في الوقت الذي توقع فيه المراقبون ان تتعامل الحكومة السودانية بعصبية وتستنفر اجهزتها وتتعالى اصوات صحافتها احتجاجا على رعاية القاهرة لاجتماع قيادة المعارضة السودانية, كانت المفاجأة تناغما هادئا صادرا من الخرطوم بأن انعقاد ذلك الاجتماع في العاصمة المصرية يمكن ان تكون له مردودات ايجابية بدلا من نتائجه السلبية تجاه الحكومة السودانية عندما كانت قيادة المعارضة تعقد اجتماعاتها في اسمرا وتشارك فيها القيادة الاريترية من خلال ممثلين للتنظيم السياسي الحاكم وليس السلطة التنفيذية وهذا ما حدث ايضا في القاهرة عندما تولى الحزب الوطني الحاكم ترتيب الاجتماع والاحتفاء بالقيادات المشاركة فيه, وهذه بلاشك سياسة عقلانية ومعروفة في العالم الثالث بعدم خلط الاوراق بين السلطة كدولة ونهجها السياسي أو الشعبي, وفي الحقيقة ان السودان كان سباقا في هذا المنحى عندما انشأ منذ سنوات جسما شعبيا لدعم المعارضين العرب والاسلاميين باسم (مؤتمر الشعب العربي الاسلامي) تفرغ الدكتور حسن الترابي لقيادته, ولكن لم تعد الحاجة ماسة بعد ان أكملت الدولة تنظيماتها وهياكلها وبدأ يتلاشى ذلك التنظيم, والآن في استطاعة (المؤتمر الوطني) وهو التنظيم السياسي للدولة ان يقوم بتلك المهمة اذا دعت الظروف كما تفعل القاهرة واسمرا. والمفاجأة لم تكن فقط في ردة فعل الحكومة السودانية تجاه موقف مصر الداعم لاجتماع المعارضة, ولكن من تصريحات لمسؤولين كبار يرحبون فيها بهذا الدور المصري, أو كما قال الدكتور معتصم عبدالرحيم الامين العام للتنظيم السياسي لولاية الخرطوم, بأننا اشد اطمئنانا بانعقاد اجتماعات المعارضة بالقاهرة, وذلك لثقتنا في ان الاستراتيجية المصرية لا يمكن ان يكون هدفها الاضرار بالسودان, كما ان النائب البرلماني المهندس فاروق صرح بأن تقرب قرنق من الدول العربية وبخاصة مصر له ايجابيات كثيرة من اهمها الظهور بأنه (وحدوي) بينما تبث وكالة السودان الرسمية للانباء تقريرا بأن القاهرة تخطط بأن يكون لها دور لاشك سيكون ايجابيا تجاه وحدة السودان بعد ان انتهت تحليلات الخبراء المصريين بأن انفصال جنوب السودان يهدد العمق الاستراتيجي لمصر, اذا قامت دولة جديدة فإن ذلك سيلحق اضرارا بحصة مصر من مياه النيل واحتياجاتها المستقبلية من المياه, كما ابرزت صحف الخرطوم تصريح الدكتور رياك مشار مساعد رئيس الجمهورية وحاكم الجنوب لــ (البيان) ان المطلوب من مصر ان تقوم ببناء الثقة بين الشماليين والجنوبيين السودانيين حتى تتوقف الحرب وتنساب المياه من قناة جونقلي المعطلة. المفاجأة الثالثة كانت ان ينساب هذا التناغم الايجابي من الخرطوم تجاه القاهرة في ظل اجتماع المعارضة, بينما تعطلت لغة الحوار بين العاصمتين بسبب خلاف حول اعادة المؤسسات المصرية (المصادرة) وهو الامر المرتبط بإعادة العلاقات بين الدولتين الى طبيعتها بعد القطيعة الممتدة منذ المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس مبارك قبل سنوات والمتهم فيها السودان بإيواء الجناة وأدى هذا الاتهام الى مصادرة المؤسسات المصرية, كما يأتي هذا التناغم في وقت تتهم فيه مصر بتحريك آلياتها في مثلث حلايب مجددا, مما يؤكد ان الخرطوم غير راغبة في التصعيد مع القاهرة حتى لا تندفع بأكثر من المؤازرة السياسية في دعم المعارضة, لأن الاعتقاد السائد هنا ان اريتريا المندفعة الى حرب مع اثيوبيا أو تأمين حدودها معها لن تكون لها القدرة الكافية لحماية ظهر قوات المعارضة السودانية ومساندتها, وهذا الدور يمكن ان تقوم به مصر في مناطق اكثر حساسية من شرق السودان وربما حلايب أو من خط المياه الاقليمية في البحر الاحمر خاصة وان ميناء بورتسودان احد اهداف المعارضة بعد ان فشلت أولى محاولاتها منذ اقل من عامين لاثارة تمرد عسكري من داخل المدينة واعتقال عناصرها والضالعين معهم من الضباط. من هنا فالراجح ان الخرطوم ستظل في خطها المهادن للقاهرة الى ان ينفض اجتماع قيادة المعارضة ودراسة قراراته وأكثر من ذلك ردة فعل مصر بشأن تلك القرارات, فإذا كانت سياسية مثال استنهاض انتفاضة شعبية, فهو امر ليس جديدا في نظر الحكومة, واذا كانت القرارات تصعيد العمل العسكري فإن دراستها ستتم باعتبار دخول مصر في هذا العمل بعد التهديد الذي ساقته صحف القاهرة بأن مصر ستتدخل عسكريا لايقاف فصل الجنوب, وحتى هذا الامر لم تنزعج منه الخرطوم لأنه جاء وسط التحضير لاجتماع المعارضة بالقاهرة. ومما يؤكد ان مصر لا تنوي التزام هذا الخط المتشدد بعد توديع مؤتمر المعارضة, انعقاد اجتماع كان مقررا مسبقا لوزيري الري في البلدين في موعد يتزامن مع اجتماع المعارضة لبحث المسائل المائية وكذلك اعادة مؤسسات الري المصري, ولكن مع هذا فإن الخرطوم تحتاط للقضية اذا كان ما يجري في القاهرة بين الحزب الحاكم والمعارضة السودانية نهج استراتيجي جديد وليس مرحليا, فقد قال محمد الحسن الامين الذي يرأس دائرة الاتصال في المؤتمر الوطني التنظيم الحاكم حاليا (حزب الحكومة المرتقب بعد اجازة الدستور) ان ايواء الحكومة المصرية للمعارضة يشكل نقطة سالبة في العلاقات بين البلدين, وتأتي تصريحات الامين الصحفية علامة فارقة في خط المهادنة تأخذ اهميتها بأنه من القيادات الاسلامية البارزة ومساعد الدكتور الترابي في امانة التنظيم السياسي. الخرطوم ـ يوسف الشنبلي