس الدولة خلال هذا اللقاء على اهمية انعقاد القمة العربية لمعالجة الاخطاء والنواقص التي تعتري العمل العربي المشترك والعلاقات العربية - العربية, مضيفا يجب ان نجتمع حتى نصحح اخطاءنا وخططنا واتجاهاتنا ونعزز صفوفنا. مشددا على ان وحدة الموقف العربي لن تتحقق الا من خلال القمة الموسعة واللقاءات العربية العربية, داعيا الى عقد القمة سنويا لصياغة العمل العربي. وكانت اخر تأكيدات الامارات على الدعوة للقمة منذ ايام على لسان الشيخ سلطان بن زايد نائب رئيس الوزراء والشيخ حمدان بن زايد آل نهيان وزير الدولة للشؤون الخارجية وفي ضوء علاقات الامارات الجيدة بكافة الدول العربية, فانه لا يمكن تفسير موقف الدولة الا بالحرص على المصلحة العربية وهو الامر الذي تعززه مختلف توجهات الامارات من مختلف القضايا العربية. دعوة للتريث الى جانب الاطراف الثلاث السابقة تكثفت المساعي من قبل دول عربية اخرى من بينها السعودية وآخر جهودها في هذا الصدد زيارة الامير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي لسوريا والاردن لبحث عقد قمة عربية مصغرة. ومن المرجح هنا - حسب آخر الانباء - عقد القمة المقترحة في دمشق الاسبوع المقبل. اما مصر فرغم انها طرف رئيسي ومحور اساسي في كل التحركات الا ان تصريحات بعض مسؤوليها شابها نبرة ضرورة التريث في عقد القمة خاصة بعد طرح مبادرتها مع فرنسا لعقد مؤتمر دولي لانقاذ السلام, ولعل في تصريح وزير الخارجية عمرو موسى الاربعاء الماضي ما يؤكد هذا حيث صرح (كل ما استطيع قوله في هذا الشأن ان كل ما يتردد حول عقد القمة او نوعيتها او مكانها ... كل ذلك يجري حاليا التشاور بشأنه وهي موضع اهتمام. وتابع (ان القمة العربية وعقدها امر مطروح في الجو العربي لكن لا استطيع ان اعطي معلومات محددة في الوقت الحالي) . باستثناء الدولة العربية التي جرى الحديث عنها في السطور السابقة ظلت بقية الدول العربية الاخرى بعيدة عن جدل القمة . والسؤال الذي طرح نفسه مجددا في مجال الحديث عن عقد القمة العربية: هل الخلاف حول العراق مثلا يمكن ان يكون هو العائق امام القمة؟! ينفي الشيخ صباح الاحمد وزير الخارجية الكويتي هذا الامر مؤكدا ان الكويت لن تضع جيتو على حضور العراق القمة مضيفا ان ما تستطيعه الكويت الا تحضر اذا لم ترغب من الحضور معتبرا ان اي قمة عربية مقبلة يجب ان يعد لها بتأن والا ستفشل, وان العرب في ظروف تحتم عليهم التقارب فيما بينهم لمواجهة تعنت اسرائيل. وينفي العراق نفسه ذلك السبب, فهو لم يبد اصرارا على الحضور , في ذات الوقت الذي يؤكد فيه ان علاقاته تتحسن مع جميع الدول العربية باستثناء الكويت. ووفق طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي فان التردد في عقد القمة ليس بسبب العراق وانما السبب الرئيسي هو ماذا تفعل القمة بالنسبة للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وفق هذا الطرح الاستعراضي للجدل حول القمة يمكن القول انه لايوجد طرف عربي يعارض صراحة عقدها, وان الدول العربية تنقسم في هذا الصدد الى اربعة فئات فئة تتحمس لها, واخرى ترى ضرورتها مع قدر من التريث وثالثة لاتمانع في عقدها, والرابعة لم تطرح موقفا من الاصل. تحديات المواجهة الى هنا لا يمكن القاء مسؤولية عدم انعقاد القمة على طرف محدد, وهو مايدعونا الى التساؤل حول ماهية الموضوعات التي ستبحثها القمة. ووفق ما ذهب كثيرون فان هناك العديد من القضايا العربية التي ستبحثها القمة حال انعقادها غير ان الطلب الاساسي وراء انعقادها والذي سيشكل محور مناقشاتها هو مسيرة الصراع مع اسرائيل ... ذلك ان بقية الموضوعات المطروحة ليست بدرجة الالحاح الذي تمثله وحول المفاوضات على المسار الفلسطيني الى طريق مسدود وعدم تحرك المسار السوري منذ فبراير 1996 , ومحاولات اسرائيل التلاعب بالمسار اللبناني. بعبارة اخرى لا مجال لقمة عربية دون قرارات فاعلة ولان القرارات الفاعلة لامجال لها ... فمصير القمة العربية معلق في الهواء. قد يتساءل البعض عن صعوبة اتخاذ قرارات فعاله .. نشير في معرض اجابتنا الى مصر باعتبارها الحالة التي يمكن الحديث عنها دون تحفظ نشير الى ان مصر تسلك موقفا (مناهضا) ان صح التعبير للشكل الذي يراد لمسيرة السلام ان تنتمي اليه, بمعنى آخر ان مصر تقف في وجه مساعي اسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة - لرسم شكل مستقبل العملية السلمية وفق خططها وتصوراتها وانطلاقا من هذا تتعرض القاهرة لضغوط هائلة سببت توترا ملحوظا غير خاف على احد في علاقاتها مع واشنطن ويكفي ان نشير الى ان لدى الادارة الامريكية (على الرف) ثلاثة اوراق للضغط - على الاقل - يجري الاستعانة بها كلما بدا ان القاهرة تتخذ مواقف غير مواتية , اول هذه الاوراق هي ورقة الاقباط ومزاعم تعرضهم لاضطهاد في مصر, ثانيها قضية المعونات والتي تقدر بنحو 2.1 مليار دولار, ثالثا التسريبات المزعومة عن توجهات مصر التسليحية ودون مكابرة نقول ان القاهرة تضع استخدام هذه الاوراق في الاعتبار غير انها تسعى للمناورة في حدود الممكن, ولنا ان نتصور انه اذا كان ذلك هو الموقف الذي تواجهه مصر رغم ان سياستها لا تتجاوز ابداء موقف مخالف بشأن مسيرة العملية السلمية فما بالنا اذا طورت موقفها الى حد استخدام اوراق (استراتيجية) في ادارة الصراع مع اسرائيل. ودون استطراد يمكننا التأكيد على ان حالة العجز العربي هي التي تقف وراء تعثر انعقاد القمة, وما الجدل السائد بشأنها ثلاثية ام خماسية, في دمشق ام الرباط, خلال نصف شهر ام شهر, سوى نوع من المماحكات لتغطية العجز السبب الحقيقي في عدم انعقاد القمة. ان الموقف يتطلب اتخاذ قرارات لاتعد ثورية وان كنا نعتبرها كذلك بسبب سيادة حالة الضعف العربي. لقد دعا المفكر الفرنسي المسلم جارودي في ندوة له بالقاهرة خلال زيارته الاخيرة لها الدول العربية والاسلامية الى الانسحاب من الامم المتحدة احتجاجا على مواقفها غير المصنفة من القضايا العربية, ومعاييرها المزدوجة, واعتبره البعض خلال الندوة انه من الحالمين , وهو كذلك بالفعل , غير ان السياسة تتطلب احيانا قدرا من الاحلام .. وما قيام اسرائيل سوى حلم ... تحقق!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات